الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / “فليعدْ كلٌ إلى مكانه”

“فليعدْ كلٌ إلى مكانه”

محمد عبد الصادق

محمد عبد الصادق Mohamed-abdelsadek64@hotmail.com كاتب صحفي مصري
” حسناً فعل السيسي عندما أمر بإعادة النظر في تعويض ورعاية أهالي الشهداء، ومصابي ثورة 25يناير، وتكليف لجنة الإصلاح التشريعي بدراسة تعديل قانون الإجراءات الجنائية تنفيذاً لحيثيات الحكم في قضية مبارك التي دعت المشرع لوضع قانون يمنع إسقاط التهم في قضايا الفساد بالنسبة للموظف العمومي لانقضاء المهلة الزمنية، وهو ما استفاد منه مبارك ونظامه”
ــــــــــــــــــــــــ
لم أفهم ماذا كان يقصد القاضي الذي حكم ببراءة مبارك بعبارة” فليعد كلٌ إلى مكانه” عقب النطق بحكم البراءة لصالح الرئيس الأسبق حسني مبارك، ونجليه، ووزير داخليته ومساعديه من جميع التهم الموجهة إليهم، فلم ألحظ أن واحداً منهم تحرك من مكانه، ولم يبد على أي منهم ردود أفعال مبالغاً فيها، وبدوا وكأنهم على يقين من حكم البراءة، أو ربما بحكم السنين الطويلة التي قضوها في كراسي الحكم، جعلتهم يتمتعون بقدر عالٍ من الثبات الانفعالي، فصاروا حكماء وعقلاء ومتحضرين، عكس ما يفعله الرئيس السابق محمد مرسي وأركان نظامه أثناء جلسات محاكمتهم، من صخب وضجيج، واعتراض، وتشويش على القاضي، كونهم حديثي عهد بالسلطة، فلم يهنأوا بمناصبهم سوى عامٍ يتيم، لم يتسن لهم فيه اكتساب الخبرات اللازمة لمثل هذه المواقف الصعبة، فضلاً عن حزنهم وغضبهم الشديد لزوال بريق الحكم قبل التمتع به، وتسرب “الأبهة” الرئاسية سريعاً من بين أيديهم.
بعض المتشائمين، والساخرين فسروا عبارة” فليعد كل إلى مكانه” بأنه إعلان من القاضي بفشل ثورة يناير2011م ، وعودة حسني مبارك ونظامه لإدارة شؤون مصر والحقيقة رغم حرصنا على احترام أحكام القضاء وعدم التعليق عليها، ولكن الحكم أثار حالة من الصدمة والاندهاش الشديد؛ داخل مصر وخارجها، وأكثر ما يؤلم ويحز في النفس؛ هو الثمن الباهظ الذي دفعته مصر طوال السنوات الأربع الماضية من دماء شبابها الأبرياء الذي لم يتوقف هدرها حتى الآن، فضلاً عن الخراب والدمار الذي أصاب كثيراً من المرافق والمباني، والمنشآت الحكومية والخاصة ويكفي احتراق المجمع العلمي بما يحويه من كنوز تراثية لا تقدر بثمن، بجانب ما أصاب المجتمع المصري من تداعيات الانفلات الأمني والأخلاقي بسبب انشغال أجهزة الدولة وعلى رأسها الشرطة بمحاربة الإرهاب على حساب الأمن الجنائي والاجتماعي والاقتصادي؛ فانتشرت سرقات المنازل والسيارات، وشهدت مصر لأول مرة في تاريخها الحديث عدداً كبيراً من حوادث السطو المسلح والاختطاف وطلب الفدية وعجز الشرطة عن الوصول للجناة، وانتشرت المخدرات بين النشء والشباب بعدما أصبح دخولها البلاد والحصول عليها ميسوراً نتيجة تراجع عمليات المكافحة وحالة الفوضى التي تعم دول الجوار، فضلاً عن اتساع البناء على الأراضي الزراعية، والبناء بدون ترخيص وكثرة المناطق العشوائية، وتفشي الفساد والشلل في المحليات؛ فامتلأت شوارع العاصمة بأكوام القمامة، وساءت حالة الطرق، وتأثرت مشاريع الصيانة وتشييد الطرق والجسور وتفاقمت أزمة المرور في القاهرة والمدن الرئيسية.
وعقب ثورة يناير توقفت حركة السياحة في المدن المصرية التي كان يزورها أكثر من 14مليون سائح وتدر أكثر من 12مليار دولار سنوياً على الاقتصاد المصري، وكان يعمل بها أكثر من 5 ملايين شاب؛ ولكن نتيجة تردي الحالة الأمنية والدعاية السوداء لجماعة الإخوان والدول الداعمة لها ـ ضد مصر والنظام الحاكم ـ في أوروبا وأميركا واليابان، اضطرت هذه الدول لفرض حظر على سفر رعاياها لمصر، فتراجع عدد السياح لأقل من مليون سائح في السنة.
كان الشعب المصري مستعداً لتحمل هذه “الفاتورة” القاسية راضياً في سبيل تحقيق الأهداف التي نادت بها ثورة يناير، وأولها التخلص من نظام مبارك الفاسد واختفاء الوجوه القبيحة التي ظلت جاسمة على أنفاس الوطن لعقود طويلة، والقضاء على شبح التوريث وتزاوج السلطة والثروة، ولكن للأسف رغم كل هذه التضحيات لم يأت نظام جديد حتى الآن يحقق التغيير المنشود، وينحاز بشكل فعلي لشعارات الثورة” العيش والحرية والعدالة الاجتماعية”.
لم يحصل الشعب المصري حتى الآن على شيء يذكر جراء ثورة يناير، حتى أحلام التغيير وسقوط النظام الفاسد راحت أدراج الرياح، بتبرئة مبارك ورموز حكمه، وحصول معظم رجال أعمال النظام السابق على البراءة؛ حتى أن أحدهم يطالب الآن باسترداد قيمة الغرامة المالية التي حكم عليه بأدائها بعد إدانته من محكمة أول درجة بممارسة الاحتكار والفساد، وكنا نتخيل أنه سيتوارى خجلاً عن الأنظار، ولكن تسربت أنباء عن نيته الترشح في الانتخابات النيابية القادمة.
الرئيس السيسي آثر أن يبتعد عن التعليق على أحكام البراءة، ولكنه تحت ضغط الرأي العام الرافض للحكم خرج عن صمته، وأرسل إشارات خجولة تدلل على رفضه لنظام مبارك، من قبيل قوله: ” لا يوجد منصف أو محب لهذا البلد يستطيع القول إن مبارك ونظامه كانوا جيدين، وأضاف: كان لابد أن يترك مبارك الحكم منذ 15سنة، وأكد السيسي أنه ليس محسوباً على أحد، ولا أحد محسوب عليه.
لا بد للسيسي إذا أراد إجهاض الفتنة التي أشعلتها براءة مبارك القيام بإجراءات حقيقية تؤكد انحيازه لثورة 25يناير، مثل غلق الباب في وجه الفاسدين، والاستماع لجميع الأصوات المؤيدة والمعارضة ، وفسح المجال للشباب للمشاركة السياسية وضخ الدماء والأفكار الجديدة في أوصال الدولة التي شاخت بسبب سيطرة أصحاب المصالح، وأسرى البيروقراطية وعبدة الروتين على مفاصلها.
حسناً فعل السيسي عندما أمر بإعادة النظر في تعويض ورعاية أهالي الشهداء، ومصابي ثورة 25يناير، وتكليف لجنة الإصلاح التشريعي بدراسة تعديل قانون الإجراءات الجنائية تنفيذاً لحيثيات الحكم في قضية مبارك التي دعت المشرع لوضع قانون يمنع إسقاط التهم في قضايا الفساد بالنسبة للموظف العمومي لانقضاء المهلة الزمنية، وهو ما استفاد منه مبارك ونظامه، كما دعا السيسي اللجنة لإصدار قانون يجرم إهانة ثورتي 25يناير و30يونيو ، بعد أن تجرأ كثير من رجال الأعمال والإعلاميين الموالين لمبارك على ثورة يناير ونعتوها بالمؤامرة ووصفوا شهداءها ومصابيها بالبلطجية .
لن تهدأ مصر وتستقر الأوضاع إلاّ باسترجاع حق الشهداء والمصابين والاقتصاص من القتلة والمتآمرين ، ولن يمكنها المضي قدماً للمستقبل ، دون أن تداوي جراح الماضي ، وتتخلص من فسدة النظام القديم ، وإذا كان مبارك ونظامه أفلت من العقاب لخضوعه للمحاكمة أمام القانون الذي فصله مبارك على عينه خلال سني حكمه الممتدة ؛ على يد “ترزية القوانين” ؛ مما أعطى الفرصة لمحاميه أن يصول ويجول بين أوراق القضية ويستغل الثغرات القانونية لتبرئة مبارك ونظامه من تهم القتل والفساد ، وينفث دخان “سيجار الهافانا” في وجه المصريين ، ولكن الإجماع الشعبي على إدانة مبارك ونظامه كفيل وحده بأن يضغط على النظام الحاكم ليضع قوانين ويسن تشريعات ، يمكن من خلالها خضوع هذا النظام البائد للحساب والمساءلة السياسية على جرائمه في حق الشعب المصري مهما طال الزمن وظن الجناة أنهم أفلتوا من العقاب.

إلى الأعلى