الثلاثاء 13 أبريل 2021 م - ٣٠ شعبان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / المعركة الديمغرافية على أرض فلسطين التاريخية

المعركة الديمغرافية على أرض فلسطين التاريخية

علي بدوان

يواصل الشعب العربي الفلسطيني على امتداد أرض فلسطين التاريخية (مناطق العام 1948 ومناطق العام 1967) ثباته وصموده فوق ترابه الوطني. وهذا الصمود والبقاء لنحو ستة ملايين ونصف المليون فلسطيني يُشكّلون نحو نصف الشعب الفلسطيني، أمر مهم وذو دلالات قاطعة، تُشير إلى أن الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني لن تموت بفعل التقادم أو بفعل تجبّر ظالم، فها هو الشعب العربي الفلسطيني الآن بنصف تعداده العام على أرض فلسطين التاريخية، وبعددٍ يتماثل مع السكان اليهود في مناطق فلسطين (1948، والمستعمرات المقامة في الضفة الغربية ومدينة القدس ومحيطها). بينما نصفه الآخر على حدود وطنه التاريخي في دول الطوق (الأردن + سوريا + لبنان).
وفي قراءة سريعة لما كان قد أصدرته دائرة “الإحصاء المركزية الإسرائيلية” من معطيات في السنوات الأخيرة، حول السكان، فقد أظهرت أن النمو السكاني في “إسرائيل” بلغ (1.7%) بين اليهود، و(2.5%) بين المواطنين العرب الفلسطينيين. فيما ترتفع نسبة الخصوبة بين النساء العربيات ـ وتُعرّف الخصوبة بأنها مُعدل الولادات للمرأة في حياتها الإنجابية ـ لنحو (سبعة أفراد)، بينما تبلغ الخصوبة عند النساء اليهوديات عند حدود ثلاث حالات انجابية، خصوصا اليهوديات من ذوات الأصول الغربية (الأشكناز). إن هذا الأمر يحمل بين طياته مؤشرًا مهمًّا، يَدُل على أن المنحى العام السكاني في “إسرائيل”، وعلى امتداد أرض فلسطين التاريخية، يسير باتجاه زيادة نسبة المواطنين العرب خلال السنوات التالية. ولولا الهجرات الكثيفة اليهودية التي وصلت إلى فلسطين بعد انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي السابق، وتحديدًا من جمهورياته المختلفة السابقة، لكانت أعداد المواطنين العرب تفوق أعداد اليهود بنحو مليون وربع على الأقل. فالهجرات اليهودية الكبرى إلى فلسطين منذ قيام “إسرائيل” عام 1948، جاءت من جمهوريات الاتحاد السوفييتي بعد انهياره وتفككه أواخر العام 1989، وبدايات العام 1990.
وتُظهر المعطيات أن اليهود يؤجلون الزواج إلى سن متقدمة بشكلٍ عام على العكس من المجتمع العربي، حيث تنتشر العنوسة بين أعداد لا بأس بها من النسوة اليهوديات. حيث تُشير المعطيات خلال السنوات الأخيرة، أن نسبة (64.4%) من الرجال و(45.5%) من النساء في سن 25 ـ 29 كانوا دون زواج خلال عدة أعوام في العقد الأخير. بينما تنخفض تلك النسبة بين المواطنين العرب الفلسطينيين، حيث تتواتر نسب الزواج عند العرب بالنسبة للأعمار بين (43.5%) وسط الرجال و(19%) وسط النساء غير المتزوجين. وعليه، فإن الإقدام العربي على تطبيق فضيلة الزواج يؤدي تلقائيًّا إلى الزيادة السكانية العربية، بغض النظر عن المتاعب الاقتصادية التي يحملها التزايد في أعداد أبناء الأسرة العربية الواحدة قياسًا للأسرة اليهودية.
إن اليهود الأشكناز (الغربيين) أي ذوي الأصول الأوروبية والأميركية، يُشكّلون نسبة (36%)، وهم نخبة المجتمع اليهودي على مستوياته كافة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية…إلخ. بينما يُشكّل السفارديم (اليهود الشرقيون) النسبة الباقية من اليهود، وهم الذين يعدون بمثابة البنية التحتية لجيش الاحتلال الإسرائيلي وقواته العسكرية، ولقاع المجتمع بين اليهود.
وبالنتيجة، إن منحى الصراع على أرض فلسطين التاريخية، متعدد الأشكال، وليس ببعيد عن مسارات الصراع الديمغرافي والتحوُّل السكاني، بين أغلبية سكانية عربية ستفوز في النهاية مع مرور الوقت، وبين السكان اليهود، الذين جفّت مصادر هجرتهم نحو فلسطين، ولم تَعُد كما كانت في العقود السابقة. لذلك بتنا منذ سنوات نسمع صراخ قادة دولة “إسرائيل” ومن مختلف الأحزاب عن التمسك بمقولة “يهودية الدولة”، ولنا أن ندرك هنا أن كل المؤسسات الدينية اليهودية، بما فيها الغارقة في التطرف، تحصل على تمويل من قبل الدولة. لنأخذ مثالًا المدارس الدينية التابعة للتيّار الديني الرسمي، فهي تحصل على تمويل كامل بنسبة 100%، وليس كما تحصل المدارس الأهلية على 50 ـ60%، وهذا امتداد لتأكيد مقولة “يهودية الدولة”. وهو ما يُفسّر في الوقت نفسه التهميش القائم ضد المواطنين العرب في هذا المضمار. لكن وبكل الحالات، إن الوقائع على الأرض هي التي ستسود في النهاية، وستتحول “إسرائيل” إلى “دولة مختلطة” تمامًا وليست “دولة يهودية” كما أراد عتاة الصهاينة وعلى رأسهم مؤسس الحركة تيودور هرتزل. وأبناء وأحفاد الجيل الذي قاد عملية بناء هذا الكيان “الإسرائيلي” عام 1948.

إلى الأعلى