الثلاثاء 13 أبريل 2021 م - ٣٠ شعبان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / أنصاف الحقائق

أنصاف الحقائق

د. أحمد مصطفى أحمد:
من المقولات التي تحمل مصداقية عالية، نتيجة التجربة في الخبرة الجماعية للبشر، المقولة الشهيرة: “الكذب أبو الشرور”. ومع توسع مساحة مواقع التواصل وغيرها من منصات الإنترنت كوسيط لنقل الأخبار والمعلومات، زادت جرعات الكذب والتلفيق بقدر يشكل خطورة على الرأي العام في المجتمعات التي تستهلك محتوى الإنترنت بشكل كبير. وتطورت أساليب للتلفيق والتزوير بالصور والفيديو تجعل من السهل على أي مستخدم للإنترنت ترويج الكذب بما يهدد أحيانا الأمن القومي والسلم الاجتماعي للدول. لكن تظل ثقة الجماهير في الإعلام التقليدي حائط صد أمام انتشار الكذب عبر الإنترنت ومضادا لفيروس التزييف والتزوير الإلكتروني. وكانت أزمة وباء كورونا فرصة كي تستعيد وسائل الإعلام التقليدية، من صحف وإذاعة وتلفزيون، قدرا من أهميتها التي سلبتها مواقع التواصل باعتبارها الوسيط الأفضل لتوعية الجماهير بالحقائق ومساعدتهم على الوقاية من انتشار الوباء.
بالطبع لا يعني ذلك أن الإنترنت، ومواقع التواصل، توقفت تماما عن ترويج الكذب والتضليل، إنما أصبح هناك جرعات مضادة من الإعلام التقليدي تمكن المتلقي من كشف ما هو كاذب وما هو صحيح إلى حد كبير. كما أن أزمة الوباء جعلت وسائل الإعلام التقليدية تزيد من وجودها الرقمي على الإنترنت نتيجة السلوكيات الجديدة التي اعتاد عليها الجمهور بسبب الإغلاقات المتكررة للحدِّ من انتشار الوباء. وبدأت وسائل الإعلام، إلى حد ما على الأقل، تدرك أن مواقع التواصل مجرد وسيلة لتوصيل المحتوى وليست مصدرا لهذا المحتوى الإخباري والإعلامي. كل ذلك خفف من خطورة الأكاذيب على الإنترنت وزاد من وعي الجمهور بما يمكنه من تمحيص الأخبار والمعلومات.
أتصور أن هناك ما هو أخطر من الكذب الفج والمباشر، سواء على مواقع التواصل أو في وسائل الإعلام التقليدية أو أي وسيط لتوصيل الخبر والمعلومة للجماهير والواسعة. فإذا كان من السهل كشف الكذب، حتى لو كان متقنا بتزوير صور ومقاطع فيديو، فإن أنصاف الحقائق يصعب كشفها بسهولة. وخطورتها أنها يمكن أن تؤدي إلى ترسيخ آراء وربما تدفع باتجاه مواقف خاطئة ذات تأثير ممتد. فالمشكلة في أنصاف الحقائق أن بها قدرا من الحقيقة، وبالتالي فهي مقنعة إلى حد ما، لكنها في الوقت نفسه تقتص من الحقيقة بغرض توصيل رسالة معيَّنة قد تكون عكس الحقيقة تماما. ولطالما عانى الإعلام التقليدي من تلك المشكلة من قبل، خصوصا في اتجاه توصيل رسائل المسؤولين والمختصين للجمهور. وكانت الشكوى دائما من المسؤول أو غيره أن الإعلام “أخرج كلامه من سياقه” وبالتالي فعل به كمثال من يقرأ الآية الكريمة منتقصة: ” لا تقربوا الصلاة…” دون أن يذكر “وأنتم سكارى”. ولم يكن الأمر قاصرا على قناة التوصيل تلك، بل إن توصيل آراء الجمهور للمسؤولين، عبر التحقيقات الصحفية وغيرها، كان يقع في تلك الأخطاء أحيانا. يحدث ذلك حين تنتقى شريحة معيَّنة من الجمهور في تحقيق معيَّن لتوصيل رسالة محددة من الناس للسلطات، دون تنويع مصادر التحقيق أو التقرير الصحفي بقدر يضمن التوازن والموضوعية.
تلك الأمثلة كانت وما زالت موجودة في الإعلام التقليدي لكنها لا تمثل نمطا سائدا. ورغم أنها زادت وتيرتها مع اتساع انتشار الإنترنت ومواقع التواصل، إلا أنها تظل سهلة الاكتشاف والتصحيح. إنما الخطر الأكبر هو في التغير الذي شهده المحتوى الإعلامي في السنوات الأخيرة، ولم يعد توصيل الأخبار والمعلومات والآراء بالطريقة السابقة من معلومة محددة ودعمها بمصادر وإضافة خلفية ثم خلاصة منطقية. فقد أصبح الإعلام الآن مزيجا من المعلومة المجردة الممزوجة بالرأي في نسيج يبدو وكأنه خبر محكم. وبما أن “آفة الرأي الهوى”، فلم يعد المحتوى الإعلامي تجريديا يسهل تمحيصه، بل أصبح خليطا من المعلومات والآراء التي يمكن أن تكون ذات مصداقية أو مجرد تلفيق لغرض ما. وهنا تزيد خطورة أنصاف الحقائق أكثر، لأنها حين تمزج برأي على هوى موصل الرسالة يكون المزيج سما معرفيا قاتلا أحيانا.
ترجع خطورة أنصاف الحقائق أيضا إلى أنها يمكن أن تتسرب من تحت رادار قوانين النشر ومواثيق الشرف الصحفي والإعلامي وغيرها من الضوابط والمعايير. وتزيد تلك الخطورة أضعافا إذا كان وسيط النشر هو مواقع التواصل، التي لا تخضع حتى الآن لتلك القواعد الصارمة التي تضبط مهن الصحافة والإعلام. ومع أن دولا كثيرة بدأت في تشريع القوانين ووضع قواعد تنظم النشر والبث عبر مواقع التواصل والإنترنت عموما، إلا أن كل تلك الإجراءات تستهدف منع جرائم التشهير والسب والقذف وما شابه. لكنها لا تطول ما نتحدث عنه من مزج أنصاف الحقائق بالرأي، والذي يبدو في النهاية محتوى صحفيا وإعلاميا متكاملا. كما أن مؤسساتنا التعليمية التي تدرس الصحافة والإعلام ما زالت تعلم الطلاب الأسس التقليدية للخبر والتحقيق والتقرير وغيرها من ألوان إنتاج المحتوى بالطريقة التقليدية، دون الأخذ في الاعتبار هذا التحول الذي طرأ في السنوات الأخيرة على إنتاج المحتوى الذي أصبح مزيجا من المعلومة والرأي معا. ولعل الحل لمواجهة هذا الخطر الحقيقي يبدأ من فصول الدراسة ومناهجها في كليات الصحافة والإعلام، ثم الالتزام المهني الذي يخضع لقواعد المؤسسات التقليدية.

إلى الأعلى