الثلاثاء 13 أبريل 2021 م - ٣٠ شعبان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / محـبة الله طـريـق إلى طـاعـتـه (2)

محـبة الله طـريـق إلى طـاعـتـه (2)

ناصر بن محمد الزيدي:
إن الله خـلـق الـخـلـق، مـن الـجـن والإنـس للـعـبـادة، وخـلـق لـهـم مـا في الأرض جـمـيـعـًا لا غــيره، وهـو الـذي خـلـقـهـم وكـفـل رزقـهـم، فـعـنـدئـذٍ إذا تـذكـرنـا ذلك وربـطـنـا تلك الـنـعـم بالـمـنـعـم سـبـحـانـه وتعالى وثـبـتـنـا عـلى هـذا الـنحـو، فـلا شـك أن الـقـلـب يتـحـول عـنـدئـذٍ إلى وعـاءٍ لحـب الله الـواحـد الـذي لا ثـاني لـه، ألا وهــو حـب هـذا الـمـنـعـم ـ جـلَّ جـلالـه، عـلى كـرمـه ونـعـمـه، قال (صـلى الله عـلـيـه وسـلـم):(إلا وإن في الـجـسـد مـضـغـة إذا صـلحـت صـلح الـجسـد كـلـه، وإذا فـسـدت فـسـد الـجـسـد كلـه، ألا وهي الـقـلـب)، إذن: فالـقـلـب هــو الـذي اذا تـمـكـن حـب الله فـيه هـانـت كـل الـصـعـوبـات التي تـواجـه الـعـبـد الـمـؤمـن، فـهـو بـين عــدويـن هـمـا نـفـسـه التي بـيـن جـوانحـه الأمـارة بالـسـوء، والـشـيـطـان الـذي هـو الـعــدو الألــد للإنـسـان، قال تعالى:(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فـاطـر ـ 6)، ويـقـول الـمـصـطـفى (صلى الله عـلـيه وسـلـم):(أحـبـوا الله لـما يـغـزوكـم مـن نـعـمه، وأحـبـوني لحـب الله إيـاي)، قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عـمـران ـ 31).

انـظـروا إلى نـعـم الله .. انـظـروا إلى هـذه الـنـعــمـة التي تهـمي مـن سـمـاء الله تعالى، والتي لا تـنـقـطـع، وقـارنـوا بـين مـا يصـل مـن الله إلـيـنـا مـن نـعـمـه، وهـذه تـعــبر واحـدة مـن الـنـعـم الـكـثـيرة، ومـا يـرقى مـن عـنـدنـا إلى الله سـبحـانـه وتعالى مـن أعـمـال وواجـب شـكـره سـبحـانـه وتعالى، ومـن واجـب الـعـمـل عـلى تحـقـيـق عـبـوديـتـنـا لـه، قـارنـوا بـين هـذا وذاك، فـسـتجـدون أمـرًا مخـجـلًا، سـتجـدون أن واقـع أكــثر الـمسـلـميـن الـيـوم يجـعـل الإنـسان يـذوب خـجـلًا مـن مـوقـفـه مـن الله الـحـلـيـم الـرحـيـم اللـطـيـف.

انـظـروا إلى حـال الـمـسـلـمـين في أي قـطـر مـن أقـطـار الـعـالـم الإسـلامي، وفي أي بـلـد مـن بـلاد الـمـسـلـميـن، انـظـروا إلى واقـع الـمـسـلـميـن عـلى اخـتـلاف فـئـاتـهـم، فـئـة تعـيـش عــيـش الـكـفـاف والـعـفـاف والـرضـا بـمـا رزقـهـا الله، مـوكـلـين أمـرهـم إلى الله الـذي لا تـخـفى عـلـيه خـافـيـة في الأرض ولا في الـسـمـاء، وفـئـة تعـيـش العـيـش الـرغــد، في رحـاب أرض الله سـبحـانـه وتعالى، وهـم في غـفـلـة مـعـرضـون عـن أوامـر الله، وعـن واجـبـهـم نحـو إخـوانـهـم الـمـسـلـميـن، ولا يتـفـكـرون قـول الله تعالى:(.. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ..) (الـمـائـدة ـ 2).

وكـان الأمـر لا يـعـنـيـهـم للـنـظـر إلى الآخـريـن، لا يـهـمـهـم مـن يـعـيـش مـعـيـشـة ضـنـكـًا، صـابـرين عـلى تـلك الـمـعـيـشـة الـضـنـك، والـمـتـخـم يظـن كل الـنـاس مـتخـمـين، ولا يـمـكـن أن يـوجـد مـن يتـضـور جـوعـًا، ويـبـيـت طـاويًـا لأن الـبـعـيـد مـن الـنـار لا يحـس بحـرارتـهـا، وهـو فـيـه مـن الـعـيـش الـرغـد أنسـاه مـا يـتـمـتـع بـه مـن الـنـعـم، ولـعـلـهـم ومـا هـم فـيـه يـنـطـبـق عـلـيـهـم قـولـه وتعالى:(..أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا ..) (الأحـقـاف ـ 20)، أي: يـقـال لـهـم: تـعـجـلـتـم طـيـبـاتكـم في حـيـاتـكـم الـدنـيـا وأنـتـم عـن الآخـرة غـافـلـون، لـكـم الــدنـيـا ولـنـا الآخـرة إن شـاء الله.

ولـو فـكـرنـا حـق الـتـفـكـير، ونـظـرنـا نـظـر تـدبـر وتـأمـل وفـكـرنا ما نحـن فـيـه مـن رغــد الـعـيـش، والـتـفـتـنا إلى إخـوانـنا الـذيـن يبـيتـون هـم وأهـلـيهـم وأولادهـم جـيـاعـًا، لـوجــدنـا حـقـا أنـه لا يـوجـد في الأرض مـتـخـم إلا وبجـانـبـه جـائـع، قـوم يـمـوتـون بـسـبـب الـتـخـمـة وآخـرون يـمـوتـون بـسـبب الـجـوع والـحـرمـان.

لـذلك نـجـد أن الـعـالـم الاسـلامي يـعـيـش في مـتـنـاقـضـات، وفي طـبـقـات مـتـبـايـنـة في حـيـاتـهـم الـمـعـيـشـية، بـل ربـمـا وصـل الأمـر بالـبـعـض الاسـتـخـفـاف بحـرمـات الله، والاسـتـخـفـاف بـشـرائـع الله، والامـتـهـان لـشـعـائـر هــذا الــديـن الـعـظـيـم، إذن: نـحـن نـعـيـش في غـفـلة عـمـا خـلـقـنـا مـن أجـلـه، قال تعالى:( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الـذاريـات ـ 56).

أيـن تـكـون أعـمـالـنـا التي نـقـوم بـهـا، ونـحـن في سـهـو وغــفـلـة أكـثـرنـا لا يـدري أصـلى صـلاة الـظـهـر أربعًـا أم خـمسًا أم ثـلاثًـا، وهـل بـضـاعـتـنـا الـمـزجـاة تـكافي نـعـم الله الـظـاهـرة والـبـاطـنـة، ويـرضـا بـهـا الله، قال تعالى:(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (الـمـؤمـنـون ـ 60) أي: يـؤتـون ويـؤدون الأعـمـال عـلى أحـسـن وجـه، وهـم خـائـفـون وجـلـون أن تـرد أعـمالهـم، أي لـم يـقـبـلـهـا الله مـنـهـم، وهـم يحسـنـون صـنـعـًا، هـذا حـال الـمـؤمـن الـقـوي الإيـمـان، فـكـيـف حـال غــيره إن كان مـن الــذين لـم يـرسـخ الإيـمـان في قـلـوبـهـم.

.. وللـحـديث بـقـية.

* كاتب عماني

إلى الأعلى