السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الدولة الطاهرية (207-259هـ/ 820 – 872م)

الدولة الطاهرية (207-259هـ/ 820 – 872م)

أدى اتساع الأقاليم الإسلامية زمن الخلافة العباسية، وبُعد هذه الأقاليم عن عاصمة الدولة ومركز قوتها في بغداد إلى ظهور دويلات وإمارات مستقلة عن الدولة العباسية سواء في المشرق أو المغرب، لذا ستتمحور دراستنا حول إحدى الدويلات التي ظهرت في المشرق الإسلامي أثناء العصر العباسي وهي الدولة الطاهرية.
1- أصـل الطاهريين:
ينتسب الطاهريون إلى رزيق بن ماهان مولى طلحة بن عبيدالله الخزاعي والي سجستان من قبل مسلم بن زياد. (1)
اذن فهم أي (الطاهريون) من الموالي الفرس الذين أسلموا في العصر الاموي وبرزوا في خدمة الدولة الأموية، وعندما قامت الدعوة العباسية في خراسان كان بنو رزيق من العناصر الفارسية التي استجابت للدعوة الجديدة.
وقد اتصل مصعب بن رزيق بسليمان بن كثير الداعية العباسي، فلما نجحت الدعوة وانتصر بنو العباس على بني أمية في معركة الزاب سنة 132هـ وقامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الاموية كافأ العباسيون هؤلاء الموالي على الدور الذي بذلوه في خراسان لنصرة الدعوة العباسية فولوا مصعباً بلدة بوشنج من اعمال مرو سنة 159 هـ ، كما تولى هرات وخلفه ابنه الحسين عملاً بالسياسة العباسية التي كانت تجنح الى استقرار الادارة في هذه النواحي . (2)

2- طاهر بن الحسين “مؤسس الدولة”

هو طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن ماهان ولد في مدينة بوشنج عام 159هـ، ونشأ فيها والتحق بخدمة العباسيين شأنه شأن أبيه وجده وذاع صيته في خراسان وعرف عنه حسن الإدارة والبراعة في القيادة، حيث كان طاهر في بداية أمره رئيساً لشرطة بغـداد وجندها قبل أن يبدأ الصراع الدموي بين كل من الامين والمأمون، وقد ولاه المأمون على بوشنج عندما كان المأمون واليا على مقاطعات المشرق العباسي .(3)

3- دور طاهر بن الحسين في تسلم المأمون الخلافة

حينما بدأ الصراع بين الامين والمامون قاد طاهر جيش المأمون ضد قوات الامين فقام بدوره في قهر الامين طمعا في المكاسب التي سوف يحصل عليها من وراء هذا العمل، فاشتبك مع علي بن عيسى قائد الامين وقتله سنة 195 هـ . (4) وتقدم طاهر الى بغداد فانتقلت الحرب من الهجوم على مداخل خراسان الى الدفاع عن مداخل العراق وفي سبيل هذا الدفاع بذل الامين اخر جهد له فجند 20 ألفا من العرب ومثلهم من الابناء فهزمت قواته ثم حاصرت قوات طاهر بغداد حتى دخلتها وقتل الامين سنة 198هـ .(5)
وقد كافأه المأمون بعد ان استقرت أمور الخلافة له، بان أسند اليه ولاية الجزيرة ولم يشأ المأمون أن يوليه خراسان حتى لا يستقل بها اذا لم يغب عن ذهن المأمون مدى ما يتمتع به طاهر من نفوذ في خراسان.(6)
لكن طاهر لم يقنع بولاية الجزيرة اذ كان يطمع في اسناد ولاية خراسان اليه ومازال يطالب المأمون بذلك حتى أسند اليه سنة 205 هـ جميع البلاد شرقي بغـداد.(7)
فوطد نفوذه في خراسان واتخذ من نيسابور حاضرة لدولته ثم اعتـزم طاهر بن الحسين الاستقلال نهائياً بدولته الحديثة عن الدولة العباسية. ففي سنة 207هـ صعد طاهر المنبر وخطب الجمعة وأسقط اسم المأمون من الخلافة ولما بلغ الخبر المأمون غضب غضباً شديداً فكان ذلك مما قاده إلى حتفه.

4- خلفاء طاهر بن الحسين في الحكم

بعد وفاة طاهر بن الحسين سنة 207هـ أمر المأمون بتولية طلحة بن طاهر بن الحسين ولاية أبيه فعلى الرغم من استياء المأمون من الطاهريين الا أنه كان يخشى ان انتزع الامر من أيديهم أن تحدث اضطرابات في خراسان التي قوي فيها نفوذهم .(8)
خلف عبدالله بن طاهر أخاه طلحة في الحكم سنة 213هـ، وكان عبدالله واليا على مصر قبل ذلك، وقد اتسع ملكه حتى شمل الري وكرمان علاوة على خراسان نفسها وكذلك الاراضي التي تقع شرقيها حتى الحدود الهندية وتمتد شمالا حتى حدود دولة الخليفة.(9)
ولم تهتز مكانة الطاهريين في خراسان أو في بغداد في عهد المعتصم، بل زادت رسوخا، وصمدت للفتن والمؤامرات، فقد طمع الأفـشين في ولاية خراسان، فأراد ان يوقع بين المعتصم وبين الطاهريين ، فاتصل بأحد دهاقين طبرستان واسمه مازيار بن قارن بن وندا هرمز وكان خارجا عن طاعة بني طاهر ويحمل خراجه الى المعتصم مباشرة ، ويذكر المؤرخون أن الأفـشين كتب الى مازيار يحرضه على بني طاهر فأعلن مازيار الثورة ومنع الخراج وتحصن بجبال طبرستان ، ولم تجد حيل الأفـشين فقد وقف المعتصم الى جانب الطاهريين يشد أزرهم، ففي الوقت الذي بعث فيه أمير خراسان عمه الحسن بن الحسين بن مصعب لقتال مازيار، فاذا بالمعتصم يبعث من قبله جيشاً بقيادة طاهري آخر يدعى محمد بن ابراهيم بن مصعب ومعه الحسن بن قارن الطبري.
كما وجه منصور بن الحسن صاحب دنباوند الى مدينة الري ليدخل عن طريقها الى طبرستان فهزم مازيار وثبت سلطان الطاهريين.(10)
وظل الطاهريون على سياستهم التي وضعها مؤسس الدولة يحتفظون بنفوذهم في خراسان ولا ينصرفون عن أمور بغداد ونجدة الخلافة اذا احتاجت اليهم. وظهر دورهم هذا واضحا في عهد الخليفة المستعين، ووضح موقفهم أيضاً في ثورة الزيديين بالكوفة وطبرستان، ففي الكوفة ثار يحيى بن عمر بن يحيى الزيدي فتصدى له الفرع الطاهري في بغداد اذ خرج الحسين بن ابراهيم بن مصعب وقضى على جيش يحيى سنة 250هـ. (11)
والامر الذي يؤكد ان الطاهريين لم تصرفهم أمور خراسان عن الاهتمام بما كان يجري في بغداد ما كان من تدخلهم في ازمة المستعين وثورة الترك عليه وخروجه من سامراء الى بغداد سنة 251هـ ولجوئه الى دار محمد بن عبدالله بن طاهر وأعد الخليفة المنافس المعتز جيشا لحرب المستعين ودارت بين الطرفين معارك طاحنة ثم عدل الطاهريون عن نصرة المستعين ولعب محمد بن عبدالله ابن طاهر دوراً بارزاً في خلع المستعين وبيعة المعتز وظل محمد بن عبدالله ابن طاهر ممثل الطاهريين في بغداد يلعب دورا بارزا في عهد المعتز وفي الفتنة التي وقعت في بغداد سنة 252هـ.
وكانت شرطة بغداد إرثاً في أسرتهم فلما توفي محمد بن عبدالله ابن طاهر سنة 253هـ خلفه أخوه عبدالله بن عبدالله بن طاهر .

5- سقوط الدولة الطاهرية

كان محمد بن طاهر آخر حكام الدولة الطاهرية، وقد تولى الخلافة بأمر من الخليفة الواثق، لكنه لم يكن على شاكلة أسلافه، فقد كان يميل الى اللهو والعبث، فضعف أمره كحاكم وعجز عن اخضاع الثورات التي قامت ضده، ولما ازدادت الاضطرابات في الدولة الطاهرية استنجد أهل خراسان بالأمير يعقوب بن الليث الصفاري لإعادة الامن والطمأنينة الى بلادهم، فوجد الامير الصفاري الفرصة مواتية لتوسيع رقعة دولته على حساب الدولة الطاهرية المتداعية، فزحف بجيشه الى نيسابور سنة 259هـ ، وقبض على محمد بن طاهر وأهل بيته. (12) وبذلك زالت الدولة الطاهرية من الوجود وانتقـلت من مسرح التاريخ الى كتب التاريخ.

خاتمة

تناولنا الدولة الطاهرية ابتداءً من عوامل قيامها مروراً بأبرز الاحداث التي وقعت في عهدها وأبرز الحكام الذين تولوا حكمها، وعلاقة هذه الدولة بمركز الخلافة العباسية في بغداد ، وانتهاء بضعف الدولة وسقوطها وأسباب ذلك .
واتضح لنا من خلال دراستنا لهذه الدولة بأنها قد استفادت من الصراع الذي حدث بين الأخوين الامين والمأمون حول الخلافة حيث إن مساندة الطاهريين للمأمون- والذي تمكن بفضل مساندتهم من قهر اخيه الامين وتولي منصب الخلافة – جعلتهم يصبحون من اصحاب النفوذ والسلطة في الدولة العباسية انذاك ، فسيطروا على خراسان ووطدوا نفوذهم فيها مما مكنهم من الاستقلال عن الدولة العباسية فيما بعد بقيادة طاهر بن الحسين مؤسس الدولة والذي كان من كبار قادة المأمون.
ورأينا أن هذه الدولة وان كانت قد تمتعت بحكم ذاتي وبتسيير شؤؤنها الداخلية بعيدا عن سلطة الخلافة العباسية الا أنها ظلت قريبة منها.
فقد ظل الطاهريون يحتفظون بنفوذهم في خراسان ولا ينصرفون عن أمور بغداد ونجدة الخلافة اذا احتاجت اليهم كما رأينا ذلك في عهد الخليفة المستعين، حيث وضح موقفهم هذا في ثورة الزيديين بالكوفة وطبرستان والحرب التي دارت بين المستعين والمعتز فقد لعب الطاهريون دوراً بارزاً في خلع المستعين وبيعة المعتز أي أنهم كانوا يتمتعون بنفوذ كبير في بغداد وكان لهم دور واضح في مجريات الأحداث التي وقعت خلال تلك الفترة.

الهوامش :

)1(: د. حسن أحمد محمود، الاسلام والحضارة العربية في آسيا الوسطى بين الفتحين العربي والتركي، دار الفكر العربي، القاهرة ،1968م ، ص60.
)2:( المرجع نفسه ، الصفحة نفسها.
(3) : المرجع نفسه، ص61.
(4) : د.عصام عبدالرؤوف الفقي، الدول الاسلامية المستقلة في الشرق، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1987 م، ص7.
(5) : د. حسن أحمد محمود ،مرجع سابق، ص61.
(6) : الطبري، محمد بن جرير ، تاريخ الامم والملوك، ج8، القاهرة، 1326هـ ،ص581.
(7) : المرجع نفسه، ص581.
(8) : د.عصام عبدالرؤوف الفقي ،مرجع سابق، ص7.
(9) : المرجع نفسه، ص8.
(10) : الخضري، تاريخ الدولة العباسية، القاهرة، 1916م ،ص 238 ،239.
(11) : د. حسن أحمد محمود ، مرجع سابق، ص63.
)12(: الطبري، مرجع سابق، ج9، ص507 .

عماد بن جاسم البحراني
Imadalbahrani@gmail.com

إلى الأعلى