الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / متى يمارس مثقفونا دور زرقاء اليمامة ؟!

متى يمارس مثقفونا دور زرقاء اليمامة ؟!

من غير المنطق أن يتجاهل المثقف العربي في تلك اللحظة الفارقة من تاريخ أمته ما يجري في معامل الفكر السياسي في الولايات المتحدة الأميركية من تفاعلات تنتهي برؤى واستراتيجيات، تعنينا تماما، بل وتؤثر هيكليا على مصائرنا. وتلك اللامبالاة من مثقفينا ومفكرينا وإعلامنا تبند هؤلاء النخبويين في خانة “آخر من يعلم”!
ومنذ عقدين، فاجأ البروفيسور الأميركي جوزيف صموئيل ناي العالم بمصطلح بدا غريبا، وسرعان ما شاع، هذا المصطلح هو “القوة الناعمة” وكان يعني به ما تملكه الدولة من سبل للتأثير على الدماغ الجمعي للشعوب الأخرى وعلى غرف صناعة القرار بها من خلال الإقناع والاستقطاب المرتبط بمصادر وقدرات غير ملموسة مثل: نشر الأفكار والمعلومات، ودعم قنوات البث الإذاعي والإرسال التليفزيوني، وترويج سلع وخدمات وبرامج معلوماتية هدفها دعم المعارضة للنظم القائمة.
وبعد ذلك استحدث صموئيل ناي مصطلح “القوة الذكية” فماذا يعني بالقوة الذكية؟ وما أوجه الاختلاف بين مضمون هذا المصطلح، ومصطلح القوة الناعمة ؟
عبر مقال نشر فى مجلة “Foreign Affairs ” – عدد نوفمبر / ديسمبر 2010 بعنوان “القيادة من خلال القوة المدنية .. إعادة تعريف الدبلوماسية والتنمية الأميركية” عرضت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون شرحا مستفيضا لاستراتيجية الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة والتي تتكئ على مفهوم “القوة الذكية”، حيث توضح هيلاري بداية أن أبرز مهامها كوزيرة لخارجية الولايات المتحدة تتمثل في تحقيق الاتساق والاندماج بين الدبلوماسية والتنمية، وتشديد الأهمية على ذلك بالقدر نفسه الذي تحظى به تنمية القدرات الدفاعية الأميركية، وهو الأمر الذي وصفته بأنه ترسيخ لمفهوم “القوة الذكية” كنهج جديد لحل المشاكل العالمية، إلا أنه لن يتحقق دون تعزيز “القوة الأميركية المدنية”، وتوسيعها إلى أبعد مدي. إذا فالقوة الذكية، هي مزيج من القوة الناعمة والاقتصادية والعسكرية.
لقد صار العالم اليوم مليئا بالتحديات والمشكلات الكبرى التي تختبر قدرة الإدارة الأميركية الجديدة على التعامل معها، بدءا بقضايا التطرف العنيف، مرورا بالركود الاقتصادي العالمي، وصولا إلى التغير المناخي والفقر.
وكما ترى هيلاري كلينتون، فإن إحدى آليات دمج الدبلوماسية بالتنمية لقيادة القوة المدنية، هى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي تعرف بـ”هيئة المعونة الأميركية”،
وسعت بالفعل إدارة الرئيس أوباما لإعادة بناء وكالة التنمية الأميركية لتصبح المنظمة التنموية الرائدة في العالم، والتي يمكنها على المدى الطويل تعزيز النمو والحكم الديمقراطي، بما تتضمنه من أذرع بحثية، وأدوات ابتكار، وتشكيلات سياسية، بالإضافة إلى أنها ستستخدم كمقياس لضمان فعالية الاستثمارات الأميركية من حيث التكلفة والتأثير.
فعلى الرغم من أن وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية لديهما أدوار متميزة ، وغالبا ما تتداخل أعمالهما، وتعملان جنبا إلى جنب، فإن التحديات العالمية تتطلب دمج الاثنتين معا على نحو أكثر شمولية، بما يحقق القوة المدنية التي تنشدها الولايات المتحدة، خاصة أنه في الأغلب ما يتم تأمين الأعمال الدبلوماسية بتحقيق أهداف ومكاسب في مجال التنمية، كما أن أهداف التنمية كثيرا ما يتم تأمينها أيضا بالتواصل الدبلوماسي.
وتضرب هيلاري كلينتون مثالا على ذلك بالمحادثات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في صيف 2010 ، فبقدر ما تطلبت عملا دبلوماسيا موهوبا ـ تقول هيلاري ـ إلا أن إحراز تقدم على طاولة المفاوضات يرتبط ارتباطا مباشرا بالتقدم في بناء مؤسسات قوية ومستقرة لقيام دولة فلسطينية وتوفير الأمن لإسرائيل.
وتتبلور الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي تتكئ على “القوة الذكية” في ثلاثة مجالات رئيسية هي: تحديث وتنسيق الجهود الدبلوماسية عبر وكالات الحكومة الأميركية، وضمان تحقيق أعمال التنمية لتأثير دائم ومستدام، وكذلك خلق علاقة قوية بين الدبلوماسية والتنمية، فضلا عن تحسين التنسيق مع الشركاء في المجال العسكري في مناطق الصراع والدول الهشة.
وتقول هيلاري إنه على الرغم من أهمية الوظيفة الرئيسية لسفراء الولايات المتحدة والسفارات، فضلا عن الموظفين في وزارة الخارجية، والتى تتمثل في إدارة علاقات الولايات المتحدة مع الدول الأجنبية، وبصورة رئيسية من خلال المشاورات مع نظرائهم في الحكومة، إلا أنه في ظل تزايد الترابط العالمي، لم يعد الأمر يقتصر على التعامل مع الحكومات بشكل مباشر، وإنما أصبح هناك تواصل مع المواطنين وفي هذا الشأن ـ ومن وجهة نظر هيلاري ـ ينبغي أن يمتد التواصل إلى ما وراء الحكومات، لاسيما أننا في ظل عصر المعلومات الذي نعيشه يتمتع الرأي العام بقيمة مضافة في الدول الاستبدادية، كما أن الجهات الفاعلة غير الرسمية هناك أكثر قدرة على التأثير في الأحداث الجارية”.
فاليوم – تقول هيلاري – لا يؤسس سفير الولايات المتحدة العلاقات فقط مع حكومة البلد الذى يستضيفه، وإنما يقيم حوارا وتواصلا أيضا مع شعبها، فــ”المراجعة الدورية للدبلوماسية والتنمية” تؤيد الاستراتيجية الجديدة للدبلوماسية الأميركية، إذ تجعل من المشاركة العامة واجبا على كل دبلوماسي، يتم تحقيقه عبر اللقاءات والاجتماعات المنظمات المدنية.
ففي القرن الـ21، أصبح من المحتمل أن يلتقي الدبلوماسي مع شيوخ القبائل في قرية ريفية كنظراء مماثلين لوزير الخارجية في تلك الدولة.
ولا يتوقف الأمر عند مجرد الاتصالات، بل تذهب هيلاري إلى ما هو أكثر من ذلك حين تتحدث عن أهمية تقوية النفوذ أو القوة المدنية عبر شركات الاتصال وأهل الخير وجماعات المواطنين “شركاء الحكومات”، لأداء المهام التي لا تستطيع الحكومات وحدها تأديتها، خاصة أن التكنولوجيا توفر أدوات جديدة للاندماج والتواصل.
وتبحث هيلاري كلينتون عن النهج الذي يمكنه أن يشكل السياسة العالمية في الغد القريب، لاسيما أنه أصبح واضحا مدى تأثير الظروف المادية لحياة الشعوب فى أهداف الأمن القومي للولايات المتحدة، فبينما تقود الوكالة الأميركية للتنمية العمل في الخارج، ينبغي في الوقت ذاته أن يكون موظفو وزارة الخارجية، بداية من السفراء لخبراء الخدمة المدنية، على دراية أفضل وأكثر انخراطا في قضايا التنمية في الدول الأخرى.
ولهذا السبب، دعت “هيلاري” لمراجعة واسعة لبرامج المساعدات الأميركية في أفغانستان وباكستان لضمان أن تتماشى مع الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة ، وأرسلت سفيرين من ذوي الخبرة لتنسيق المساعدات الأجنبية في كابول وإسلام أباد.
هذا الطرح من قبل وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، قد يفهم منه أن هدف الولايات المتحدة من وراء توظيف “القوة الذكية” هو سعادة ورفاهية الشعوب الأخرى، خاصة من خلال منح ومساعدات هيئة المعونة الأميركية وأيضا برامج تعزيز الديموقراطية التي أوكلت مهمة تفيذها إلى منظمات المجتمع المدني في الدول المستهدفة ،!
لكن هل ما تقوله كلينتون هو الحقيقة ؟
لنعد إلى مبتكر مصطلح “القوة الذكية” البروفيسور جوزيف صموئيل ناي، لنعرف ماذا يعني الرجل بمصطلحه هذا، لقد وصف الرجل في حوار تليفزيوني تأثير القوة الذكية بقوله: أنك تتعرض للحرب دون أن تدري، وفي النهاية تستيقظ لتجد نفسك ميتا !
فهل الحرائق التي تشهدها بعض الأقطار العربية منذ أربع سنوات، وفيما يسمى بدول “الربيع العربي” هي جزء من استراتيجية القوة الذكية لواشنطن في المنطقة،؟ وهل الهدف هو تفتيت الجغرافية العربية إلى أكثر من 30 إمارة ودويلة طبقا لوثيقة المستشرق اليهودي برنارد لويس التي وضعها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي واحتفت بها دوائر صناعة القرار في واشنطن ؟
تحضرني الآن عبارة قالها الكاتب الأميركي الشهير توماس فريدمان منذ عدة سنوات أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تستحضر الآن اللحظة التشرشلية !
واللحظة التشرشلية التي يعنيها فريدمان كان مسرحها القاهرة عام 1922، عشاء جمع بين توماس إدوارد لورانس ضابط المخابرات البريطاني والمعروف في الأدبيات العربية بـ “لورنس العرب ” وونستون تشرشل وزير المستعمرات آنذاك، وخلال الدقائق التي استغرقها تناولهما العشاء أنهيا تقسيم العالم العربي بين بريطانيا وفرنسا على قاعدة سايكس بيكو، وفريدمان حين خاطب ساسة بلاده أن يستحضروا تلك اللحظة التشرشلية، فهو يعني استبدال سايكس بيكو بوثيقة برنارد لويس، فهل ما يجري في العالم العربي الآن يعني أن واشنطن لبت نداء فريدمان ؟!
ليت المثقفين العرب يدركون ما يخطط لأمتهم، لأنهم ضمير الأمة، وهم الأقدر على أن يقوموا بدور زرقاء اليمامة للتحذير من المؤامرات التي تحاك ضدنا!

محمد القصبي

إلى الأعلى