الثلاثاء 13 أبريل 2021 م - ٣٠ شعبان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / التشاكي والمظلومية المتآكلة

التشاكي والمظلومية المتآكلة

عادل سعد

بين نزعة المتاريس والتقليعات وغمط الحقائق، يضيع المزيد من فرص الفهم المتوازن لمفهوم حقوق المرأة، فقد تماهى هذا الإشكال في ارتصافات ورؤى متضاربة في بعض الأحيان، بل وتسطيح للأولويات، بينما الحقيقة في مكان آخر تعاني العتمة، ولهذا ما زالت بعض قضايا المرأة تشكو من اشتدادات تجاذب وتبادل في الاتهامات وتحميل للمسؤوليات جزافًا رغم أن الانخراط بدعم حقوق النساء لم ينقطع في يوم من الأيام في جميع أنحاء البلاد العربية، واحتل طاولة اهتمام مجالس ومؤسسات مدنية وحكومية بل ودينية أيضًا، وإن تباينت معدلاته من بلد إلى آخر حسب نوعية التعاطي بهذا الشأن منذ الإطلالة الإصلاحية التي أطلقها قاسم محمد أمين في كتابه (تحرير المرأة) الصادر عام 1899 والردود العنيفة التي واجهها من زعماء مصريين على رأسهم مصطفى كامل وطلعت حرب اللذان شنَّا حربًا شعواء عليه مادتها التشهير بأفكاره واتهامه بالهرطقة الاجتماعية والخروج على الأعراف.
لقد انطلق أمين من محور يفيد بأن الأساس الذي ينبغي أن تستند إليه الحياة هي المحبة والرحمة والتسامح والسلام، وما عزز أفكاره أنه كان حقوقيًّا تقلد مناصب قضائية مما سهَّل عليه أن يكون داعية لا يشق له غبار في الدفاع عن مضامين ما كان يتطلع إليه، لكن التجاذب في ذلك أوصل موضوع تحرير المرأة وتكوين مصدات ضد انتهاكها إلى مجالات واجتهادات متشعبة يلتقي فيها التناقض والانسجام في مقاربات أساسها المكانة الاجتماعية، وليس أن تعم الحقوق كل النساء.
ما يهمني هنا كيف يمكن تحريك منزلة المرأة باتجاه صيانة كرامتها الإنسانية وتحاشي المطبات.
يحضرني هنا اجتهاد أطلقته هيلاري كلينتون السيدة الأميركية الأولى في عهد زوجها الرئيس كلينتون، وبعدها المرشحة في الانتخابات الرئاسية وقد خسرت فرصتها بالفوز أمام ترامب في انتخابات عام 2016.
ما قالته هيلاري كلينتون نصَّ على التحذير من الوقوع في كمين التعويل على جانب واحد من الأهمية التي يوفرها رضا الآخرين عن أداء المرأة تماشيًا من قناعة ناقصة أنه الأساس الذي من شأنه أن يفضي إلى الحقوق الأخرى، بينما لا بد من ضرورة الاهتمام بالمحطات والزوايا المعروفة بحاشية الطريق، فقد أفادت، (من الرائع أن يحبك الناس، لكن إن كان ذلك هو كل ما تريده فأنت موجود للأسباب الخاطئة).
بخلاصة تحليلية، إذا كان كل ما تريده المرأة هو رضا الوسط الاجتماعي عنها، بما يتيح لها ممارسة حياتها بعيدًا عن أية ضغوط، فإنها إنما تتحلل من مسؤولياتها الحياتية العامة، وعلى العكس من ذلك فإن مقدار مساهماتها في عقد بنيوي يضع على كاهلها واجبات انتزاع فرصها بعيدًا عن الشللية الاجتماعية.
إن الصكوك والاتفاقيات والمعاهدات الدولية بشأن حقوق المرأة ليست تفويضًا مباشرًا مفتوحًا، وإنما أن تضع بالاعتبار الوعي المتأسس على توظيف آليات لهذه الحقوق تتوخى التدرج الزمني والاستيعاب الاجتماعي، وبالتالي تكوين قناعة راسخة بأن هذه القضية مسؤولية مشتركة للرجال والنساء، ولذلك لم يعد صالحًا استمرار نزعة التشاكي بشأن مظلوميتها.
الحال أن الاستثمار في تلك المظلومية والتأسيس عليها يمثل خطًّا بنيويًّا في التعاطي مع هذا الموضوع إذا أخذنا بعين التوصيف كيف هي صورة المرأة العربية الآن؟ وأية منزلة اجتماعية وعلمية مهمة حققتها؟
إن سمة التعاطي المنطقي تتطلب النظر إليه من زاوية علم النفس الوظيفي الذي من مسلماته الإجرائية البناء على ما تحقق، وليس البقاء عند تابوهات في طور التحلل والتآكل الآن، بل فقدت أغلب أسبقياتها.

إلى الأعلى