الثلاثاء 13 أبريل 2021 م - ٣٠ شعبان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / معجزة الإسراء .. وواقعنا (2)
معجزة الإسراء .. وواقعنا (2)

معجزة الإسراء .. وواقعنا (2)

محمود عدلي الشريف:
وقف بنا الحديث ـ أخواني الكرام ـ عندما لجأ رسولنا الكريم (عليه الصلاة والسلام) إلى ربه، بعد أن ضاقت به السبل وخذله أهل الأرض، وفور ذلك أعلنت السماء إنذارها، وجاءه الرد من ربه عاجلًا كما (ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، … أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْم كَانَ أَشد عَلَيْك من يَوْم أحد؟ قَالَ: مَا لقِيت من قَوْمك كَانَ أَشد مِنْهُ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرفعت رَأْسِي فَإِذا أَنا بسحابة قد أطلتني، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ لَكَ مَلَكَ الْجِبَالِ، لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، ثُمَّ نَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد قد بعثني الله، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ قَدْ بَعَثَنِي إِلَيْك رَبك لتأمرني مَا شِئْت، إِن شِئْت تطبق عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يعبد الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئًا) (السيرة النبوية لابن كثير 2/ 152).

ولو تصورنا ـ إخوة الأيمان والإسلام ـ شدة هذه المحنة ـ مقارنة بأي محنة تحدث لنا ـ وتأملنا أحداثها بتأمل وتدبر ونظر ثاقب، لوجدنا أن بداخلها منح كثيرة وكثيرة جدًّا، وبالقياس على هذه المحنة لرسولنا (عليه الصلاة والسلام)، صده أهل الطائف، وسلطوا عليه عبيدهم وسفائهم فضربوه حنى أدوموا قدميه الشريفتين، ولكن! تأملوا معنى المنح التي انطوت داخلها: أما واحدة: فقد آوى إلى بستان ابني ربيعة فقدم له خامهما عداس قطوف من عنب، ثم ماذا؟! أسلم عداس بين يديه بعد أن قبل يديه ورجليه، وأما الثانية: فنزل إليه جبريل وملك الجبال ـ عليهما السلام ـ كما سبق ـ ولو وافقهما رسول الله (عليه الصلاة والسلام) فيما طلبا منه، لأطبقا عليهم الأخشبين ـ أي: الجبلين ـ ولأهلكهم الله انتقاما لما فعلوا في رسوله، وأما الثالثة: فقد أرسل الله تعالى إليه وفدا من الجن (حِينَ بَاتَ بِنَخْلَةَ وَصَلَّى اسْتَمَعَ الْجِنُّ الَّذِينَ صُرِفُوا إِلَيْهِ قِرَاءَتَهُ هُنَالِكَ وَكَانُوا سَبْعَة نفر، وَأنزل اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ قَوْله:( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) (الأحقاف ـ ٢٩)، وأما الرابعة: فقد سخر الله تعالى له رجل من أقوى رجال العرب ومكة خاصة إنه (مطعم بن عدي) وذلك عندما همَّ رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) بالرجوع إلى مكة المكرمة، وهو عند حراء، وكان معه زيد بن حارثة الذى صحبه في هذه السفرة فخشى على النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) وطلب بألا يرجع إلا في جوار أحد من سادة مكة المكرمة المشركين، حتى لا يضار، فنزل رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) عند مشورته، فأرسل إلى الأخنس بن شريق أن يجيره بمكة المكرمة، فقال: إنه حليف قريش لا يجير على صحيحها، ثم بعث الرسول (عليه الصلاة والسلام) إلى سهيل بن عمرو ليجيره، فقال: إن بنى عامر بن لؤي لا تجير على كعب بن لؤي، ثم بعث الرسول (عليه الصلاة والسلام) إلى المطعم بن عدي ليجيره، فقال للرسول: نعم، قل له: فليأت، فذهب إليه رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم)، فبات عنده تلك الليلة. ثم لما أصبح خرج معه وبنوه ستة ـ أو سبعة ـ على اختلاف الرواية، متقلدو السيوف جميعًا، فدخلوا المسجد، فقال لرسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم): طف. واحتبى هو وأولاده بحبائل سيوفهم فى المطاف. وكان ذلك إعلانًا قويًا بهذا الجوار الكريم، فجاء أبو سفيان بن أمية بن عبد مناف، وأقبل على مطعم بن عدي فقال: أمجير أم تابع؟ قال: بل مجير، فقال: إذن لا تخف. اه). (خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم (1/ 408)، وأما الخامسة: فقد شاءت إرادة الله تعالى أن يفتح له الكون فيستضيفه استضافة لم تسبق لنبي ولا رسول قبله، وهنا سؤال يطل علينا برأسه ويصر على مقاطعة الحديث ليسأل قائلًا: ولماذا هذه الاستضافة أي الإسراء والمعراج، لماذا؟ ويجيب على هذا السؤال صاحب كتاب (التفسير القرآني للقرآن (8/ 420): قد أبلى الرسول الكريم بلاءه في الأرض، واستنفد كل ما يعطى ويأخذ منها ومن أهلها، فكان لا بد من عالم آخر، يتزود منه بزاد روحي، يشيع في كيانه قوى مجدّدة، لا تنفد على كثرة ما ينفق منها في هذا النضال المتصل بينه وبين قومه، حتى يحكم الله بينه وبينهم بالحق، وهو خير الحاكمين ..اه .أي: نعم !! ولم لا؟ ” فلما صبر على الأولى من أجل الله عوضه ربه بالثانية إكراماً له ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قيل للشافعي: أيهما أفضل رجل يمكن أو رجل يبتلى؟ قال: سبحان الله! لن يمكن حتى يبتلى، فهو (صلى الله عليه وسلم) دميت عقباه، وسال الدم على أرض الطائف، ورد وصد، ورضي بذلك كله وقال:(اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) كتاب (تأملات قرآنية ـ المغامسي (25/ 8، بترقيم الشاملة آليًا)، فبتحمله وجلده جاءته المكافأة.

وصبرنا ـ إخوة الإيمان ـ على ما نحن عليه من أي ضيق في دنيانا لنا في صبر رسولنا العظيم وتجلده وقوة تحلمه وتحمله الأسوة والقدوة، فبعد رجوعه ونومه، واختلفوا في الموضع الذي أُسري برسول الله (صلى الله عليه وسلم) منه، فقيل: كان نائمًا في المسجد الحرام، فأُسري به منه، وقيل: كان في بيت أم هانئ بنت أبي طالب، وقد روى جماعة من الصحابة حديثَ المعراج بأسانيد صحيحة، قالوا: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أَتاني جبريلُ ـ عليه السلام ـ ومعه البُراقُ، وهي دابةٌ فوقَ الحمارِ ودونَ البَغْل، يضعُ خَطْوَهُ عندَ مُنتهى طَرْفه، فلما وضعتُ يدي عليه تَشَامَسَ، واستَصْعَبَ، فقال جبريل ـ عليه السلام: يا بُراقُ! ما ركبكَ نبيٌّ أكرمُ على الله تعالى من محمد، فانصبَّ عَرَقًا، وانخفضَ لي حتى ركبتهُ، وسار بي جبريلُ نحوَ المسجدِ الأقصى، فأُتيت بإناءَيْنِ، أحدُهما لبنٌ، والآخرُ خمر، فقيل: اخترْ أحدَهما، فأخذتُ اللبنَ فشربتُه، فقال لي: أصبتَ الفطرة، أما إنَّك لو شربتَ الخمرَ ـ لَغَوَتْ أمتك بعدَك، ثم سرْنا، فقال لي: انزلْ، فصلِّ، فصلَّيتُ، فقال لي: هذه طَيْبَةُ، وإليها المهاجَرُ، ثم سرْنا، فقال لي: أنزلْ فَصَلِّ، فنزلتُ فصلَّيت فقال لي: هذا طورُ سيناءَ، حيثُ كلَّمَ الله موسى ـ عليه السلام ـ ثم سرْنا، فقال لي: انزلْ فصلِّ، فنزلتُ فصلَّيت، فقال لي: هذا بيتُ لحم حيثُ وُلد عيسى ـ عليه السلام ـ ثم سرنا حتى أتينا البيتَ المقدَّس، فلما انتهينا إلى باب المسجد، أنزلني جبريلُ، وربط البراقَ بالحَلْقة التي كانت تربط بها الأنبياءُ ـ عليهم السلام ـ فلما دخلت المسجد، إذا أنا بالأنبياء، وقيل: بأرواح الأنبياء ـ الذين بعثهم الله تعالى قبلي، فسلَّموا عليَّ، فقلت: يا جبريلُ! من هؤلاء؟ قال: إخوتك من الأنبياء، زعمتْ قريشٌ أنّ لله شريكًا، وزعمتِ النصارى أن لله ولدًا، اسأل هؤلاء النبيين: هل كان لله عَزَّ وَجَلَّ شريك؟ فذلك قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) (الزخرف ـ 45)، فأقروا، بالوحدانية لله عَزَّ وَجَلَّ، ثم جمعهم جبريل، وقدّمني، فصليت بهم ركعتين.. الحديث). كتاب (التاريخ المعتبر في أنباء من غبر (1/ 95).

وهنا تأمل يقول فيه صاحب كتاب (السراج الوهاج (ص: 9): ومن الممكن أن يكون (انتقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رحلة الإسراء والمعراج كان بطرق ووسائل يعلمها الله على نمط انتقال عرش بلقيس بل على هيئة أشرف وأكمل تتناسب مع خاتم الأنبياء.)

.. وللحديث بقية بتوفيق الله تعالى ومشيئته.

*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى