الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “تحولات المشهد المسرحي” .. اتنقال المخرج من مرحلة ترجمة وتجسيد النص المسرحي إلى مرحلة التفسير المبدع

“تحولات المشهد المسرحي” .. اتنقال المخرج من مرحلة ترجمة وتجسيد النص المسرحي إلى مرحلة التفسير المبدع

انفراد المسرح العربي بتحولات مكتسبة من التراكمات التاريخية والحضارية على المستوى الفني

عرض ـ حسام محمود:
“حال المسرح العربي والمصري اليوم لا يسر أحداً” يصدق هذا القول على وجهيه، المسرح التجاري ومسرح الدول على السواء, ويبقى الأمل في مشاهدة مسرحية ذات معنى، فيها الحد الأدنى من المتعة، وربما شيء من الفكر، خارج هذين الإطارين، أعني الفرق المسرحية الحرة التي تقوم على مجموعات من الشباب الذين لا يزالون مؤمنين بأهمية فن المسرح وجدواه، وهم غالبا يبدأون من نقطة البداية الصحيحة وهي رفض هذين الشكلين القائمين للمسرح، لكن مآزقهم تتداعى بعد ذلك, وقد سارع المسئولون في العديد من البلدان العربية ومنها مصر إلى مناقشة مشاكل المسرح وتعثرات خطوات الأعمال المسرحية؛ لاحتواء طاقات الشباب من خلال هذا النشاط الفني السامي.

المخرج المسرحي
يشير الدكتور محمود أبو دومة، مؤلف كتاب “تحولات المشهد المسرحي .. الممثل والمخرج” الصادر عن (الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة)، مهرجان القراءة للجميع (سلسلة الفنون) تحت رعاية مكتبة الأسرة بمصر، إلى الدور الذي يقوم به المخرج المسرحي حيث مردوده بالعديد من المنعطفات خلال العقود الماضية أثرت فيه وتأثر بها شهدته شخصية المخرج وانتقاله من مرحلة ترجمة وتجسيد النص المسرحي إلى مرحلة التفسير المبدع، وذلك بالنسبة للمسرح العربي وحتى العالمي، لكن المسرح العربي انفرد بأن التحولات لم تأت مصادفة ولكنها جاءت نتيجة لكثير من التراكمات التاريخية والحضارية على المستوى الفني، وتطور الأمر بالمخرج المسرحي إلى حد العقل الإنساني نتيجة لتراكم المنجزات الفكرية والعلمية, ولعل الإخراج العربي ركز على تأمل السلوك الجسدي والعقلي والروحي وتشابك علاقتهم بالواقع، وذلك في محاولة لتفسير المسرح لمظاهر النشاط الاجتماعي وتحويله إلى نمط معرفي للسيطرة على التجربة الحياتية للإنسان, وقد تبلور هذا النشاط في صورة من النشاط الفني والأدبي، والذي اتخذ من الواقع صورة ومادة تصاغ للعيان علي خشبة المسرح, واستخدم الفنانون في تجسيد واقع القضايا المجتمعية والسياسية والاقتصادية مجموعة من الرموز للتعريف بأهمية تسليط الضوء على الأزمات في محاولة لإيجاد حلول لها عبر تفاعل بين المسرح وجماهيره, وقد مر المجتمع الإنساني بتجارب عديدة يحرص رجال المسرح على تجسيدها في صورة مباشرة أو بصورة رمزية لإعمال العقل وشحن الأذهان, وكذلك فإن ما مر به الإنسان المعاصر من متغيرات حضارية لا يمكن للمسرح تجاهلها، بل انبري العديد من الفنانين في خلق إبداع يعبر عن الحداثة والعولمة والتناقضات بين البدائية وسرعة إيقاع العصر الحديث, ولم يترك المسرح العربي الحديث صور مستجدات الأحداث التاريخية تمر دون إلقاء الضوء عليها من خلال نقد تقلص الدور الروحي والقيمي والرغبة في إعلاء شأن المؤسسات الدينية، وكذلك نقد أي انحدار أخلاقي قد يطرأ على المجتمعات فيمحو منها ويزيل ويعدل وحتى الأيدلوجيات السياسية والتكتلات العسكرية وتقسيم مناطق العالم لنقاط نفوذ طرحها المسرح الآن من خلال عروض سياسية ذات مغزى شعبي تصب في صالح روح التغيير ونقد الأخطاء ومحاولة الإصلاح النابع من الذات.
ويحاول المسرح العربي إخراج أعمال تدوم وتتوارثها الأجيال تعبر عن ظواهر, وتكون عاكسة لمراحل تاريخية، في حين يركز بعض المؤلفين على أنماط من الأدب الشعبي التي تصلح للإسقاطات السياسية في كل زمان ومكان, وقد استتبع ذلك مزج التراجيديا بالكوميديا, وظهور فكرة الشخصية المجردة من الملامح الواقعية الكاملة، وعدم التقيد بالمواءمة الفيريقية أو النفسية للشخصية المراد تصويرها على خشبة المسرح.

تحولات الإبداع
حاول الرواد المجددون لفنون المسرح صياغة اتجاهات إخراجية جديدة تتسم بتطوير عناصر العرض المسرحي مثل: الأداء التمثيلي, والنص الدرامي والسينوغرافيا, والتأثير الموسيقي والضوئي, وقد امتد هذا التطوير ليشمل آليات التلقي. لقد توسل هؤلاء الرواد المجددون بمعطيات فنون العرض المسرحي لصياغة أسلوب خاص للوصول بأهداف وجماليات التعبير الفني الإنساني إلى ذروته. وكان هذا التحديث وليد تجارب مسرحية للعديد من المخرجين طمست بعض ألوان الفنون القديمة, وعدلت في بعضها, وجددت ألوانا من الإبداع، وفي بعض من العروض يكون الممثل أولا هو صاحب اليد العليا بالاشتراك مع مخرج العمل المسرحي. فهناك تكامل بين المخرج والممثل يجب أن يساهم في نجاح العمل، أما التناقض والصراع فيؤدي إلى فقدان قيمة المسرحية، فالأجواء المشحونة لا تخلق فنا والصراعات توئد الفن الجميل ولا يمكن للخلافات أن تصلح المسار بل تكون تناقضات جوهرية داخل العمل نتيجة تعاكس الرؤى, ولا يقتصر دور الإخراج على مجرد تنظيم وإدارة آليات المسرح، بل يمتد إلى كونه يرسم بانوراما العمل بتجليات متناغمة بين فريق التمثيل وحتى الكورس والكومبارس, وتزامن وجود الممثلين وإشارات البدء للمنشدين والراقصين, وإشعال البخور, ووضع أكاليل الزهور وإعداد الملحقات المسرحية البسيطة، وتوجيه الممثلين نحو فنون إلقاء الشعر والرقص والحركة، وهو أمر طبيعي لأنه لم يكن المخرج سوى قائد أوركسترا التمثيل على خشبة المسرح يتحكم في الأداء, فيقوم بزيادته أو إبطائه حسبما تقتضي الأمور, ورغم ذلك فإن دور المخرج لم يبزغ في المسرح العربي إلا حديثا بعد عقود من التركيز على المؤلف, ومجموعة الممثلين, إلا أن الإخراج المسرحي لعب دورا مهما في إنتاج صورة متكاملة لأعمال لا تزال شاخصة على أوجها تتوارد على الأذهان, ويستمتع بها الجمهور في كل زمان ومكان، فالإخراج المسرحي عنصر خلاق للمعنى بعد أن أدى التطور إلى تشابك المعاني, وانخراط العديد من مؤسسات القطاع الخاص في أعمال درامية وكوميدية بالسينما بغية الربح؛ مما أدى للنفور التمثيلي من قبل الفنانين من خشبة المسرح رغم ما تحمله من تفاعل مباشر بين الفنان والجمهور لا تضاهيه متعة. إن المعالجة لدور المؤلف والمخرج على المسرح لهو جدير بالذكر, فالتأليف أساسي في أهميته لأنه القماش الذي يصنع منه الفستان، لكن المقص الذي يستخدم في الحياكة هو المخرج, وبدونه مهما كان القماش رائعا، فإنه لا يكون صالحا للملبس والتزين, وهذا هو بالمختصر سر تكامل العمل المسرحي من خلال التعاون المثمر والمرجو بين المؤلف والمخرج وخلفهم (كاست) الممثلين والكورس والكومبارس .

إلى الأعلى