الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : كتاب حضاري عماني مفتوح

رأي الوطن : كتاب حضاري عماني مفتوح

منذ بداية عصر النهضة المباركة كانت رؤية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ واضحة في أهمية الحفاظ على الهُوية العمانية لكونها الأساس الذي يمكن أن تقف عليه أي مسيرة ثقافية تريد دولة تتلمس خطوات نهضتها أن تبنيها وتسير عليها، ومن تلك الرؤية تسعى الثقافة العمانية لتوثيق تاريخها باحثة في ذات الوقت عن المشترك الإنساني مع العالم.
ومن هذا المنطلق آلت النهضة المباركة على نفسها أن تنشر رؤيتها الحضارية، وتبرز دورها الذي يجمع الشعوب على مصب التسامح والتعايش والسلام والاستقرار والتواصل الحضاري والاجتماعي والتبادل الثقافي واحترام المصالح وإقامة العلاقات المتميزة، وإن تعددت أنهر حياة الشعوب وثقافاتهم وأعراقهم ومعتقداتهم ومشاربهم. ولا تزال عمان تبذل كل جهد ممكن ارتكازًا على تاريخها الحضاري والثقافي وتواصلها الإنساني مع أمم العالم وشعوبه، لأجل أن تتمسك هذه الأمم والشعوب بمخصِّبات التنوع لكي يعطيها الدور الكامل في صياغة مكونات الحياة وأسباب التعايش والتسامح والاستقرار والتنمية، فهذا التنوع عدَّه الله إحدى آياته الدالة على عظمته وقدرته في مخاطبته العقل البشري كوسيلة من وسائل الإقناع.
هذا التحرك الواعي على صعيد العقل والثقافة العمانيين أعطى دوائر التلاقي والتواصل مع مختلف الثقافات والشعوب حرية التمدد الإرادي جراء ما يحمله كل من العقل والثقافة العمانيين من معانٍ وقيم سامية نابعة من صميم رسالة الإسلام، ما جعل القلوب والعقول تتلقفها بكل أريحية واهتمام كبيرين، ما مكَّن بالتالي من الانطلاق نحو الفضاء الحضاري والثقافي والاجتماعي.
وفي إطار هذا التحرك جاء المؤتمر الدولي “الحضارة والثقافة الإسلامية والدور العماني في دول البحيرات العظمى” الذي نظمته هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتعاون مع المكتب الوسيط ببوروندي وجمعية السلام والتصالح وجامعة بوروندي، حيث شكل المؤتمر الذي اختتم أمس فرصة تاريخية تجتمع فيها عقول المؤرخين والمفكرين والباحثين من حوالي عشرين دولة بالبحث والنقاش والتمحيص ونفض الغبار عن حقبة تاريخية لعب فيها العمانيون دورًا كبيرًا في تاريخ الحضارة الإسلامية، وهذا ما أكدته تلك العقول المستنيرة بكل موضوعية من خلال تسعة وأربعين بحثًا تمخض عنها ثلاث وعشرون توصية أهمها تحقيق الأمن والسلام والتعايش السلمي، وإرساء مبادئ وقيم التسامح والعيش المشترك، ونبذ مظاهر الغلو والتطرف وأي شكل من أشكال العنصرية لكل الشعوب التي تسعى إلى التواصل الحضاري فيما بينها، وذلك من خلال ما دعت إليه أوراق العمل والبحوث التي قدمت في هذا المؤتمر، والتأكيد على الحاجة إلى مزيد من الدراسات الأكاديمية غير المنحازة التي تبين دور العُمانيين في اكتشاف البحيرات العظمى في إفريقيا والذين قد حضروا إلى إفريقيا كدعاة حضارة وتمازجت حضارتهم مع الحضارة الإفريقية من خلال الزواج والمصاهرة.
وما من شك، إنها بداية حقيقية ومكتملة الإمكانيات الفنية والعلمية والقانونية أيضًا لوضع عُمان على خريطة السياحة الأثارية من خلال ما ستخلص إليه الدراسات والبحوث الأكاديمية وتوثيقها للدور العماني في إفريقيا ونشر الحضارة الإسلامية وقيم التعايش والتسامح والتبادل التجاري، وإقامة المتاحف والمكتبات ووضع المناهج المضمَّنة هذا الدور، كما أن هذا المؤتمر يعد شهادة من النهضة المباركة في ظل القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم ـ أبقاه الله ـ بأنها أنجزت مهمة شاقة من أجل أن تنقل إليهم هذا الكتاب الحضاري العماني المفتوح.

إلى الأعلى