الخميس 13 مايو 2021 م - ٣٠ رمضان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / سلام الاقتصاد الصيني
سلام الاقتصاد الصيني

سلام الاقتصاد الصيني

جودة مرسي:
تحلم شعوب العالم بالسلام الدائم الذي يحافظ على الإنسانية ومكونات حياتها المعيشية، وتسعى العديد من دول العالم لإرساء السلام العادل وتثبيت أركانه، والسلطنة إحدى الدول التي تبذل الكثير من أجل إرساء دعائم السلام في المنطقة حتى بات تحمل شعار “وجهة السلام” أو “بوابة السلام” رغم الأنواء المناخية المضطربة التي تسيطر على أجواء المنطقة، إلا أن السلطنة اتخذت هذا النهج عقيدة راسخة تسعى دائما إلى تواصلها بين دول العالم من خلال مواقفها الداعمة لكل ما هو في صالح الإنسانية ورُقيها.
منطقة الشرق الأوسط، وفي الأدق منها الخليج العربي، شهدت السنوات الأخيرة العديد من الخلافات والتدخلات الخارجية الطامعة بالأصل في ثرواتها، سواء من النفط أو الغاز، وبات العديد من القوى العالمية على عتبة تغذية هذه الخلافات من أجل تحقيق مصالحها. وفي الأيام القليلة الماضية تواترت أنباء عن اتفاق صيني ـ إيراني للتعاون المشترك مدعم بإعلان وزارتي خارجية البلدين عن اتفاق تعاون وتنسيق مشترك لربع قرن، فسَّره البعض على أنه قد يضر بمصالح بعض دول المنطقة. ومن يعرف السياسة الخارجية الصينية يكتشف عكس هذا التفسير؛ لأن الصين تبحث عن مصالحها الاقتصادية والتي يلزمها ـ بطبيعة الحال ـ سلام دائم يحمي هذه الاتفاقات والمليارات التي سيتم ضخها في المنطقة، وهذا يفتح الباب للتوقعات التي تقول إن الصين سوف تقدم مبادرات اقتصادية مماثلة لبعض دول المنطقة لتنشئ قواعد سلام جديدة تنهي أي خلافات سابقة، يساعدها في ذلك استعداد دول المنطقة الدائم للسعي إلى ما يثمر الاستقرار والسلام ليلتقي مع حلم الصين للانتشار الاقتصادي في المنطقة الداعم لحزام طريق الحرير الاقتصادي، الذي من المقرر أن يمتد على طول طريق الحرير القديم في آسيا الوسطى وطريق الحرير البحري الحديث.
يؤيد هذا الافتراض العديد من المؤتمرات والمنتديات التي نظمتها الصين في الفترات السابقة والتي دائما ما كان يدعو فيها الرئيس الصيني شي جين بينج نظراءه العرب إلى ترقية علاقاتهم الاستراتيجية مع الصين، من خلال تعميق التعاون الثنائي في مجالات تتراوح بين التمويل والطاقة إلى تكنولوجيا الفضاء. ويعكس هذا الهدف الأوسع في نظر الصين إعادة توازن تركيزها الاستراتيجي غربا، مع التأكيد على العالم العربي.
وشهدت العلاقات الاقتصادية بين الصين والدول العربية في الشرق الأوسط ازديادا مستمرا لعشرات السنين، والتي تشكل الطاقة فيها عاملًا رئيسيًّا مع زيادة حجم التجارة المتبادلة التي تضاعفت ووصلت أرقامها خلال الفترة من العام 2004 والعام 2013 إلى 238.9 مليار دولار، فيما كان النصف الأول فقط من العام 2019 أكثر من 126 مليار دولار، وتُعَد الصين ثاني أكبر شريك تجاري للعالم العربي، وأكبر شريك تجاري لتسع دول عربية. ومن المتوقع أن يبلغ حجم التجارة بين الصين والعرب أكثر 600 مليار دولار.
ولهذا السبب لا تدخل الصين المنطقة كمنافس للولايات المتحدة الأميركية بعد أن أصبحت المستورد الأكبر للنفط على مستوى العالم، ومسارها يتناقض بشكل حاد مع مسار الولايات المتحدة، حيث أصبح استقلال الطاقة أقرب من أي وقت مضى بفضل النمو السريع للناتج من النفط والغاز الصخريين والذي تعتمد عليه الولايات المتحدة بفضل مخزونها الكبير منه. وهو ما دفعها بالسير في طريق فك ارتباطها الاستراتيجي بالشرق الأوسط، ليخلق فراغًا تملؤه الصين باعتبارها زعيمة للعالم النامي، وتملك الإمكانات لشغله، سواء كانت سابقة أو آنية، وهي مراقب جيد بديناميكيات المنطقة، وتعمل على إيجاد سبل خلاقة للمشاركة في جهود حل الخلافات.
إذا كانت بعض دول المنطقة تقترب بحذر من المناخ الصيني، فإن الصين لديها من الأدوات ما يطمئن هذه الدول وكسب ثقتها، في سبيل تحويل قوتها الاقتصادية من نفوذ إقليمي إلى نفوذ عالمي لديه المقدرة لحل الخلافات بين الدول.

إلى الأعلى