الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل ينقلب المركب على الملاح؟

هل ينقلب المركب على الملاح؟

أ.د. محمد الدعمي

ربما كانت قصة استقدام المرتزقة السلاجقة للحراسات في بلاط بني العباس بالعصر الوسيط هي الأقرب إلى أذهاننا، قراءً للتاريخ، عندما نكرر استفهام “وإذا انقلب المركب على الملاح؟” في أحاديثنا. تشير التجربة العباسية إلى تفاقم دور الحرس من السلاجقة التركمان، درجة هيمنة هؤلاء المرتزقة الأجانب (الذين جاء بهم خلفاء عباسيون عرب، لحمايتهم) على مؤسسة الخلافة حتى تحويل الخلفاء العرب إلى دمى بأيديهم: يعينون من يريدون ويعزلون من يريدون، فانتهى أمر الحكم إلى الترك، كما حصل مع البويهيين العجم قبلهم.
للمرء أن يسترجع هذا الدرس العربي/ الإسلامي على سبيل معاينة معضلة الولايات المتحدة مع المواطنين السود من أصل إفريقي المتفاقمة اللحظة على نحو خاطف السرعة. قصة السود هناك تشبه قصة الحرس التركي هنا، كما أنها بالتأكيد تطابق قصة “ثورة الزنج” في العصر العباسي، حيث استثمر أحدهم فكرة المهدوية ليطرح نفسه كمنقذ للكادحين الزنج الذين تم استقدامهم عبيدًا من إفريقيا لجرف الأملاح من أراضي البصرة وما حواليها، فقام “المهدي الكاذب” باستقطابهم للثورة على العباسيين في بغداد.
يقول أحد أمناء المدن الكبيرة في الولايات المتحدة بأن ولاية فلوريدا، وهي بحجم العراق تقريبًا، قد غدت نموذجًا غريبًا لحال “تحول الأقلية إلى أغلبية لاحظ المفارقة الكامنة في التعبير. والمقصود هنا غلبة المهاجرين الملونين أو اللاتينو على البيض سكانيًّا.
لقد تم استقدام السود إلى أميركا في عصر سابق على منوال ما فعل العباسيون، إذ إنهم جلبوا، عبيدًا، للاستخدام الكادح في مزارع الإنتاج الواسع وللسخرة، فعوملوا على هذا الأساس حتى نهاية ستينيات القرن الزائل حيث سنت القوانين وأطلقت التشريعات التي تمنع التمييز العنصري على أساس لون البشرة. بيد أن البون بين القانون الوضعي والعرف الاجتماعي السائد دائمًا ما يكون واسعًا درجة عجز المشرع عن تحقيق أهدافه من وراء سن القانون.
هذه ملاحظة لا يمكنك، أخي القارئ، أن تفلت من رصدها إذا ما عشت في الولايات المتحدة، خاصة وأن الأميركان السود قد وجدوا ملجأ لهم في الإسلام، هربًا من التمييز على سنوات صعود نجم الملاكم “محمد علي كلاي”، بيد أنهم ما زالوا يشعرون بالتمييز برغم أن الرئيس رجل ملون وأن اسم والده هو “حسين”، بدليل ما شهدناه من انتفاضات في “فيرجسون” ونيويورك ومدن كبرى أخرى، انتفاضات تأبطت سوء معاملة الشرطة للسود عنوانًا ومنطلقًا لها. بيد أن المرء لا يمكن أن يظفر بجذر التعقيد إلا عند الاختلاط بالأميركان أنفسهم ليسبروا له أغوار الاختلاف وأسرار التنافر، خاصة عندما يشعر السود أن وجود رئيس أميركي أسود، لا يزيد عن كونه “ديكورًا” لتمرير التمييز على مستويات التعامل والتربية والتعليم، ناهيك عن مسالك العمل على أنواعه. لهذا السبب أطلقت على مقالتي (للوطن) عن فيرجسون عنوانًا ثانويًّا هو “حذار ثورة الزنج” نظرًا لرضوخي للتجربة التاريخية المحلية.
للمرء أن يلاحظ هذه المعضلة التي تجابه، بل وتعيي إدارة أقوى دولة في العالم وهو يرصد المعضلة الاجتماعية الحقيقية التي تواجه البعض من مجتمعات عربية اليوم بسبب تذبذب نسب البنية الإثنية أو السكانية فيها، نظرًا للاستخدام المفرط والاستيراد المتعامي لقوى العمل من مختلف دول العالم وأعراقه، اعتمادًا على تدني أجور العمالة الأجنبية وخبراتها التي لا يمكن استغناؤنا عنها أحيانًا، للأسف. لذا، يخشى المرء أن ينقلب المركب على الملاّح هنا أو هناك! فحذار.

إلى الأعلى