السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / سفينة نوح ، لـ ” سلمان الحجري”

سفينة نوح ، لـ ” سلمان الحجري”

الفن هو العسل الذي جنته الروح الإنسانية على متون أجنحة البؤس والعناء، وساعد الإنسان في التغلب على المشاكل والصعوبات المختلفة التي يواجهها في حياته اليومية وأن يكون إنساناً أفضل يُحقق لذاته انسجاماً وتناسقاً مع البيئة المحيطة، والفن أشبه بالكائن الذي ينمو ويتفاعل مع ما حوله ويستفيد من تطور الحياة وإيقاعاتها المتجددة ليظهَر بِحُلة جديدة في كل مرة، وقد لَعِبت الطفرة التكنولوجية الحديثة في عالم الرقميات نقلةً نوعية للفن، فهذا الفن الرقمي الذي حل أخاً كريماً على الفنون التشكيلية يُعد من أحدث المدارس الفنية والتيارات المعاصرة الناتجة عن الثقافة الرقمية التي باتت تغزو حياة الإنسان بكل تفاصيلها، وقد تَلَقَى هذا الصنف من الفنون الاحتفاء والدعم التام من المتاحف العالمية الكبرى وذلك من خلال تنظيم معارض عديدة تُقدم الفن الرقمي بمختلف فروعه وتخصصاته وكذلك من خلال متاحف افتراضية عبر الإنترنت. وتأسيساً على ما سبق فإن إطلالتنا هذا اليوم ستكون في مجال الإبداع الرقمي لأحد الفنانين المتخصصين والطموحين في تقديمه برؤية ذهنية قائمة على الخيال والتخيل من خلال شاشة الحاسوب وما تحويه من برمجيات أُنشئت لهذا اللون من الفن وسهلت التعاطي معه. فنان اليوم هو الدكتور سلمان بن عامر الحجري الذي نال شرف الحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة تخصص التصميم الجرافيكي من المملكة المتحدة ويعمل حالياً أستاذ مساعد لمادة الفن والتصميم الجرافيكي بجامعة السلطان قابوس هو في ذات الوقت فنان حروفي وباحث في مجال الفن التشكيلي شارك في عدة معارض محلية ودولية ونال شرف الفوز بعدد من جوائزها وقدم محاضرات في مؤتمرات الفنون والإبداع في عدد من دول العالم، هذا الفنان الشاب تتسم تجاربه الفنية برؤية مُغايرة وأساليب مُعاصرة من خلال معالجة الحرف العربي جرافيكياً وتقديمه للمتلقي كأيقونة اتصال مع الآخر راسماً من خلالها هويته العربية والإسلامية، وقبل أن نرتقي سُلم الحديث عن عمله الفني الذي اخترته لكم، سنقف للحظات لنستوعب رؤيته الخاصة عن الفن، فهو يقول إن سبر أغوار الفن يحتاج إلى فهم عميق لفلسفته وأسسه الجمالية وإلى وعي تام بأغراضه الأصلية سواءً المتجدد منها أو الثابت، وهو جسر التواصل بين فئة متفردة وبين فئة تعي هذه اللغة الإبداعية ويقوم الفنان من خلالها بترجمة فهمه للوجود والحياة والإنسان ويقدم أجوبته الفلسفية المتفردة لنفسه وللآخرين من خلال قالبٌ وجدانيٌ خالص تتجلى فيه المشاعر والمعارف والفهومات بقوالب مباشرة أو مجردة أو رمزية أو واقعية أو سريالية أو غيرها، ويؤكد الحجري أيضاً بأن الفن هو شكل من أشكال التعبير والتنفيس بلغة بصرية تتوشح الجمال والدهشة والصدق وأن العمل الفني الناجح عنده هو ما يمتاز بالقدرة على الوصول السريع للمتلقي بدون أن يستأذنه وهذه القدرة على الاتصال ضمنت حياتها لأنها انصهرت في اللاشعور أولاً وارتسمت على سطح اللوحة ثانياً فكانت صادقة .
وبتأمل العمل الفني الماثل أمامنا الذي اخترته للحجري من باكورة تجاربه الفنية العديدة والمتميزة، فإن أول ما يقابلنا فيها هي درجة الإجادة الفنية التي بُذلت في تنفيذ العمل من ناحية البنية التكوينية للحروف وتوزيعها واختياره المنسجم للألوان فيظهر لنا وكأنه ينظر بقلبه ويستعين بفكره ويعمل بِرُؤيةٍ يُراجع فيها عقله ويستنجد في التكوين فهمه، لذا نلمس اتساق الألوان وثراءها وكيف ذابت وفتحت المساحات ليتنفس العمل من بينها عندما أعطت للمفردات حقها في الظهور والتجلي فما بين نَسج الأرضية اللونية بالتلوين المُتَآخي على الطبقة التي تعلوه وذوبان التركيب اللوني للأبنية الإيقاعية الممتدة للأعلى والكتابات الحروفية التي تميل إلى خلق مَلمَسٌ لوني بتكويناتها الدائرية والشبه دائرية التي تستهدف خلق إيقاعات حركية للخطوط المُنثنية والمتوازية وإلى التظليل المتدرج الذي يكشف عن التركيب الطبقي للألوان باحترافية عالية، بكل هذه اللعبة اللونية والشكلية نجد تفسيراً لفلسفة العمل وإرهاصاته الفكرية التي تذهب بنا بعيداً حيث النورانيات الإيمانية لقصة سيدنا نوح عليه السلام وسفينته المعجزة التي حملت معها الأصل البشري وحفظته ــ بإذن الله تعالى ــ على ظهرها وكان فيها من عباد صالحين مؤمنين وأزواجاً من الطير والبُهم ولنا أن نتخيل الحروف العربية في استطالتها وتلاقيها وتكاتفها وكأنها تكاتف من في السفينة مع نبيهم في صورة رمزية تحمل بين جنبيها لحظات نفسية مخيفة من الهلع والخوف لما حدث في الأرض حينها من عجائب وقدرات ربانية، فارتفعت بأمر الله وكان كل ما تحتها يمر برغم حركته المضطربة سلاماً على السفينة ومن فيها، وصفاء سطح العمل من الأسفل يُرسل لنا شيئاً من هذا الشعور، وقد أظهر على حواف العمل من الجهتين شيئاً من الزوابع اللونية والحركات الخطية المضطربة واختار لها حروفاً ذات بُنية حادة لتوحي باضطراب السماء والعذاب النازل على من كذب بنبيه إلا أنها بعيدة على السفينة ومن فيها ولم تؤثر عليهم وهذا ما حدث فعلاً في القصة فقد نجت السفينة برغم ما نزل على الأرض من عذاب، كما أن هناك خطاً في وسط العمل هادئ الدرجات اللونية ويرتفع للأعلى ينزل من أعلاه نور أبيض يتسلل لوسط العمل فكأنها الرحمة والمعية الرباينة التي نزلت على السفينة ولحظات من وهج السكينة لتربط على قلوبهم وتثبت أفئدتهم لما حدث حينها من أهوال. بهذه القراءة الفنية للحروف التي بسطها سلمان الحجري على سطح عمله وأنبتت في خاطري هذه التداعيات أختم بقول قديم لابن عربي قال فيه : ” اعلم ـ وفقنا الله وإياكم ـ أن الحروف أمة من الأمم، مُخاطبون ومُكلفون، وفيهم رسل من جنسهم، ولهم أسماء من حيث هم، وهم على أقسام كأقسام العالم المعروف، فمنهم عالم الجبروت، ومنهم العالم الأعلى وهو عالم الملكوت، وفيهم عامة وخاصة، وخاصة الخاصة ” ، ويعلق الكاتب الجمالي أبو الحسن سلام على هذه المقولة بقوله (وأنا أرى الآن أمةً من الأمم لها كأمة الحروف ــ يقصد الأمة العربية ــ صفاتها الخاصة وجوهرها ، على أن إدراك ذلك الأمر هو خاصية لا يدركها إلا عاشق الصورة، الذي يؤمن بأن الألوان أمةً عاشقة لمن يعشقها، وهي تمنح نفسها لمن يمنحها، فاللون سيد لا يستجيب إلا لسيد مثله.

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى