السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فلسطين .. مسؤوليات السياسة وضرورات الحماسة

فلسطين .. مسؤوليات السياسة وضرورات الحماسة

علي عقلة عرسان

إذا كانت كل جرائم كيان الإرهاب الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في السنة الأخيرة، وليس في السنوات الثلاث والعشرين الممتدة من التوقيع على اتفاق أوسلو المشؤوم وحتى اليوم، على الأقل، بما فيها ما جرى لأهل غزة والقدس والخليل، ولمواطنين ونواب ومسؤولين آخرهم المرحوم الوزير زياد أبو عين، مضافًا إلى ذلك الاستيطان والحصار والتهويد والتمييز العنصري المقونن، وتجريد فلسطنيي الأرض المحتلة عام ١٩٤٨ من حقوقهم الوطنية.. إذا كان كل ذلك وسواه مما لا يحصى ولا يعد من جرائم الصهاينة لم يؤدِ إلى وقف التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وكيان الإرهاب الصهيوني، فإنه لا خير في كل ما قيل وما يقال عن مواقف فلسطينية رسمية تمثل الشعب العظيم الذي قدم ما لم يقدمه شعب على وجه الأرض من تضحيات من أجل نيل حريته واستقلاله والدفاع عن وجوده.
وإذا كانت “الخطوط الحمراء” التي يضعها نتنياهو ووزير العدوان الصهيوني الإرهابي يعلون ومن سبقهم من مسؤولين إسرائيليين، ستبقى مأخوذة بالاعتبار لدى فلسطينيين وعرب، وتمنعهم من استخدام حقهم الطبيعي في الانضمام إلى المنظمات والمؤسسات الدولية، ومنها محكمة العدل الدولية، وتقديم المجرمين الصهاينة إلى العدالة.. مراعاة لخواطر الإرهابيين المحتلين وساستهم العنصريين.. فإنه لا أمل يرتجى مطلقًا من نضال تحدد مجالاته وحدوده وشكله ومضمونه وخطوطه الحمراء.. القوة العمياء لكيان الإرهاب المحتل لفلسطين.
وإذا كان كيان الإرهاب الصهيوني بضباطه وجنوده وشرطته وقطعان المجرمين المسمين مستوطنين، وكل يهودي إرهابي مجرم، سيجبر الفلسطيني الضحية، ابن الأرض والقضية، ويمنعه بالقوة المسلحة من اللجوء إلى العدالة الدولية، ومن اكتساب حقه الطبيعي في الانضمام لهذه المؤسسة حتى لا تلاحقه أو تطلب منه المثول أمامها.. ويقر هو أمام سمع العالم وبصره، أن يفلت من العقاب على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها ويرتكبها، وعلى قتل أطفال وشيوخ ونساء، وتدمير مدن وقرى وعشرات آلاف المنازل فوق رؤوس ساكنيها.. فإن ذلك أكثر من تفريط بالحقوق الأساسية للشعوب والإفراد، تقوم به قوة احتلال وإرهاب وتخضع له سلطة فلسطينية مسؤولة عن شعب وقضية ونضال عادل من أجل الدفاع عن النفس والأرض والحق والحرية.. وهو إجرام يسهم به كل من يسكت على ذلك من دول العالم وشعوبه، وكل من يضغط على السلطة الفلسطينية ويهددها ويتحكم بقرارها من خلال المساعدات المقدمة إليها ليمنعها من ممارسة حقها وواجبها تجاه شعبها، وتجاه العدالة والحقيقة والقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، وعار على الإنسانية كلها سيسجله التاريخ.
وإذا كان كل ذلك وسواه مما هو فظيع وشنيع، يتم خوفًا من الإرهاب الصهيوني ومراعاة للمجرمين اليهود وللولايات المتحدة الأميركية كي لا تغضب وترفع الفيتو والعقوبات بوجه الضحايا وتقطع الطعام عن الأفواه.. فلماذا يقاتل العالم إرهابًا ويسكت عن إرهاب ولماذا يسكت على مجرمين إرهابيين عتاة سرقوا وطن الفلسطينيين وما زالوا يلاحقونهم بالإبادة المنظمة منذ سبعين سنة ونيِّف؟! لقد آن لنا أن ندرك جيدًا، ويدرك معنا كل إنسان حر سليم العقل والحواس والضمير في العالم.. أن الولايات المتحدة الأميركية تحمي إرهاب الدولة الصهيوني وتشجعه، وتمارس إرهابها الدولي لتحقيق استراتيجيات ومصالح، وتستثمر في إرهاب يستهدف دولًا وشعوبًا ومناطق وثقافات وعقائد، وتمارس ذلك الإرهاب لتنشر الفوضى والدمار والتخريب وتصل إلى أهدافها القذرة.. وإنها في سياستها ونظرتها حيال الفلسطينيين خاصة والعرب عامة، وحيال العروبة والإسلام تاريخيًّا.. محكومة بأنواع من الحقد والتعصب الديني والعنصري الأعمى، وبالإذعان الجبان لليهود التلموديين، ومحكومة أيضًا بأشكال من الشراكة القذرة مع الصهيونية العالمية.. وهي شريك ومسؤول، بصورة مباشرة وغير مباشرة، في كل الجرائم المرتكَبة بحق الشعب الفلسطيني خاصة وبحق العرب والمسلمين عامة.. إنها دولة العدوان والتمييز العنصري تاريخيًّا، مثلها مثل إسرائيل تمامًا، ودولة معتقلات وسجون وأساليب استجواب وتعذيب “كريهة مثيرة للاشمئزاز”، على حد تعبير رئييس الـ C.I.A جون برينان الخميس ١١ ديسمبر ٢٠١٤.. ومن ثم فهي دولة عدو للعدالة الإنسانية ولحقوق الإنسان بمفهومهما الموضوعي السليم الدقيق النظيف.
وإذا كانت هي الدولة الأعظم التي تشترط على من تحتل بلادهم وتتدخل بالقوة في شؤونهم.. تشترط عليهم في العلن أن يقتلهم عسكرها من دون أن يكون لهم الحق في الاحتجاج والادعاء ضد جنودها وضباطها ومخابراتها القتَلة المشبعون بروح العدوان والفتك.. وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تبتز الدول والحكومات وتحصل على حصانة لضباطها وجنودها الذين يمارسون القتل والتدمير وإهاب الدولة على الطريقة الأميركية.. فإنها تحمي في السر والعلن “إسرائيل” التي تشاطرها هذا الفعل والموقف والاشتراط.
نحن أمام حقائق ووقائع ودروس وعِبَر، وأمام واقع مأساوي مرّ بكل المقاييس، وأمام ضعف مزمن وسياسات مزرية وتواطؤ مشين، وذلك كله أمر معروف موصوف.. ولكن إذا كنا نُقتَل في كل الأوقات وتحت كل الظروف، وإذا كان دمنا يُهدَر في كل مقتَلَة ونهدَّد بالقتل من جديد.. وإذا كانت حقوقنا ومقدساتنا وحياتنا تُنتَهَك بكل الأساليب والمقاييس.. فلماذا نبقى في العجز حتى عن الصراخ ونحن نواجه الذبح، والموت واحدٌ في كل الأحوال!؟ فلنجعل العالم يسمع صراخنا على الأقل، ولنسمِّ المجرم مجرمًا ونلاحقه ونطالب بمحاكمته ومعاقبته على ما ارتكب، ولنسمّ الإهابي إرهابيًّا ونطالب بمكافحته من دون تمييز بين إرهاب وإرهاب، فلا يوجد لإرهاب حسن وآخر قبيح، وليس الإرهاب عربيًّا أو إسلاميًّا بالضرورة، وليست الوحشية كذلك.. فما قام به الصهاينة في لبنان والجولان ومصر والعراق، وما قاموا ويقومون به في فلسطين منذ نكبة شعبها بهم حتى اليوم، ما قام به الاستعمار ويقوم به الأميركيون في دول كثيرة منها أفغانستان والعراق وسوريا.. وكل ما مارسوه وما مارسه الصهاينة هو إرهاب فظيع.. أوليس الاحتلال هو أسوأ أنواع الإرهاب حيث يضرب شعبًا وبلدًا بصورة عامة وتامة وشاملة، لا سيما حينما يكون استيطانيًّا اقتلاعيًّا ـ إحلاليًّا كما هي حال الإرهاب والاحتلال والاستيطان الصهيوني؟!
يجب ألا نسكت، فقد بلغت الأمور ذروة غير مسبوقة بقتل غزة وحصارها الذي هو قتل شعب، وبتصاعد وتيرة العدوان والقتل الصهيونيين لنا اللذين ما زالا في تصاعد نوعي وصل حدّ حرق الإنسان حيًّا.. واستشرى أكثر فأكثر حيث التهويد والاستيطان وقتل المتظاهرين المدافعين عن مقدساتهم وبيوتهم وحقولهم وأشجارهم، واعتقال الأطفال وسجنهم سنوات على رمي الواحد منهم حجرًا على دبابة صهيونية تلحقه لتسحقه، وزجّ النساء والشيوخ المدافعين عن الأقصى المبارك في السجون.. وها نحن بعد سجن النواب والسكوت عن ذلك، واشتراط عدم وحدة الشعب الفلسطيني، وملاحقة المقومة المشروعة ووصفها بالإرهاب.. ها نحن اليوم أمام قتل وزراء.. وسيبلغ الأمر حدود قتل الرؤساء كما حدث مع المرحوم ياسر عرفات في المقاطعة.. أفلا نذكر ونتذكَّر ونعتبر؟!.. فإلى متى.. إلى والموت واحد، والعدو واحد، والمصير واحد، والأمور على درجة من الوضوح ما بعدها وضوح، حيث يُستهدَف شعب في وطنه بعد أن سُرِق منه وطنه، ويراد له أن يُباد من دون أن يرفع صوته أو أن يمارس حقه بالدفاع نفسه؟!
ينبغي أن ينتهي التنسيق الأمني الغريب العجيب المريب مع المحتل الصهيوني.. فهل توجد ثورة، وهل يوجد شعب تحت الاحتلال، تقوم بعض قواهما الحية وبعض أبنائهما بالتنسيق مع عدوهم بصورة رسمية ضد من يقاومون عدوَّهم من أبناء شعبهم؟! وماذا يُنتظَر من الصهاينة أو من حلفائهم نظير ذلك؟! هل المزيد من القتل والتنكيل والاستيطان والحرمان من الحقوق..؟! أم يُنتَظَر منهم أن يسمحوا لنا هم وحلفاؤهم بأن نأكل ونتنفس في حصار يفرضونه علينا بالتنسيق والتعاون التامين من بعض دولنا العربية؟!
وينبغي أن يتم الانضمام إلى جميع الاتفاقيات والمنظمات والمؤسسات الدولية، وعلى رأسها محكمة العدل الدولية، وألا يكون الانضمام شكليًّا أو للزينة واللاقتراب من حالة وشرط الدولة الفلسطينية المستقلة ومن عضويتها التامة في الأمم المتحدة فقط، بل وتفعيل ذلك من أجل ممارسة الواجبات والحصول على الحقوق، حقوق الشعب والدولة والأفراد.. وأول ما يجب بعد ذلك الانضمام رفع قضايا أمام محكمة العدل الدولية ضد مجرمي الحرب والإرهابيين الصهاينة والكيان الصهيوني، كيان الإرهاب، من دون مراعاة لسياسات من أي نوع ولذرائع من أي لون.. لأن حق الإنسان الفرد يجب ألا تصادره سلطة أو تحول دون الوصول إليه سياسة، ولأن المجرم؛ أي مجرم، يجب ألا يفلت من العدالة كما يتفق العالم على ذلك.. ولأنه يجب أن ينتهي عهد “الدولة الصهيونية فوق القانون والمساءلة والمحاسبة”، وعهد التمييز بين مجرم يُحاسب أمام العدالة الدولية ومجرم لا تطوله العدالة لأنه محصن حيالها ويتربع فوقها فوقها كما هي حال المجرمين الصهاينة على الخصوص عبر تاريخ كيان الإرهاب والاحتلال في فلسطين العربية كلها منذ نشأته وحتى الآن وإلى ما يأتي من أيام.. فهذه الحقوق التي للناس لا تسقط بالتقادم ولا تموت، ولا يضيع حق وراءه مُطالب.
وينبغي أن ننهي الوضع الشاذ المستمر منذ سنوات طويلة، أي وضع ٩٩٪ من أراق قضية فلسطين بأيدي الأميركيين.. ليس لأن الأميركيين منحازون للكيان الصهيوني فقط ولكن لأنهم شركاء في الاحتلال والإرهاب اللذين يعاني منهما الشعب الفلسطيني. من المؤكد أن الولايات المتحدة دولة قوية وحاكمة وفاعلة، ولكن ماذا يعني ذلك لنا إذا كانت إذا كانت هذه الدولة تناصبنا العداء المطلق وتعطي لإسرائيل الدعم المطلق على حسابنا، وتحمي توسعها وإرهابها، وتحاول أن تمنع بعض دول العالم من الوقوف إلى جانب حقنا؟! إن التسليم المطلق لها ووضع العالم كله وراء ظهرنا فيما يتعلق بقضيتنا وما يقع علينا من ظلم.. هو أكثر بكثير من خطأ سياسي جسيم تترتب عليه نتائج خطيرة للغاية.. وقد ترتب على ذلك، حتى الآن على الأقل، ابتلاع لمعظم الأرض، وما نعرفه ونشهده من عدوان وكوارث، ومن تمدد للاستيطان الممول أميركيًّا، واستمرار في تقوية كيان الاحتلال وإضعاف كل من يطالبه بحق من أي نوع.. لقد عَزلْنا أنفسنا بصورة ما، وعزلَنا الأميركيون والصهاينة وحلفاؤهم عن معظم العالم بالاعتماد عليهم في حل قضيتنا.. ومضت سنوات وسنوات من “التفاوض/ التنازل” ولم يصلوا بنا إلى أدنى فرصة أمل بالحصول على بعض الحق الذي لنا، وبوقف القتل المستحر في رقابنا.. ولم يترددوا لحظة في الوقوف إلى جانب عدوان المحتل وإرهابه.. وحتى حين لجأنا إلى مجلس الأمن الدولي ذي المرجعية هو والأمم المتحدة في قضيتنا العادلة لنحصل على بعض الحق وبعض العدل، وقف الأميركيون ضدنا وهم يحاولون أن يجهضوا مطالبنا العادلة.. فغدًا الأحد الـ١٤ من ديسمبر على سبيل المثال يجتمع الوزير كيري مع المجرم نتنياهو في روما لتنسيق المواقف وللتفاهم على إجهاض المشروع المقدم إلى مجلس الأمن الدولي حول إنهاء الاحتلال الصهيوني لبعض فلسطين، “حدود ١٩٦٧ مع تعديلات وتبادل أراض” خلال سنتين، ليكون لنا بعض أرضنا، وبعض حقنا، وشبه دولة بدل دولتنا المنشودة فلسطين..؟! لا يريد “العدل الأميركي” أن نحصل على شيء من ذلك، ويسعى لتدمير كل فرص وقف إبادتنا.. وينبغي ألا نخسر العالم وألا نشارك الأميركيين بالدعاء بأنهم يريدون حلًا لأنهم يريدون تحييد العالم والتسويف المستمر إلى أن يتم إنجاز المخطط الموضوع: “ابتلاع فلسطين كلها، وتهجير من يتبقى من الفلسطينيين، ووضع دول المنطقة المعنية بقضية فلسطين في موقع الضعف والتمزق والاستكانة وفرض الهيمنة التامة عليها، والتحالف مع عرب من العرب ضد من يرفع أصبعًا باتجاه كيان الإرهاب الصهيوني الذي يتمدد في الأرض ويسيطر على مصادر الطاقة في المتوسط، ويشارك في إرهاب دول عربية وتدميرها. الأميركيون يملكون فعلًا بعض أوراق الحل ولكنهم لا يريدون حلًّا فهم المشكلة وليس الحل.. لذا علينا أن ننفتح على العالم كله، ونطالبه بالحل بوصفه أسسا للمشكلة يوم اعترف بكيان الإرهاب الصهيوني زورًا وبهتانًا وألقى الشعب الفلسطيني وقضيته في متاهات وإهمال تحت ضغط القوى الاستعمارية وتحت وقع التشويه الصهيوني ـ الغربي الذي لا مثيل له في تاريخ قضايا وشعوب.
نعم إن الوضع الفلسطيني الداخلي معقد، ويزيده تعقيدًا الوضع العربي ضعفًا وتعقيدًا، وأن هناك أمام السياسة الفلسطينية ضرورات وأولويات واحتياجات وحسابات يكفي أن نذكر منها أن كل شيء يحتاجه الفلسطيني عدا الهواء يتحكم به أو يمكن أن يتحكم به المحتل الصهيوني.. ونعم أيضًا أن هناك مسؤوليات وحكمة وحسن تصرف وتقديم للسياسة على حساب الحماسة تفرض نفسها على أصحاب الحل والعقد.. ولكن حينما تصل الأمور إلى حدود الإبادة المنهجية المستمرة لشعب، ماديًّا ومعنويًّا.. وحين يحاصَر الفلسطيني حتى من بعض أهله وبعض ذاته، فإن لمطلب الحياة والوجود والدفاع عن النفس والحق أولوية وأفضلية تجعل للحماسة حجة على السياسة، وتجعل الدفاع عن الوجود أفضل وأول ما يستدعيه الوجود.. ونحن اليوم في فلسطين ومن يقف معها من أبناء أمتها ودولهم ومن المسلمين ودولهم ومن العالم بأحراره، مدعوون إلى موقف من هذا النوع العالي المسؤولية وإلى فعل بهذا المستوى.

إلى الأعلى