الجمعة 16 أبريل 2021 م - ٣ رمضان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / عاملات المنازل.. هموم أسرية واستنزاف للدخل وتحديات أمنية وقانونية

عاملات المنازل.. هموم أسرية واستنزاف للدخل وتحديات أمنية وقانونية

محمد بن سعيد الفطيسي

موضوع عاملات المنازل من المواضيع التي تحمل أكثر من بعد في الإشكاليات والتحديات، سواء كان ذلك على المستوى الرسمي أو على مستوى المجتمع والأفراد، فالجانب الاجتماعي يدفع إلى الحاجة الماسة لوجود عاملة منزل أو مربية أطفال، والتفاصيل حول هذه الحاجة يصعب الإسهاب حولها. فكل أسرة اليوم تحمل قصة منفصلة ومستقلة لتلك الحاجة التي لا يعلمها إلا الله، والبيوت أسرار كما يقال، ولا أحد يستطيع أن يعرف ما تعانيه الأسر من مشاكل وتحديات داخلية.
أخبرني بعض الإخوة الأعزاء أنه وبفضل الله ورغم حجم منزله الكبير وكثرة الأعباء إلا أنه ـ وبالرغم من ذلك ـ فهو وأفراد أسرته قائم على إنجاز شؤون منزله، وهذا أمر جيد ويستحق عليه التقدير والاحترام. ولكن هل يمكن أن يعمم هذا الأمر كمعيار وأساس أن المجتمع أو الأسر العمانية أصبحت كسولة أو تبحث عن الرفاهية المفرطة أو أن العاملة أصبحت من ضمن أشكال الرفاهية والدلع الأسري؟ لذا فإن عاملة المنزل لا حاجة لها، ويمكن لمعظم الأسر أن تستغني عن عاملات المنازل؟!
لا أرغب في الدخول في مقارنات أسرية أو مجتمعية حول الحاجة وعدم الحاجة، ولكن ما أعلمه أن تركيبة المجتمع العماني قد تغيرت، عدد أفراد الأسرة، طبيعة الأعمال المنزلية، الظروف الضاغطة التي تدفع الأسر إلى هذه الحاجة التي أقل ما يقال عنها وعن سببها (مكره أخاك لا بطل)، خصوصا المرأة العاملة أو الأسر التي لديها ظروفها الأسرية الخاصة، وما أكثر القصص التي تدور حول حاجة الأسر إلى هذه الفئة رغم مشاكلها التي لا تعد ولا تنتهي.
أما البُعد الاقتصادي فهو المصيبة الأكبر في هذا الأمر، البُعد الذي استزف وما زال يستنزف دخل أفراد المجتمع بمختلف فئاتهم في ظل وصول المبلغ الذي يدفع للمكتب لبعض الفئات إلى 1500 ريال تقريبا إذا لم يكن أكثر، ورواتب العاملات التي تتراوح بين 100 ريال للجديدة التي لا تعرف حتى (سلق البيض) حتى يصل إلى 150 ريالا عمانيا وربما أكثر. ورغم ذلك، فما زالت الأسر العمانية تحتاج هذه الفئة، فهل حقا هذه الحاجة ورغم ما سبق التطرق إليه من مبالغ طائلة تدفع هي حاجة (بطر) أو (دلع) أو (رفاهية) كما يقول البعض منا؟
نأتي للإشكال الآخر وهو الرسوم التي تدفع نظير الحصول على ترخيص عاملة منزل، حيث كان سابقا ـ وفي حال عدم استمرار العاملة مع من تعاقد معها خلال فترة معيَّنة ـ بإمكان صاحب العلاقة استرجاع نصف مبلغ الترخيص، أما الآن وبعد التعديل في تلك الإجراءات والتي تم معها رفع مدة الترخيص ولكن دون إمكانية استرجاع مبلغ الترخيص لا في حالة وجود مرض معدٍ، بمعنى آخر إذا دخلت العاملة إلى أرض السلطنة ولم ترغب في العمل لسبب أو لآخر, وما أكثر قصص الأسباب التي نسمع عنها من قبل الأفراد في هذا السياق، فإن مبلغ الترخيص لا يسترجع أبدا.
إذًا تصور أن تدخل عاملتك إلى السلطنة ولم تكمل معك سوى ساعات، ولكن لسبب أو لآخر ترفض العمل. صحيح أن المكتب ملزم قانونا بضمان العاملة لمدة 6 أشهر، ولكن لا مجال لاستعادة مبلغ الترخيص، يعني المواطن ملزم بأن يستخرج ترخيصا آخر جديدا!
البُعد الأمني هو الآخر أصبح من الأبعاد الضاغطة في هذا السياق، خصوصا مع ظهور وانتشار جرائم وأفعال مخلة بالآداب من قبل تلك الفئات، وهو ما يفتح ملف أسباب هروب تلك العاملات، وكيف أن صاحب العلاقة يدفع المبالغ الطائلة للمكاتب وللعاملة وبعد فترة قصيرة تهرب ليبدأ رحلة المعاناة الأخرى مع الإجراءات الحكومية والمبالغ التي تدفع لإجراء بلاغ الهروب، والذي لا يسترجع إلى بعد أكثر من 3 سنوات، هذا في حال لم يتم القبض على العاملة وتسفيرها من المبلغ الذي دفعه المواطن، وهو لا ذنب له في هروبها!
ولعل مشكلة لجوء بعض عاملات المنازل إلى سفارات بلدهن كوسيلة من وسائل الضغط على أطراف العلاقة أو الأطراف ذات التداخل أو الالتزام العام والتي لا يسع هذا المقال حصرها، ولكن يمكن التأكيد على أنها شماعة للتهرب من بعض الالتزامات والواجبات أو للحصول على بعض الحوافز التي تحول اللعب عليها هو الآخر إلى معاناة للعديد من الأسر العمانية بسبب تلك الحاجة.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه القضايا يتم تحويرها واستغلالها في أوقات عديدة من قبل أطراف دولية بسبب شماعات حقوق الإنسان والاتجار بالبشر، وغيرها من الجوانب التي لا غاية منها سوى ممارسة الضغوط السياسية على السلطنة والمواطن العماني، وهما منها براء.
حقيقة، إن موضوع عاملات المنازل بحاجة إلى وقفة رسمية قانونية جادة لحماية المواطن من مزاجية وعدم انضباط هذه الفئة، كما أن إعادة النظر في موضوع رسوم الترخيص هو الآخر يحتاج إلى نظرة رسمية مرنة يتم عبرها مراعاة الوضع الاجتماعي والظروف التي تدفع الأفراد والأسر إلى الاضطرار لجلب عاملة منزل أو مربية أطفال أو غير ذلك من المهن المشابهة.
وإن كان من مقترح يمكن أن يطرح في هذا السياق فهو مقترح قديم متجدد، طرح كثيرا وتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي وتحدث عنه العديد من الزملاء عبر وسائل الإعلام المختلفة وهو مقترح: إلغاء شكل التعاقد المعمول به الآن، وتحويل ذلك إلى تعاقد مباشر بين المواطن والعاملة، سواء التعاقد اليومي أو الشهري أو السنوي أو غير ذلك من المدد من خلال مكاتب جلب العاملات، وبشكل أكثر تفصيلا يمكن أن تعطى المكاتب المرخصة تراخيص بأعداد معيَّنة بحسب فئة السجل في مختلف محافظات السلطنة، تلزم تلك المكاتب بتوفير سكن لتلك العاملات، طبعا سيدفع ذلك إلى الحاجة إلى وجود سائق، وكذلك حراسة على السكن، وهو ما يمكن أن يوفر كذلك فرص عمل لبعض الأفراد في المجتمع ممن لهم الرغبة في مثل هذه الوظائف، يضاف إلى ذلك تحقيق العديد من الآثار والنتائج الإيجابية على المستوى الرسمي، خصوصا الجانب الأمني والسياسي والاقتصادي.
إلغاء نظام الكفالة، وترك التعاقد بالمدد دون تحميل صاحب العلاقة أي إلزام بالحصول على ترخيص أو تحميله لأي إجراء مرتبط بالكفالة كبلاغ الهروب والعلاج والتأمين وغير ذلك، وترك هذا الأمر للشركات والمكاتب المتخصصة سيخفف على المواطن العديد من الأعباء والإجراءات الرسمية والاجتماعية والاقتصادية، كما سيخفف من مشكلات الهروب أو حتى اللجوء للسفارات، هذا بالإضافة إلى حل جزء كبير من المشكلات الأمنية التي تنتج عن هروب هذه الفئة أو الجرائم المرتبطة بها.
كل الأمنيات أن يتم إعادة النظر بشكل موسع وعاجل في هذا القضية التي تحمل كل تلك الأبعاد الخطيرة على الأمن والاستقرار الوطني اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا، وأن تتضافر جهود الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة العمل وشرطة عمان السلطانية لحلها بشكل يوفر الحماية للوطن والرعاية للمواطن بعيدا عن تلك المنغصات والهموم التي تؤكدها القضايا العمالية الكثيرة المرتبطة بتلك الفئة، والضغوط السياسية والقانونية الدولية على الحكومة وأفراد المجتمع, هذا بخلاف الجرائم المختلفة المرتبطة بها, وغيرها العديد من الضغوط الاقتصادية والمالية على الأفراد.

إلى الأعلى