الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (مفهوم العهد ومفهوم الأمان ودار الإسلام) (2 ـ 4)
(مفهوم العهد ومفهوم الأمان ودار الإسلام) (2 ـ 4)

(مفهوم العهد ومفهوم الأمان ودار الإسلام) (2 ـ 4)

قراءة في ندوة “فقه رؤية العالم والعيش فيه

المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”

ـ رسالة خاتم الأنبياء لم تكن ابتكارا لإيمان جديد، بل تصديق للحقيقة ودمج للغيبي بالظاهرى

ـ الأمة المسلمة اليوم لديها فرصة تاريخية لإحداث نوع من لمّ شمل التراثيات الإبراهيمية

ـ الشريك مع الرجل في الحقوق والواجبات هو رحمة الله التي كتبها على نفسه

ـ كل فرد يعمل على تعزيز التسامح في المجتمع باعتباره علامة على القوة البشرية

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجــلالة السلطان قـابـوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت خلال الفترة من 25 الى 28 جمادى الاولى 1434هـ الموافق 6 الى 9 ابريل 2013م ندوة تطور العلوم الفقهية والتي جاءت بعنوان:”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة” وهي النسخة الثانية عشرة من الندوات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في هذا الجانب المهم .. حيث شارك في الندوة علماء ومفكرين وباحثين من داخل السلطنة وخارجها .. وتناولت اوراق عمل وبحوثا هامة.
وضمن تلك البحوث والأوراق المقدمة .. ورقة عمل بعنوان:(مفهوم العهد ومفهوم الأمان ودار الاسلام) للباحث فضيلة الشيخ الدكتور مصطفى إبراهيم تسيريتش ـ المفتي العام السابق للبوسنة والهرسك.

استكمالاً لحلقة الاسبوع الماضي، يقول الباحث: إذن عندما يتعلق الأمر بالإسلام، فإن القضية الحقيقية، ليست فقط في أوروبا، بل في العالم الإسلامي أيضا، وليس الأمر متعلقا بنقاء العقيدة الإسلامية بل وبحصافة الفكر السياسي وطبيعة السلطة السياسية.لا يوجد مسلم عاقل لا يفهم فكرة التوحيد وحجة كون محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتم الأنبياء، لكن لا يوجد أيضا مسلم عاقل قادر على فهم النزاعات السياسية الدامية التي يشارك فيها المسلمون، وبالرغم من وجاهة التعليل بأن الفوضى السياسية عند المسلمين ترجع في جزء منها إلى الاستعمار الغربي، إلا أن المسلمين يجب أن يدركوا أنهم مسؤولون عن تأمين حقوقهم من خلال حماية حقوق الآخرين، إن تعليل النفس بفكرة الضحية قد ترضي بعض المسلمين الذين يحاولون تبرير ظروف معينة في مجتمعهم، لكن ذلك لن يقدم لنا الجواب الصادق عن السبب الحقيقي لعلّتنا، من هم المسلمون وما الذي يجب عليهم فعله للمساعدة في تغيير العالم نحو الأفضل.
وقال: ومن المعلوم أنّ رسالة رسول الله وخاتم الأنبياء، لم تكن ابتكارا لإيمان جديد، بل هي تصديق للحقيقة ودمج للغيبي بالظاهرى، لتؤكد للإنسان أن له هدفا أبعد من نفسه. كانت مهمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أيضا أن ينشئ مجتمعا يمكنه أن يلعب دور التاريخ الإيجابي والقوة الاندماجية.
مؤكدا بأن الإسلام قادر دائما على تحقيق التوازن بين العناصر التي تبدو متنافرة فيما بينها، مما يجعله قوة جذابة وشمولية، إن هذا ليس صحيحا فقط فيما يتعلق بالنظرة اللاهوتية أو الميتافيزيقية للكون،بل فيما يتعلق بالعمل التاريخي أو السياسي. إن الجمع بين الدنيا والآخرة مشتق من المصدر الإلهي، لكن المفهوم اللاهوتي لذلك إنما هو من فعل الإنسان، لذا فإن فعل الدمج والتوازن ليس فكرة عارضة، بل هو مفهوم إلهي جوهري يمكن على أساسه صناعة النماذج البشرية، وبعبارة أخرى، فإن مبدأ التكامل بين الدنيا والآخرة هو النموذج الذي يدعو إلى اندماج جميع الأمور المتطرفة التي تحطم التوازن الكلي .. هكذا، وبما أن الإسلام هو القوة الاندماجية بين القيم المتعلق بعضها ببعض بقوة،فإن المسلم عنصر اندماجي بين الحقائق التي تبدو مترابطة فيما بينها. هذا يجعلنا نفهم بوضوح لماذا منحت الجماعة المسلمة دور المركز الاندماجي في التاريخ، كما جاء في القرآن الكريم:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ..}، وهذا يعطي الجماعة المسلمة دور العنصر الفاعل بدلا من أن تبقى شاهدا سلبيا، وهذا هو ما تعنيه الأمة: مجتمع عالمي يقع في وسط الشؤون العالمية، ويؤدي مهمة فاعلة في ربط وجذب ودمج العظمة الإلهية بهذا التنوع البشري الذي لا يحصى، وعلاوة على ذلك، فإن الأمة لديها مهمة ربط وجذب ودمج العناصر المتشابهة في الرسالة الإلهية لآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (عليهم الصلاة والسلام)، في مفهوم المصير المشترك للإنسان الذي يقوم على العهد الملزم أخلاقيا والعقد القابل للتطبيق قانونيا.
وقال: وفي الحقيقة، إن الأمة المسلمة اليوم لديها فرصة تاريخية لإحداث نوع من لمّ شمل التراثيات الإبراهيمية التي تشترك في كلمة سواء ومصير مشترك. لذا، ينبغي التعامل بجدية مع مبادرة المسلمين الأخيرة “كلمة سواء بيننا بينكم”، وتطويرها لتصبح مبادرة الحس العام للبشرية، وفي الحقيقة، يجب على المسلمين أن يعملوا في صورة قوة اندماجية في عالمنا المجزأ، وشهود فاعلين في التاريخ، هذا واجبهم العقائدي وحقهم التاريخي، أما واجبهم فيستند إلى عقيدة الموقع الوسط، التي تتطلب مقاربة متوازنة لجميع جوانب الحياة البشرية مما يؤدي إلى جمع كل الخير في العالم، وأما حقهم فيستند إلى الحقيقة التاريخية بأنهم جمعوا الفكر الإنساني، حيث نراهم في القرن الثامن الميلادي في بغداد قد ترجموا مؤلفات الفلسفة اليونانية.
مبيناً بأنه جاءت بعد ذلك قرطبة في أسبانيا المسلمة، ليواصل المسلمون أداء دورهم الجامع، لا سيما في جمع الفلسفة العقلانية من خلال أعمال ابن رشد في القرن الثاني عشر الميلادي، والتي كانت نتائجها حافزا لعصري الإنسانية والنهضة في أوروبا. وقد شهد الاندماج الثقافي “الغربي ـ الإسلامي” بعض أكثر مستوياته إنتاجا في القرنين أو الثلاثة الماضية، ومن المثير أن المبادرة قد جاءت من الغرب، عندما افتتحت كبريات الجامعات الغربية أقساما للدراسات الشرقية أي لدراسة اللغة العربية والثقافة الإسلامية في أوسع معنى للكلمة، وبفضل الدراسات الشرقية في الغرب توجد اليوم إنجازات قيّمة عن الثقافة الإسلامية، ليس للغرب وحسب، بل وللإسلام، إن أعمالا مثل موسوعة الإسلام، وفهرس الأحاديث، إضافة إلى إنتاج وترجمة المؤلفات الإسلامية اللاهوتية والفلسفية الأساسية المتاحة للمجتمع الأكاديمي في الغرب، تقدم دليلا قاطعا على الإسهام الغربي في تطوير الاندماج الثقافي الغربي الإسلامي.
وقال: وبالتالي لدينا نمط من المسلمين الذين يشكلون القوة الاندماجية والشاهد التاريخي على التقدم الفكري الإنساني، وإن بغداد وقرطبة تزوداننا بالكثير من الأمثلة على ذلك عندما كانتا تنشطان بوضوح. ومع ذلك، لدينا أيضا أمثلة على المسلمين الذين يجري دمجهم في التطورات الثقافية التي أنجزها الغرب، عندما أصبحوا سلبيين بشكل ملحوظ، وفي اعتقادي أن المسلمين اليوم باتوا يجربون ظاهرة بأن يكونوا في وقت واحد اندماجيين ومندمجين، أما الاندماجيون فهم أولئك الذين يطلبون العلم “حتى لو كان في الصين”، أما المندمجين فهم لا يفعلون إلا القليل وغالبا ما نراهم يشتكون من الجميع ومن كل شئ، ولا يقومون إلا بما يجلب لهم المنافع الشخصية، حيث إن المسلمين في أوروبا لديهم فرصة فريدة ليتفادوا أن يصبحوا مندمجين وأن يكونوا اندماجيين. لديهم الحرية ـ بالتزاماتهم الأخلاقية والقانونية ـ ليكونوا قوة اندماجية في أوروبا، يحكمها عهد ذي معايير أخلاقية سامية وعقد ذي قواعد قانونية ملموسة. ولا يمكن أن يتحقق السلام الحقيقي بدون أخلاق، والأخلاق لا تُصان إلا بالعهد، وكذلك لا يوجد أمن بدون قانون، ولا يسود القانون إلا بعقد تأسس على العهد الذي يرتبط بالدستورية.
وقال: إن جميع هذه القيم المتصلة بالحياة الاجتماعية الإنسانية مترابطة فيما بينها بطريقة تشير إلى ضرورة إدماجها في مجمل الوعي الإنساني. وهكذا، فإن الوسطية والتوفيق بين القرابة والموافقة، والجماعة والمجتمع، والفرد والمجتمع، والحقوق والواجبات، والمطالب والردود، والحق والخير، كلها أساسيات بالنسبة لنا كي نفهم أن القانون لا يمكن أن يكون مجرد “إرادة الإنسان” (هوبس)، ولا يمكن أن يكون مجرد “العقل البشري”، ولا يمكن أن يكون مجرد “الإردة والعقل” (روسو)، ولا يمكن أن يكون مجرد “الحرية” (كانت)، بل إضافة إلى هذا يجب أن يكون هناك قانون أعلى وأوسع من “إرادة” الإنسان، و”عقل” الإنسان، و”حرية” الإنسان، يجب أن يكون هناك “قفزة الإيمان”، ويجب أن يكون هناك “الشعور الجماعي” الذي يسميه ابن خلدون “العصبيّة” وكما قال تشارلز كولي:”يعيش المرء في شعور جامع ويرى الأهداف الرئيسة لإرادته في هذا الشعور” .. وهكذا، فإن رباط القرابة هي مسألة “شعور” بين الأقارب موثق برباط الدم، في حين أن رباط التوافق هو مسألة “الإيمان” بين العقلاء موثق بالالتزام الأخلاقي: “لا تفعل بالآخر ما لا تفعله بنفسك” هو واجب أخلاقي عالمي مشترك بين التراثات اليهودية والمسيحية والإسلامية مع اختلاف طفيف في التركيز على حتمية السلبية أو الإيجابية:”افعل بالآخر، ما يمكن أن تفعل بنفسك”، “لا يؤمن أحدكم (حق الإيمان) حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” [أخرجه البخاري]. وبالرغم من أن الوعود الأخلاقية ليست دائما كافية بدون شئ من المصلحة، إلا أنّ هذه المصلحة الذاتية يجب أن تكون ضمن إطار أخلاقي، وهاتان الفرضيتان (القرابة والموافقة) هما الزخرفة الاندماجية (الوسطية) للوصول إلى العقد الاجتماعي، بمعنى التقارب المشترك بسبب علاقة الدم، والالتزامات الأخلاقية المشتركة من أجل خير الجميع. إن المسلمين في أوروبا، في أوقات التهجم على دينهم، يميلون إلى التطبيق الشديد في سرد الموافقة القائمة على ارتباطات إيمانهم المشترك، ولكن عندما يتعلق الأمر بالشؤون المالية والأمور الدنيوية الأخرى، فإن رباط القرابة يكون أكثر انتشارا، ويرجع سبب ذلك كما يوضح فرديناند توني: “هناك درجات لعقلانية الإرادة الطبيعية للمجتمعات والجماعات التي تشكلها، وبالتالي ونظرا لأهمية العقلانية، فهناك مجموعات تقوم على الصداقة، وعلى الجوار، وعلى رابطة الدم، والجماعات التي تسودها الإرادة الطبيعية تتراوح بين أولئك الذين تربط بينهم العلاقات الفكرية إلى أولئك الذين تجمع بينهم روابط غريزية أو تعاطف بين الأفراد المتقاربين بيولوجيا، وبالتالي فإن رجل الأعمال والعالِم وصاحب السلطان، وابن الطبقة العليا، يستندون إلى الإرادة العقلانية أكثر من الـمُزارع، والفنان، والناس العاديين، الذين يغلب عليهم الاستناد إلى الإرادة الطبيعية. وعموما فإن النساء والشباب يستندون في الغالب إلى الإرادة الطبيعية، بينما يستند الرجال وكبار السن إلى الإرادة العقلانية”.
وقال: لذا فإن التحدي الحقيقي للمسلمين في أوروبا يكمن في قدرتهم على دمج تجمعاتهم القائمة “على القواعد المستندة إلى الدين من خلال المعتقدات والإيمان والمذاهب” مع المجتمع القائم “على قواعد الأخلاق التي يقرها الرأي العام الناشئ من المصالح المشتركة” كون إن هذا التفرع إلى نمط التجمع ونمط المجتمع هو أيضا الفكرة المركزية لمقدمة ابن خلدون المعروفة، وفي الواقع فإن تحليله لكلا النمطين يعتبر واحدا من أكثر التحليلات عمقا وتفصيلا وتوضيحا”.
وقال: إننا نعتقد أن القوة الاندماجية (الوسطية) بين هذين النمطين من الجماعات هو سيادة القانون القائمة على العهد باعتباره “الخلفية، والأرضية، والمقدمة لأي عقد”. وهكذا، فالله هناك ليس شريكا مع الرجل، فالشريك مع الرجل في الحقوق والواجبات هو رحمة الله التي كتبها على نفسه، كما جاء في القرآن الكريم: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}. لذا فإن العقد الاجتماعي عند المسلمين يقوم على حكم الله بالرحمة ـ العهد، وسيادة القانون ـ العقد الذي يكفل للجماعة المسلمة حقها بالمطالبة على الأقل بعدم التدخل في شؤونها الدينية والثقافية، وعلى الأكثر بالمطالبة بالاعتراف بها ودعم استقلاليتها الدينية والثقافية بسبب إسهامها المفيد لفائدة للصالح العام والمجتمع. وهنا نصل إلى نقطة الالتقاء بين الجماعة المسلمة والمجتمع المدني الأوروبي، مبدأ العهد الذي لم يفقد أبدا معناه الأصلي وأهميته، سواء في الحياة الأوروبية الأخلاقية أو السياسية، كما قال دانيال اليعازر: “ومن المسلم به عموما وجود انقسام بين العصرين الحديث وما قبل الحديث. ونحن يمكننا أن نجادل في مدى الانقسام ودرجة الاستمرارية عبر الفجوة بين ما قبل العصر الحديث والعصر الحديث، لكن الحقيقة أن الانقسام كان واقعا، وبالنسبة لمعظم الناس الذين خضعوا للتحديث موثقا جدا. ومع ذلك فالعهد الذي هو أحد المفاهيم وتراثه وأحد الثقافات التي تمكنت من تجاوز الهوة والبقاء على قيد الحياة؛ قد تحول، في الواقع، ولكن في عملية كان لها تأثير هائل في تشكيل العصر الحديث، لاسيما في بعدها السياسي، والاستمرار في إجبار بعض المجموعات البشرية، أو على أقل تقدير، لتكون بمثابة صخرة النجاة التي يعودون إليها لاستعادة النشاط في أوقات الحاجة. ولا يقل أهمية أن أشير إلى أن التحولات السياسية للحداثة قد انطلقت وحققت أكبر نجاحاتها في تلك البلدان التي كان فيها تراث العهد قويا، مثل سويسرا وهولندا واسكتلندا وإنجلترا والولايات المتحدة”، وهكذا، فإن العقد الاجتماعي عند المسلمين يتكون من عهد مع بعض الحقوق الأساسية الفردية والجماعية ومن عقد مع بعض الحقوق والواجبات الاجتماعية، كما هو مذكور أدناه بإيجاز. وهو في الجوهر نظرية تكريم الالتزامات المشتركة للحفاظ على الانسجام والتعايش السلمي والاستقرار في المجتمع.
* الحقوق الأساسية:
حق الحياة باعتبارها هبة من الله (النفس)، وحق المعتقد باعتباره حاجة القلب (الدين)، وحق الحرية باعتبارها جوهر الكائن البشري (العقل)، وحق الملكية باعتبارها من ضروريات الحياة (المال)، وحق الكرامة باعتبارها جوهر الهوية الإنسانية (العِرض)، وحق التكاثر البيولوجي لاستمرار النوع البشري (النسل).
* الحقوق والواجبات الاجتماعية:
وقال: ان الإنسان مخلوق خلقه الله، وينبغي له ألا يسئ إلى مخلوقات الله والطبيعة، وإن كل إنسان يعمل ويعيش في سلام مع الآخرين، وإن البشر يدافعون عن حرية الاعتقاد والتعبير والعمل على التحرر من الخوف والفقر، وإن كل فرد يعمل على تعزيز التسامح في المجتمع باعتباره علامة على القوة البشرية، وإنّ الناس يمارسون الحوار الديني والثقافي مع التضامن الديني والثقافي، واعتراف الإنسان لأخيه الإنسان بالحرية والمساواة، وأن يفي كل إنسان بوعده، ويلتزم بعهده، ويعمل على تنفيذ عقده بالكامل، وأن لا يسعى أحد للانتقام بسبب شرور الماضي، بل أن يتطلع إلى مستقبل أفضل، وأن لا ينشر أحد الكراهية، وأن يحترم الجميع حقوق الآخرين في كل زمان وفي كل مكان، وأن لا يستخدم أي عضو في المجتمع القوة الفردية لتحقيق الإنصاف من الخطأ، بل أن يطالب بحقه من خلال سلطة القانون فقط، وإن أوروبا هي دار السلام، واتحاد العقد الاجتماعي، ووطن جميع الذين يتخذونها وطنا لهم.
مؤكدا بأنه من الواضح أن نطاق هذه المحاضرة محدود وبالتالي لا يمكن التركيز على جميع الحجج المعتبرة بشأن الحاجة إلى العقد الاجتماعي الإسلامي في أوروبا، لكن في الوقت الحالي وبالمساحة المتوفرة، نستطيع أن نقول إن مسلمي أوروبا لا يمكنهم، في جو تسوده روح التحرير والعدالة، تحصيل حقوقهم وكرامتهم في المجتمع المدني لأوروبا وحسب، بل ينبغي عليهم باعتبارهم مواطنين أوروبيين أن يحترموا واجباتهم تجاه المجتمع، ويقبلوا به على أنه مجتمع العهد مع الله، والعقد القابل للتنفيذ مع البشر.
* مفهوم الأمان
وقال: انه بعد حديثنا الملخص عن إمكانيّة العقد الاجتماعى الاسلامى فى أوروبا المعتمد على العهد الالهى المعتبر، ننتقل إلى حديثنا عن مفهوم الأمان فى الإسلام فنقول قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وهو أصدق القائلين: {هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، وقال: {وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، وقال أيضا: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ}،{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ:”كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ:الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، قَالَ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك …”.
أولا – الإيمان:
وقال: هكذا، وبناء على هذا الحديث النبوي الشهير، يوجد ثلاث ركائز متينة يقوم عليها صرح السلام في الإسلام:(الأمن) و(السلام) و(الحَسَنُ)، وفي الحقيقة فإن هذه الكلمات العربية الثلاث تشكل جذور المفهوم الأساسي للأمن والسلام والتكافل في الإسلام.
.. للحديث بقية الاسبوع القادم

إلى الأعلى