الخميس 13 مايو 2021 م - ٣٠ رمضان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / طقوس الملاومة ومقاصات الوقت

طقوس الملاومة ومقاصات الوقت

عادل سعد

كان دقيقًا الشاعر الفرنسي هنري ميشو حين تحدث عن متلازمة الغزو التي تسيطر على بعض الأشخاص خلال حياتهم اليومية، وتدفعهم لمحاولة اختراق مجالات الآخرين. وإذا كان ميشو لم يفصح عن تلك المتلازمة بالمزيد من الأدلة مكتفيًا بالرؤية الشعرية التي كشف من خلالها كيف تأكل وتشرب مع الإنسان وتشاطره المواقف فإن التحليل السسيولوجي يشير إلى أنها تتمدد وتتفاقم تبعًا لحجم شعور أصحابها بالمحاصرة في وقتهم وتقصيرهم وكثرة الأخطاء التي يرتكبونها، وعندها يبحثون عن متنفسات يعالجون بها هذا الشعور المحبط الطاغي لديهم فيلجأون إلى (غزو) الآخرين وتحميلهم ما يستطيعون تحميله من أعباء متفرغين لهذا التصرف الاحتوائي.
ويبدو من دراسات حديثة أن نزعات الغزو تمارسها عموم الكائنات الحية الأخرى، على سبيل التشخيص أفادت أن أكثر من 120 نوعًا من النباتات والحيوانات الوافدة المؤذية غزت البيئة العربية خلال القرن الماضي من بينها نبتة النيل، والنيل براء منها؛ لأنها ذات أصول أميركية جنوبية، وقد وفدت إلى نهر النيل غازيةً فعزوا نسبها إليه ظلمًا، وكذلك الفأر النرويجي المداهم العابث والشره في حقول الخضراوات.
أن يقال عن أحد (أخذته العزة بالإثم) يعني أنه سرق حاله وراح يكيل التهم للآخرين مواظبًا على تقديم قائمة بعيوبهم تحت سقف محاولات لتكوين حزام من النزاهة له، وينسحب الحال أيضًا على صعيد الجماعات والدول.
إن معاينةً مخلصةً للواقع السياسي العربي تكشف بلا أدنى شك كيف انحدر هذا الواقع إلى تلك المتلازمات (البينية) ضمن مقاصات متبادلة.
لقد أثقل الواقع العربي مع الأسف بسلسلة معقدة من هذا المنهج تحت ضغط المصالح الضيقة، وادعاء عدم المسؤولية عما جرى من خسارات جسيمة، وإلا ليقنعني محلل عربي واحد ما هي مبررات خوض العراق أكثر من حرب واحدة؟ وما هي مبررات الانهيارات التي ضربت العمل العربي المشترك؟ وكيف يسوّق حال اليمن؟ والأسبق، لماذا كل الذي جرى في سوريا وليبيا ولبنان والسودان؟ وكيف استوت الأخطاء والنكايات وضياع فرص هائلة من التنمية ووصلنا إلى ما وصلنا إليه من مرارات؟ كيف يصدق أحد أن العراق ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الذي عرف على مدى كل الأجيال أنه بلد الخصب والنماء والوفرة وصل به الحال إلى إصابة مزمنة بالعسر، حتى بات فيه تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين وأبواب مالية للكلفة التشغيلية الخاصة بالموازنة مهمة مربكة؟
الحال، أغلب الدول العربية هي الآن أمام لحظة تاريخية ينبغي الكف فيها عن الاستغاثة وطلب النجدة من الآخرين بذريعة ضيق ذات اليد في الكفاءات، لا ينقصنا العلماء، ولا الخبراء ولا الإمكانات المادية، لا تنقصنا الخطط، ولا الوضوح في التصدي للمعضلات التي تنخر الآن الحياة العربية، ما ينقصنا العودة إلى ذواتنا والتفتيش فيها عن حلول للمعضلات لا أن نفتش عن إمكانات الآخرين.
لقد أربكني حقًّا مشهد الشكوك الإقليمية والدولية بالكفاءة المصرية بشأن أزمة الباخرة العملاقة التي جنحت وهجعت على رمال السويس مغلقةً الممر المائي، لكن إرادة مصر أزاحت كل الطروحات المشككة.
كانت تقارير الخبراء تشير إلى أن المعالجة تحتاج إلى فترة طويلة، وأن لا بديل من الاستعانة بالخبرة الأجنبية، بل ذهبت الآراء إلى وجود مؤامرة جديدة لتعسير الاقتصاد المصري.
المدهش، لم يجلس المصريون لكي يتلاوموا ويندبوا حظهم العاثر من متوالية المصيبة، بل شمَّروا عن ساعد الذكاء الذي أشاد به الراحل جمال حمدان، عبقرية المكان، وحسموا التوجُّه لحل أزمة جنوح الباخرة بكلفة أقل وزمن أقصر وخبرة مصرية خالصة خلافًا لتقديرات وضعت سيناريوهات بسقوف زمنية طويلة واستنجادات دولية.
يا للمفاجأة السارة لو أن العقل السياسي العربي حسم أمره وابتعد عن طقوس الملاومة، إنه أمام لحظة فاصلة لتفكيك الخصومات وردم مجرى الدم والترفع عن التشاكي وندب الحظ والتسيب والترامي بالتهم، إنه الآن أمام العطل الذي أصاب العمل العربي المشترك، وأمام “كوفيد19” بكل خبثه الفتاك، وأمام اللوثة المزمنة للبيئة وعسر التنمية وافتقاد الأولويات.
هل ينتصر العقل العربي ليزيح عنه طُمى الجمود والتليف، كما أزاحت مصر ثقل سفينة الحاويات العملاقة (إيفر جرين) بزمن قياسي. نأمل أن لا يطول التداول في ذلك، فخير البر عاجله، و(من لا يعلِّمه الوقت لا يعلّمه معلم آخر).

إلى الأعلى