الثلاثاء 13 أبريل 2021 م - ٣٠ شعبان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: الذوق العام في منصات التواصل الاجتماعي

في العمق: الذوق العام في منصات التواصل الاجتماعي

د. رجب بن علي العويسي

الذوق لُغة راقية، ومشاعر صادقة، رُقيّ في التصرف، وحكمة في الرأي، وذكاء في الأداء، ومنهجية في العمل، تصنع القوة، وتبني القدوة، وتهذِّب السلوك، وتؤسس الشخصية المتزنة، وتعبِّر عن ما يمتلكه الفرد والمجتمع من مبادئ وقيم، وأخلاق ورسالة، ومصداقية وأمانة، عنوان لتحضر المجتمع ووعي مواطنيه، لذلك لم يكن الذوق العام حالة وقتية مزاجية، يمارسها الفرد والمجتمع بحسب الأمزجة والظروف، يلتزم فيها وقت الحاجة أو الضعف، بينما يتخلى عنها وقت القوة وعدم الاحتياج، وأيّ فرد أو مجتمع كان الذوق العام طبعه، فقد نال حظ التقدير والاحترام، والإجلال والامتنان، لأنه يمتلك حُسن الخلق، وسُمو الفكر، ونبل الطباع، ورُقي الضمير، وفقْه الشعور بالآخر، والحس المسؤول، كما أن السلوك الذي يراعي مبادئ الذوق العام وجمالياته سيكون له أثره الإيجابي في حياة المجتمع وتقدم أفراده، وحرص الجميع على النهوض بمجتمعهم كل في مجال اختصاصه، ولا يتنافى الاهتمام بالذوق في الخطاب، وحس الكلمة وانتقاء المعلومة، ليشكل الذوق العام ذلك المزيج الذي تتكامل فيه المشاعر والأحاسيس مع قيمة الفكرة ودقة العبارة ومصداقية المعلومة وموضوعيتها، فهو سياج أخلاقي يحصّن الفرد ويحفظ خصوصيته ويؤسس معايير الرُّقي في تصرفاته القولية والفعلية وأشكال التعبير الأخرى، ويقوّي حس الذائقة الجمالية لديه في الانتقال والاختيار.
وتشكّل منصات التواصل الاجتماعي عالما مفتوحا وفضاءً إلكترونيا واسعا يحمل الكثير من المحطات والمواقف والفرص في كافة أشكال التعابير الثقافية والفكرية والسلوكيات، بما تحويه من تنوع ثقافي، وشيوع معرفي، وعمق فكري، ومساحة للتعرف على ثقافة الشعوب وعاداتها وأخلاقياتها ومبادئها وطريقة إدارتها للمواقف وتربية أجيالها، ودور التعليم في صناعة الجيل القادر على التكيف مع معطيات هذه المنصات، وما يطرح فيها من أنواع الثقافات والأفكار والتجارب والسلوكيات، حتى جعلت من العالم قرية صغيرة ومحطة التقاء مشتركة، يتفاعل الجميع فيه بكل حرية ويسر، وأسهم تدخل البشر في هذه المنصات في تحويلها من أدوات فاعلة تستهدف تحقيق مساحة أوسع للحوار والتواصل والانسجام بين الشعوب والتعرف بشكل مباشر على منتوجها الفكري والمعرفي والأخلاقي وتبادل الخبرات والمعارف والتجارب وإشاعتها بين المجتمعات للاستفادة منها والبناء عليها؛ إلى أدوات تتقاطع مع أمن الإنسان واستقراره وتقوض معالم بنائه، ومبادئه وأخلاقه، في تشويه لحقائقها، وطمس للمعالم الإيجابية التي تحملها والغايات السامية التي يمكن أن تستقى منها، بما تضمنته من تعبيرات لا أخلاقية وممارسات غير إنسانية عززت من الابتزاز الإلكتروني والتنمر الفكري وإفراغ هذه المنصات من الذوق والآداب العامة حتى أصبحت وكرا لنشر المذهبيات وتأجيج الأحقاد والكراهيات، والإساءة إلى العادات والهويات، وأعطت مستخدميها مساحة للحرية المطلقة التي تفتقر لروح الإنسانية، وضمير الأخلاق لتمارس دور التشهير بالآخر وابتزازه ومصادرة الفكر وتشويه السمعة ونشر الإشاعة، بل صاحبها الكثير من الألفاظ القذرة، والعبارات السطحية، والكلمات النابية، والردود التي تتقاطع مع إنسانية الإنسان، عنوانها السب والشتم والقذف والاتهام الذي يراه البعض نوعا من الفكاهة وحب التغيير والضحك، في اختزال مهين للذوق العام والسلوك الاجتماعي الراقي، وتعبير عن سقوط أخلاقي مهين ونفوق قيمي فاضح، وحشية وانحراف في النهج، وضياع في السيرة، وتمزق في السريرة، تستهجنها النفس الإنسانية الراقية، ويتقززها الضمير الإنساني الحي.
على أن شيوع الممارسات المنافية للآداب العامة والذوق الرفيع في منصات التواصل الاجتماعي وبشكل خاص السناب شات والانستجرام واليوتيوب والتيك توك، وحضورها الواسع فيها وغلبتها على السلوك الآخر المعتدل يضع عليها علامات استفهام كبيرة، ويطرح على مؤسسات التنشئة ومحاضن التربية ومؤسسات التعليم والإعلام مسؤولية بناء أخلاقيات إنسان التقنية، وسلوك أجيال عالم الفضاءات المفتوحة، وتعريضه للمواقف التي يمكن خلالها التعامل الراقي معها والواعي لها، بما يجنبه ومجتمعه مزالقها أو يقف على مسببات هذا السلوك ونواتجه، فلم تعد المنصات الاجتماعية مساحة لعرض المنتجات الفكرية وأشكال التعابير الثقافية والمعرفية والسلوكيات التي يستفيد منها البشر؛ بل اتجهت لعرض ما لا يجب أن يراه الآخرون، إذ رافق القول البذيء والتصرف المهين، انحرافا جسديا من حيث الملابس الفاضحة التي يظهر بها المشاهير وغيرهم ممن يسعون لطلب الشهرة المزيّفة والحصول على أكبر عدد من المتابعين في تطبيقات الفيديو المختلفة وأمام مرأى ومسمع الجميع في إثارة للنزوة، وكشف للمستور، وإظهار للعورة، وتشجيع على سلوك الدياثة، وعدم احترام ذوق المجتمع وأخلاقياته، في سلوكيات تعصف بالآداب، وتذهب الغيرة، وتقتل المروءة، وتبرز القبح، وتثير الغريزة، وتدعو إلى التقليد الأعمى، وتنشئ الأجيال على حب الانسلاخ من جلباب الفضيلة، وسُمو الأخلاق والحشمة، والستر والحياء، والعفة والكرامة والغيرة والرجولة، لتبرز فيهم الخنوع والانقياد وراء الذات، والسطحية في التفكير، والنظرة الضيقة للحياة في ثوب الغريزة الجنسية، والظهور المبتذل الذي يقلل من احترام المتابعين واستشعار وجودهم وتقدير متابعتهم.
من هنا، فإن بناء الذوق العام واستحضاره في منصات التواصل الاجتماعي تجسيد عملي لحسِّ الكلمة ومصداقية المعلومة، وسُمو الفكرة، ونضوج الفكر، ونهوض الوعي، ونُمو القِيم، ورُقي السلوك، وعمق المبدأ، وحياة الضمير، والإدارة الكفؤة للواقع الافتراضي، والتعاطي الحذر مع سيل التناقضات والأفكار العشوائية والمعلبات الفكرية الفارغة التي تروّج لها هذه المنصات وترفدها بها الحسابات الوهمية ومشاهير “السوشل ميديا” وحجم الإعلانات التي يروجونها، والسلوك التسويقي المستخدم لها لكسب الشهرة والمال من هذه التصرفات التي يستخدمها بعض مشاهير التواصل الاجتماعي، ويسيئون فيها لأنفسهم وللمتابعين والمجتمع وبشكل خاص فئة المراهقين والشباب الذين يروجون هذا السلوك في واقعهم اليومي، لذلك كان بناء الذوق العام في حياة وسلوك مستخدمي هذه المنصات؛ الطريق الذي يضمن كفاءة استخدامه لها ليس فقط في المنتج المعرفي أو الترويجي لديه وتأثيره على الآخرين؛ بل أيضا في طريقة استخدامه لهذه المنصات “سناب شات وتويتر وإنستجرام وفيس بوك وغيرها” والمحافظة على ترقية استخدامها بما يطرحه من وقائع وسلوكيات، فيسلك مسلك المؤتمن عليها، ويأمن على نفسه ومجتمعه من مخاطرها.
لقد جاء في نَص المادة (٤٧) من النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني (6/2021) “احترام النظام الأساسي للدولة، والقوانين، والمراسيم والأوامر السلطانية، واللوائح، والقرارات الصادرة من السلطات العامة تنفيذا لها، ومراعاة النظام العام، واحترام الآداب العامة واجب على المواطنين والمقيمين والموجودين في السلطنة”، كما حفل قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2018) بالكثير من المواد التي تناولت الذوق العام بشكل صريح أو ضمني عبر نواتج تطبيق المواد وفق موجهات تقنينية وضبطية تستهدف تعزيز الذوق العام والمحافظة على مساحات تحققه لتشمل كل الجوانب التي لها علاقة بسلام المواطن الداخلي وتصالحه مع الآخرين في إطاره الاجتماعي والبيئي والصحي والسلوك العام، بما يصدر منه من أقوال أو أفعال أو أشكال تعبيرية أخرى، وإيجاد معالجات ضبطية وتقنينية للممارسات التي باتت تشوه صورته وتؤثر على الالتزام بالآداب العامة التي تعكس النموذج الحضاري للهُوية العمانية، حيث ورد في الباب السابع منه، وتحت العنوان (الجرائم المخلة بالآداب العامة) العديد من المواد التي يمكن أن نستقرئ منها أحكاما عامة في الذوق العام ـ والتي أشرنا إليها في مقال سابق نشر بهذه الجريدة.
ولمّا كانت منصات التواصل الاجتماعي أحد الأماكن العامة التي بات لها حضورها وتأثيرها المجتمعي الواسع ويقع عليها تأصيل الذوق العام والمحافظة على سقف حضوره، وبالتالي ما يترتب على هذه المخالفة القولية أو الفعلية أو السلوكية، الصريحة منها والضمنية، من تأثير سلبي على قِيم المجتمع وأخلاقه وهُوية الإنسان العماني وإساءة النظرة إليه، وما يظهر لدى بعض المتابعين من فئة الأطفال والمراهقين والشباب وغيرهم في تعميم هذا السلوك الشائن واعتباره نموذجا يعبِّر عن سلوك المجتمع، وما يعنيه ذلك من أن مسألة الذوق العام التي يجب أن تراعيها هذه المنصات التفاعلية في ظل مساحة الحرية التي تمنحها لمستخدميها في الاختيار والانتقاء؛ لذلك لم تعد في ظل القلق الاجتماعي من اتساع عبث هذه المنصات بالقِيم والآداب والأخلاقيات سلوكا شخصيا خاصا بالفرد نفسه يتصرف فيه كيفما شاء ومتى شاء، ويتحدث فيه بما يريد أو يظهر من مفاتنه وخصوصياته ما يشاء من غير رقيب أو حسيب، بل هي حرية مسؤولة محكومة بقوانين وأنظمة وضوابط وأسس يجب الالتزام بها والعمل في إطارها، وبالتالي تفعيل الأدوات الجزائية والرقابية والضبطية التي أفصح عنها قانون الجزاء العماني وغيرها من القوانين ذات العلاقة، بما يؤكد الحاجة إلى وجود نظام وطني للذوق والآداب العامة يفرض قدرا من الاحترام للأنظمة والقوانين الوطنية السارية، على شكل مدونة لقواعد السلوك الاجتماعي والآداب العامة تحتوي على تفاصيل السلوك الفردي والمجتمعي، سواء في الواقع المعايش أو العالم الافتراضي والمنصات الرقمية؛ فإن من شأن وجود هذا النظام أن يعزز من نشر السلوكيات الإيجابية العامة، ودعم النماذج المضيئة والعادات السليمة ونُمو مبادئ الذوق العام في المجتمع، بما يسهم في الحد من السلوكيات المبتذلة والعادات المتصنّعة لتي باتت تشكل ظاهرة اجتماعية مقلقة تدق ناقوس الخطر.

إلى الأعلى