الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إشراقات عمانية

إشراقات عمانية

سعود بن علي الحارثي

ثانيا : الحياة العامة
” .. كانت المدن والحواضر بأسواقها وموانئها النشطة والكبيرة وصناعاتها المختلفة التي يحتاجها الناس ومدارسها التي تعج بالمتعلمين من كل مكان والذين ينتقلون من مكان لآخر بحثا عن العلم وشيوخه ومجالسها العامرة بالشخصيات الاجتماعية والعلمية التي تبحر في المناقشات والمساجلات الأدبية والفقهية مركز النشاط الاقتصادي والثقافي وهمزة الاتصال والتواصل مع العالم الخارجي,”
ــــــــــــــــــــــــ

(بين العمانيين والجبل علاقة وثيقة, والبحر جعلهم من أشهر من اكتشف المحيطات). من كتاب عمان لمؤلفه Michele Barrault
عاش العماني حياة قاسية أحاطت بها الكثير من التحديات والمخاطر والشدائد, وكانت روح المغامرة وركوب الصعاب حاضرة بقوة مع كل إنجاز يتحقق على الأرض , وهي عوامل ساهمت بدون شك في بناء الإنسان وفي اعتماده على نفسه وتصميمه على مواجهة كل التحديات , وأكسبته القدرة على التعامل مع الظروف أيا كانت طبيعتها هذا إذا ما أراد البقاء والاستمرار والتطور والنجاح, فالأرض التي اختارها الرعيل الأول في الماضي السحيق قاحلة لا أنهار تجري على سطحها ولا ينابيع تتدفق من جبالها ولا مناسيب أمطار تكفي لري واحاتها وبساتينها وحواضرها التي أقامها العمانيون على مدى قرون من الزمن فانتشرت وتوسعت وازدهرت, هذا فضلا عن قسوة الأرض بجبالها الشاهقة وصحاريها الممتدة ورمالها الكثيفة التي سيطرت على الجزء الكبير من المساحة, وتعرضها لتهديدات ومطامع وغزوات متتابعة قبل الإسلام وبعده وجيوش جرارة تنجح أحيانا لبرهة من الزمن وتتكسر سيوفها فترجع خائبة مقهورة في غالب الأحيان والأوقات مع تصميم العمانيين على الدفاع عن تراب الوطن, ولكن, ومع ذلك فإن موقعها الاستراتيجي كمفترق للطرق البحرية والبرية بين كل من الشرق الأقصى وشرق إفريقيا وأوروبا, أكسبها أهمية كبرى في التبادل الثقافي والتجاري والحضاري مع حواضر ومدن العهد القادم والعصر الحديث. أظهر العماني براعة قل نظيرها في البناء والتشييد واستثمار المقومات وإن كانت شحيحة بل وفي حكم المعدوم للناظر والمقيم من الوهلة الأولى واستحداث الأفكار ووضع الحلول من أجل التغلب على تلك التحديات ومن أجل إقامة حياة مزدهرة نشطة تتوفر فيها متطلبات المعيشة والاستقرار والازدهار, فقد بنى العمانيون آلآف القرى ومئات المدن والحواضر على امتداد الأرض العمانية, على الشواطئ وفي قمم الجبال وسفوحها وعلى ضفاف الأودية وفي الصحارى والأراضي المنبسطة في الدواخل, وأسسوا لحياة تميزت بالتكامل والتطور, والعمل الشاق في أحلك الظروف والاستفادة من التجارب والخبرات, وشقوا الأفلاج ومدوا قنوات المياه بطرق محكمة ومنضبطة وبجهود شاقة وعمل خارق أبهرت العالم درجة أن تفسير إنشائها ربط في مراحل زمنية بالأساطير والسحر, وشيدوا القلاع والحصون وربطوها بالأسوار المنيعة وأقاموا مدارس العلم والمساجد والأسواق البديعة, ووضعوا أنظمة متطورة للحكم والدفاع عن حياض الوطن وآليات وطرق توزيع المياه والأراضي والقضاء والصلح بين الناس وإدارة وضبط الأموال العامة وتخصيص الأوقاف وبيوت المال لأعمال الخير والصلاح للمتعلمين والايتام والمعلمين ولصيانة وإقامة المساجد والأفلاج والمدارس, وقدمت البادية إلى الأسواق والقرى والحواضر الأنعام بمختلف صنوفهـا ومنتجاتها, ومدت القرى والمناطق الريفية في المقابل تلك الأسواق بالمنتج الزراعي من التمور وأنواع البرسيم والليمون والفواكه والخضراوات وكل الاحتياجات الأخرى التي أبدعها الصناع والحرفيون, وكانت المدن والحواضر بأسواقها وموانئها النشطة والكبيرة وصناعاتها المختلفة التي يحتاجها الناس ومدارسها التي تعج بالمتعلمين من كل مكان والذين ينتقلون من مكان لآخر بحثا عن العلم وشيوخه ومجالسها العامرة بالشخصيات الاجتماعية والعلمية التي تبحر في المناقشات والمساجلات الأدبية والفقهية مركز النشاط الاقتصادي والثقافي وهمزة الاتصال والتواصل مع العالم الخارجي, واتسعت مجالات الحياة شيئا فشيئا وتطورت سبلها ووسائلها وزادت متطلبات الفرد والإنسان فيها وكانت قيم التعاون والتكافل وروح المسئولية والعمل الجماعي أساسا لنجاح تلك الحياة التي شكلت مجتمعا متكاملا معتمدا على نفسه في كل شيء.
طبيعة الأرض العمانية وطقسها – مناسيب الأمطار ومستوياتها ـ النخلة, عوامل أساسية بنيت عليها حياة العماني في صيفه وشتائه وفي فقره وغناه وسعادته وشقاه وفي اكتفائه واستقراره وسفره وترحاله، متى ما أخصبت الأرض وارتوت المزارع والبساتين وكان الحصاد وفيرا وامتلأت المخازن بالبسور والتمور المخصصة للتجارة وتبادل السلع ولأكل الإنسان أو كعلف للحيوان غمرت السعادة والبهجة العماني ومكنه ذلك من توفير مختلف البضائع والسلع التي تتطلبها أسرته لمدة عام, وظل في وطنه مستقرا مطمئنا, وما أن يتغير الحال وتنقلب الأوضاع من خصب إلى محل وجفاف وتراجع للمنتج من البسور والتمور وتبدأ النخيل بالتناقص التدريجي وتتابع موتها الموجع والمؤلم يصيب الحزن العمانيون فيتخذون قرار السفر والرحيل طلباً للعمل والرزق في أرض الله الواسعة, فكانت طبيعة الأرض وطقسها ونخيلها دافع العمانيين وسر نجاحهم في الانطلاق في هجرات متتابعة, قادة وساسة, ربابنة وتجاراً, طلبة علم ومعلمين وحاملي رسالة الإسلام في آسيا وأفريقيا خاصة.
في الصيف تختلف حياة العمانيين عنها في الشتاء، حيث تنتقل الأسر في هجرة صغيرة ومؤقتة من المنازل الشتوية في ( الحارة ) إلى الاستراحات الصيفية للإقامة في المزارع والبساتين هربا من حرارة القيض التي تحد من شدتها الأشجار الكثيفة والأرض المرتوية بمياه الفلج, وللعناية بالمحاصيل والاشراف عليها خاصة التمور فكل حبة تمر تسقط سواء كانت قبل النضج أو خلالها أو بعدها تساوي قيمة ينبغي التقاطها ووضعها في الصنف المناسب لها علفاً أو بسراً يباع ويصدر أو تمراً كغذاء للأسر في الشتاء, وكانت الحياة في الصيف في قمة نشاطها وحيويتها وفعالياتها المتعددة التي تدخل في القلوب البهجة والسرور، تستقبل القرى والحواضر البدو الذين يقيمون على أطرافها في بيوت من السعف المتناثرة على مساحات واسعة للاستفادة من موسم الحصاد كأجر على المساهمات والأعباء التي يقومون بها, في أعمال النخيل والاستفادة من تلك الحصص مقابل ذلك العمل والمجهود أو شراء ثمارها للميسورين منهم, والمتاجرة بمواشيهم ومنتجاتهم في الاسواق, وما أن يأتي المساء حتى ينثر هؤلاء البدو البهجة بأغانيهم وأناشيدهم البدوية المميزة التي يلحنونها بأصواتهم التي تطرب السامعين وتطرب سماء القرية وبساتينها وابنائها الذين يتمنون أن لاينتهي الصيف أبداً, وترسم حيواناتهم الأليفة وملابسهم الجميلة بأشكالها وألوانها المتعددة وقصصهم التي يتفننون في سردها لوحة بديعة لا مثيل لها, ويمثل (التبسيل) عملية حصاد نخلة المبسلي وهو الغالب بين أصناف النخيل في العديد من المناطق لقيمته الاقتصادية, وطبخ ثماره وتحويله إلى بسر مجفف يباع ويصدر إلى الهند لوحة فنية أخرى كذلك بتفاصيلها الدقيقة وجوانبها الاجتماعية والاقتصادية وما يصاحبها من نشاط متعدد الأوجه يشارك فيه الجميع: المزارعون, البدو، العمال, الملاك وفئات أخرى من المجتمع, ويتمثل دور هؤلاء جميعا في جز العراجين ( العذوق ) من قمم نخيل المبسلي وجمعها في أمكنة داخل البستان (الضاحية), قطف أو استخراج البسر والتمر من أعواد الشماريخ وانتقاء الناضجة منها وفصلها عن البسر وهو الكمية الأكبر التي ستحملها الحمير إلى أماكن الطبخ, وتعتبر الكميات التي يجمعها الفرد من التمور والرطب أجرا له على عمله, وهنا يفضل المالك أن تكون كميات الثمار الناضجة لا تشكل نسبة مرتفعة وهو عكس ما يتمناه الأجراء والعاملون, ونظرا لحجم الإقبال على أعمال حصاد المبسلي يضطر المالك أو (المستطني) للنخيل إغلاق بستانه والاكتفاء بالموجودين, في المرحلة الثالثة يتم حمل الحصـاد بالحمير إلـى مـواقـع الطبـخ أو التبسيل( التركبة), وهنا تقوم مجموعة أخرى بإشعال النار والقيام عليها بمدها بالوقود من الحطب وسعف النخيل ومخلفاته ووضع كميات متتالية من البسر في الأواني العملاقة ونقله في مرحلة أخرى بعد نضجه إلى مواقع التجفيف( المسطاح ) وبعد ثلاثة أيام إذا كانت الشمس قوية والسماء خالية من السحب يتم التقاطه وتكييسه في أكياس مخصصة لذلك وجمعها في مخازن قبل أن يتم نقله في الجمال أو السيارات إلى مسقط أو صور لبيعه وتصديره, ويشعر أصحاب البسور والمستفيدين من تجارته والعمل في قطاعه بالخوف من تشكل السحب ومن الأمطار التي فيما لو تساقطت بكميات غزيرة فسوف تؤثر على الانتاج تأثيرا بالغا. ولكل مرحلة من مراحل العمل المشار إليها طقوسها وجمالياتها وتفاصيلها الدقيقه وأناشبدها وفنونها الشعبية التي يتغنى بها ويردد كلماتها الجميع . . ممايميز الصيف كذلك النوم في ( الدعن ) , وهي أغصان غليظة من جريد النخيل جمعتها حبال من الليف تمر بمراحل متعددة من العمل بدءا من تنظيفها من ( الخوص ) وغمرها بالمياه لعدة أيام وتجفيفها وتصنيعها وبيعها بعد ذلك لأغراض متعددة من بينها سقفا للمنازل وزرائب للحيوانات وفرشا تجفف فيها التمور والبسور وأسرة للنوم والجلوس, ومن مميزات النوم في العراء رؤية النجوم والاستمتاع بالهواء الطلق (الكوس) والشرب من الاواني الفخارية (الجحلة) أو ( الجدوية) التي تبخر باللبان قبل ملئها بالماء, وكثيرا ما تغطى الفرش بالورود والياسمين والكيذا الفواح المقتطف من البساتين. ومع انتشار موجات من البعوض في الليل يتم اشعال النار لطرده.
يرتبط الصيف في الماضي بالحديث الممتع عن مواسم النخيل والأشجار المختلفة من ليمون وأنبا(مانجو) وعنب وسفرجل .. الخ ) عن الثمار – أنواعهـا – حصـادهـا (تمور – بسور – علف) ، عن الأمطار، والأفلاج، ويعرض فيه الحرفيون منتجاتهم من السعفيات التي تستخدم لحمل التمور وحفظه وتجفيفه وتخزينه بأشكال وأوزان مختلفة(قفير)(زبيل) (مخرافة) (ميد) (سمة) ( جراب ) وحبال الليف التي تستخدم للصعود إلى النخيل ( الطلوع) أو ( الصوع ) وإنزال العراجين منها وغير ذلك الكثير _ ( وبالمناسبة فإن معظم المصطلحات التي يستخدمها العمانيون هي عربية قحة ) – الاستمتاع منذ الصباح الباكر بأهازيج ” الخرّاف ” في قمم النخيل والأطفال يتسابقون لالتقاط (الأنباء) كلما هبت ريح قوية مصحوبة بزخات من مطر الصيف , يتنافسون لقتل أكبر عدد من ” الدبي ” حشرة ( الدبور) بنوعيها الأصفر والأحمر لنيل الجائزة الكبرى، يعيش الأطفال في القرية وهي ملك لهم ينتقلون من منزل إلى آخر، ومن طريق إلى ساقية، ومنها إلى البساتين – إلى أطراف القرية .. خلاف ما عليه جيل الحاضر المحاصرون في منازلهم لا يستطيعون الخروج منها إلا برقابة وصحبة ومتابعة وقلق لا يفارق الأسرة, لا يلتقون بأترابهم إلا في المناسبات.
وقبل أن يبدأ الصيف كانت جراء التمور بأنواعها وأشكالها البديعة واحجامها وألوانها الجميلة تنقل من المخازن وتوضع بأعداد كبيرة على مجرى الأفلاج لكي تعبأ بالمياه التي تبقى في جوفها لعدة أيام تمهيداً لغسلها وتنظيفها من بقايا تمور السنة الفائته ولكي تظل معدة وجاهزة لتعبئتها بالتمور من جديد للشتاء القادم . يعود العمانيون في نهاية الصيف وبداية الشتاء إلى مناطق سكناهم ( الحارة ) استعداداً للبرد واعداد العدة له بالملابس الثقيلة والحطب لكي تبقى مواقد النار في الغرف مشتعلة، وكانت البيوت قبيل المغرب تستعد لتجهيز قناديل الإضاءة باستبدال شعلتها ومدها بالزيت وتنظيف زجاجها الخارجي من آثار دخان الإضاءة في الليلة السابقة , ومنظر النساء وهن عائدات أو مقبلات يحملن جرار الماء إلى المنازل من منبع الفلج أو البئر المخصص لذلك , ونضحه أي الماء أمام المنازل في الصباح الباكر لترطيب الأتربة وتجفيفها للتخفيف من حدة انتشارها كلما تحركت النسمات أو هبت الريح , وصوت معد القهوة وهو يرتل آيات من القرآن الكريم بعد صلاة الفجر كان مؤثرا ويبعث على الخشوع وهي جميعها من الصور المحببة قديما . وكانت الأسواق تزخر بمختلف المنتجات المحلية التي تقدمها الواحات والمزارع من العنب والسفرجل والموز والبطيخ وغيرها من الأنواع ومن الخضراوات , ويجلب سكان الجبل والبدو إلى الأسواق العسل والسمن و الأغنام , والصيادين الأسماك المختلفة الطازجة والمجففة والمملحة, وكانت دورة السوق في اليوم موزعة بين المناداة على ماء الفلج أو بيع المواشي والبرسيم ( القت ) وعرض المنتجات الأخرى , وكان السفر بالجمال والخيول والحمير يستغرق عدة أيام عندما تكون المسافات بعيدة تتخللها أحاديث السمر ونظم الشعر وإلقاءه والذكريات الجميلة والأهازيج الشعبية والاستراحات الممتعة كلما شعرت الحمائل بالتعب والمسافرون بالارهاق والملل , استراحات تعد فيها القهوة العمانية والطعام غداء أو عشاء أو فطورا , ويستدل المسافرون في البر والبحر في الليالي البهيمة بالنجوم التي يتقنون فن التعامل معها أسماء ومواقعا ظهورا واختفاء . وقد نجح العمانيون في تشخيص العديد من الأمراض ومنها الحالات النفسية وتحليل ملامح الأصحاء من المرضى الحقيقيين , واستخدموا الأعشاب والمكونات المحلية في التطبيب ومنها الكسور , وأوردت كتب التراث وبعض السير والقصص المتداولة العديد من النماذج والصور في هذا المجال , وعلني أجد الوقت لعرض بعضها في الأعداد المقبلة من سلسلة هذا المقال, كما قدم العمانيون مؤلفات عديدة ككتاب ( فاكهة ابن السبيل ) وكتاب ( الأزرق ) وكتاب ( الماء ) على سبيل المثال. وإلى جانب هذه الصور والمشاهد الحياتية الجميلة توجد صور أخرى تعبر عن جهل في التعامل مع الأمراض واستخدام ممارسات وأساليب غير صحيحة تضيف إلى العلل أسقاما أخرى وقد تؤدي إلى الموت حيث العديد من المعتقدات والأفكار الخاطئة موجودة في بعض المناطق , وعمان ليست استثناء من ذلك بالطبع .
وفي المناسبات والأعياد (الحج والفطر، والشهر الكريم والمولد النبوي, والختان وختم القرآن، كانت للعمانيين احتفالاتهم البهيجة وطقوسهم التي تنشر الفرح والسعادة وثقافتهم التي تعبر عن هذه المناسبات ومكانتها الدينية , وعن قيم التكافل وعمق العلاقات بين أفراد المجتمع وصيغ الاحترام وايصال البهجة والسعادة إلى النفوس وقيام الجميع بواجباتهم ومسئوليتهم تجاه من يحتاج إلى هذا الواجب . وفي المسجد وفي السبلة وفي المدرسة قدم العماني صورة رائعة لحياة اعتمد فيها على نفسه بناء اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً ونظاماً متكاملاً شمل مختلف المجالات والميادين وقدم انتاجاً ثقافياً وعلمياً مكتوباً ومتداولاً , وأقام معالماً وآثاراً ما زالت تقاوم الزمن وعوائد الطبيعة وموروثا حضارياً وثقافة انسانية ومنجزاً تظهره إلى العلن الابحاث والاكتشافات والدراسات التي يقوم بها ويعدها الباحثون والأكاديميون والمختصون , وكانت مجالس العلم وما تشهده من مناقشات ومداولات ومداخلات ومباحثات في مختلف الفنون والعلوم فقها وأدبا ولغة وطرفة لا تخلوا منها قرية , وكان القراء يتبارون في إلقاء القصائد الشعرية وفي قراءة الكتب المختلفة بأصوات جميلة تشجع المستمع على المتابعة , ويأخذ العلماء والشعراء والأدباء أدوارهم في الشرح والتفسير والمناقشة وتقديم الملاحظات الوجيهة, واستخراج الفنيات والجماليات والأسانيد وما تبنى عليه فتاويهم واجتهاداتهم من آراء وصور يتضمنها النص المقروء. وبرغم انتماء الناس في المجتمع إلى شرائح اجتماعية متعددة أغنياء وفقراء, شيوخ وأتباع, حكام وشعب, ملاك وأجراء, حضر وبدو .. إلا أن الفوارق الإجتماعية في الحياة العامة تكاد تذوب, ففي المسجد والسبلة وفي مجلس الحاكم وفي السوق وفي الطريق وفي القيام بالواجبات الوطنية والمسئوليات وفي التعبير عن المناسبات فرحا وحزنا يجلس الجميع في مرتبة واحدة, والسبلة والمجالس المختلفة مشرعة أبوابها للجميع, وهي من الصور التي عبر عنها كل الرحالة الذين زاروا عمان وشهدوا مجالس الحكم وجلسوا في السبلة والتقوا بالشيوخ والوجهاء. يقول الدكتور هلال الحجري في كتابه (( عمان في عيون الرحالة البريطانيين )), (( وفي عام1824 زار الكابتن جورج كيبل مسقط وهو في طريقه من الهند الى انجلترا. وقد زار السيد سعيدا في قصره, فشده ما شد الرحالة البريطاني مالكوم من أبوية السلطان, إن البساطة الأبوية للشخصية العربية واضحة أشد الوضوح في كل شيء له شأن بهذا البلاط, ففي ديوان الامام اليومي تجد أن أي شخص له الحق في أن يجلس أينما يريد دون تفضيل لهذا أو ذاك, بل اللافت للنظر أنه حتى الشحاذون يمكن أن يطلبوا الوقوف بين يديه, وهم على يقين بأنه سيكون آذانا مصغية لسماع تظلماتهم وشكاواهم)) , ومن الملفت أن عمان لم تشهد في تاريخها كله حالات اضطهاد أو تعذيب أو تصفيات أو مذابح, ولم يتم اكتشاف مقبرة واحدة أو آثار لسجون تشير إلى شيء يخالف هذه الحقيقة, كما يظهر في مختلف بلدان ودول العالم. وهو ما يجب أن نحافظ عليه ونعززه في ثقافتنا وفي مناهجنا وممارساتنا العامة. وسوف تستعرض العناوين القادمة الكثير من ملامح وسمات الحياة العامة.

إلى الأعلى