الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لأنه يزرع شجرة زيتون

لأنه يزرع شجرة زيتون

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

حتى قبل أن يحل الكنيست الصهيوني نفسه، ويحدد موعدا للانتخابات المبكرة في الكيان الصهيوني، هو اليوم السابع عشر من الشهر الثالث من عامنا المقترب، كانت حمى التحضير لهذا الاستحقاق كاحتمال كان مرجحًا قد سبقت.
والآن، وأما وقد تم الحل وتحدد الموعد، فقد بات ما من صوت في الكيان يعلو على قرع طبول الحملات الانتخابية. كما وبلا انتظار لنتائجها، لا من شيء يشغل تلاوين المستوى السياسي أكثر من الانخراط في بازار المزايدات والمقايضات لحوك الائتلافات المحتملة سعيًا للفوز بقصبة تشكيل الحكومة التالية لتشكيل الكنيست. لسنا هنا بصدد البحث في جنس هذه الحكومة، أو لون هذا الكنيست الذي سوف يلي انتخابه عملية تشكيلها. شاكلته وشكلها ليستا مما يصعب توقعه على أحد، فالسباق في حلبة هذا الاستحقاق هو بين الغلاة والمتطرفين، والكنيست القادم لن يكون إلا ساحةً لهذين الصنفين السائدين، مع ديكوراته الهامشية المطلوبة، ممن تصنَّف بالأقل تطرفًا، وتلك التي تدعى باليسارية، أما الحكومة القادمة، فإن لم يشكِّلها نتنياهو، وهذا هو المرجَّح، فلن يفعله من هو الأقل سوءًا منه، ذلك أن انتخاباتهم إن غيَّرت حكوماتهم فلن تغيِّر سياساتهم.
من الآن وحتى الانتخابات أصبحت حكومة نتنياهو مجرد حكومة تصريف أعمال، هذا يعني أنه لا من قرارات حكومية ستتخذ، أو هي باتت في حكم المعلَّقة حتى حينه… باستثناء ثابتين لا يتوقفان ولا من تعليق لهما: قمع الفلسطينيين والتفن في ابتداع المستجد من ضروب التضييق على الوجود الفلسطيني بأشكاله المادية والمعنوية، ومواصلة التهويد وسلب ما تبقى من الأرض الفلسطينية. الأول، يعد فعلًا يوميًّا تشهده القدس المنتفضة وتكابده سائر مدن وقرى الضفة، ومثاله الصارخ بلوغه حد اغتيال الوزير في السلطة الشهيد زياد أبوعين، المناضل والأسير السابق، الذي قضى في السجون الأميركية والصهيونية ثلاثة عشر عامًا، وكان المحكوم بالمؤبد وأطلق سراحه إبان صفقة تبادل للأسرى… اغتياله ضربًا وبأعقاب البنادق إبان مشاركته في مظاهرة ضد سلب أراضي قرية ترمسعيا وقيامه بزراعة شجرة زيتون في أرضها المسروقة… ومواصلة أبشع أنواع الحصار الإبادي على غزة، بوجهيه الصهيوني والعربي، والذي تصفه منظمة العفو الدولية بـ”العقاب الجماعي”، والمستمر بعد حربهم العدوانية الأخيرة عليها، وتصف المنظمة ذاتها ما ارتكبوه خلالها بأنه “يرقى إلى جرائم الحرب”…
وحتى قبل حل الكنيست، لم يعد أحد يتحدث عن مصير المفاوضات غير المباشرة المفترضة لفك الحصار عنها، وفقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أوقف الحرب، بعد أن أعلن الوسيط المصري تأجيلها إلى أجل غير مسمى، كما لم تعد مسألة إعادة إعمارها أولوية لدى ما تدعى دجلًا “حكومة الوفاق الوطني” لسلطة أوسلو، التي ما زالت تمنع الرواتب عن موظفيها، وتتلكأ في إعادة إعمارها، وآخر ما يشغلها هو العمل على فك الحصار عنها، حتى استحقت بجدارة أن توصف بـ”حكومة حصار غزة والتخلي عن القدس”!
وفي التهويد، هناك ما يسرَّب عن قرارات تهويدية جديدة تشتمل على مصادرة المزيد من المساحات المحيطة بالمستعمرات في الضفة وضمها إليها، لا سيما في الأغوار وتلك القريبة إلى ما يسمى بالخط الأخضر… إلى جانب هدم قرية العراقيب في النقب المحتل في العام 1948، وللمرة التاسعة والسبعين، مع مستوجب الإشارة إلى أن أهلها المرابطين على أنقاضها قد شرعوا في إعادة بنائها للمرة الثمانين فور هدمها، رافعين شعارهم: “نبني فيهدمون، ويهدمون لنبني”، ومما يجدر ذكره أن هناك ما يزيد على الأربعين قرية فلسطينية نقبية يصنفها الصهاينة الغزاة بأنها غير شرعية، وبالتالي هي تحت طائلة الهدم بغية تهجير سكانها وسلب أرضها، وفقًا لمخطط تجميعهم القسري في ثلاثة تجمعات أو غيتوات رغمًا عنهم.
…من المراد له أن يكون على رأس المعلَّق إلى ما بعد انتخابات الكنيست الصهيوني القادم هو حملة العلاقات العامة الأوسلوية الساعية لتدويل الاعتراف الرمزي بالدولة الفلسطينية الافتراضية، والذي على أهميته الرمزية ليس له من مردود عملي على الأرض، ثم إنه بالنسبة للأوسلويين ليس أكثر من هدف تكتيكي محض من شأنه أن يفضي إلى قرار دولي يسهِّل عليهم ويحسِّن لهم شروط العودة لطاولة المفاوضات إياها، وفي سياق المراهنة ذاتها على الراعي الأميركي ذاته… هذا هو ما تشي به الضغوط المنثالة عليهم الآن لثنيهم عن التوجه للأمم المتحدة والتوقيع على المعاهدات الدولية، وتؤكده ثلاثة: مشروع القرار البريطاني الفرنسي الألماني، الذي يحدد مهلة سنتي تفاوض وليس القيام الدولة، وإرجاء البرلمان الأوروبي لتصويته المزمع على الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى ما بعد الانتخابات الصهيونية، واللقاء المزمع بين نتنياهو وكيري في إيطاليا لبحث سبل احتواء هذا التوجه.
إثر جريمة اغتيال الشهيد زياد أبوعين أشيع، ولم يعلن رسميًّا، أن السلطة قد أوقفت التنسيق الأمني، فاستبشر من استبشر في الساحة الفلسطينية بنقطة تحوّل أمل أن يكون لها ما بعدها، بيد أن الصهاينة سارعوا لنفي علمهم، ليتضاءل ما أشيع فيرسو على تدارس للأمر، ثم ليقال إنه خطوة من خطوات متدرجة قد يعلن عنها لاحقًا… عذر المستبشرين نسيانهم أن إنهاء التنسيق الأمني يعني نهاية السلطة لأنها بالنسبة للصهاينة لا تعني سواه، ثم غفلتهم عن أن كل ما جرى في غزة، وما يجري الآن في القدس، لم يدفعها لإنهاء “مُقدَّسها” التليد، فهل في اغتيال وزير من وزرائها ما سيدفعها لإنهائه؟؟!!
…لكن هل من عذر لمن سينسى أن شهيد ترمسعيا اغتيل لأنه كان يزرع في أرضها المسروقة شجرة زيتون.

إلى الأعلى