الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / التقييم الاستراتيجي لمستقبل اليابان والهند الجيوسياسي بعد العام 2014م (1-3)

التقييم الاستراتيجي لمستقبل اليابان والهند الجيوسياسي بعد العام 2014م (1-3)

محمد بن سعيد الفطيسي

” لقياس مستقبل المكانة الدولية لأمة ما من الناحية الجيوسياسية, فإن هناك عدة المقاييس الدولية المتعارف عليها لدى منظري السياسة والتاريخ والجغرافيا , منها مقاييس صيغ القوة ومصادرها الأربعة المعروفة دوليا لدى العديد من المنظرين وهي: القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والايديولوجية، كذلك من خلال قياس مستوى الثروة والنفوذ,”
ــــــــــــــــــــــــــــــ

تتناول هذه الدراسة الذاتية الموجزة ملخص قمنا من خلاله بإعادة تقييم لرؤيتنا الاستشرافية للمكانة الجيوسياسية لبعض من أهم القوى الآسيوية التي كنا قد تناولناها سابقا في كتابنا نهاية المركزية – الخارطة الجيوسياسية للقوى العالمية في العقد الثاني من القرن 21الصادر في العام 2011م , وتلك القوى الآسيوية التي تناولها الفصل الثالث من كتابنا سالف الذكر في الصفحات 179-250, هي ” اليابان – الهند “، حيث تعد هذه الدول من القوى الآسيوية التي يراهن العديد من الباحثين والمتخصصين حيال مستقبل قوتها ومكانتها الجيوسياسية تحديدا على رقعة الشطرنج الاوراسية أولا والعالمية ثانيا خلال هذا القرن , وقد أثبتت هذه القوى بالفعل مصداقية ذلك الرهان الى درجة كبيرة.
على ان ذلك لا يمنع من التحفظ على بعض الآراء والرهانات المتفائلة كثيرا حيال بعض التطلعات المستقبلية لتلك الدول او القوى الآسيوية الناشئة , كما أننا نود ان نوضح بان اختيارنا لهذه الدول لا يعني تفردها بالخارطة الجيوسياسية الدولية خلال المرحلة القادمة , فهناك بالطبع قوى أخرى سبقتها بأشواط على هذه القائمة كالصين وروسيا التي تعد اليوم الدولة رقم 2 على الخارطة الجيوسياسية العالمية بعد الولايات المتحدة الاميركية, وقوى أخرى تسعى بقوة للدخول معها في منافسة على رقعة الشطرنج الاوراسية او الإقليمية كتركيا وإيران والباكستان, إلا أننا بالفعل لا يمكن ان ننكر مكانتها المتقدمة على سلم المنافسة الجيوسياسية الاوراسية في الوقت الراهن, في جدول نرى من وجهة نظرنا أنه يتشكل كالتالي من ناحية القوى الجيوسياسية الآسيوية المستقبلية وفق مقاييس القوة ومصادرها الذي سنتعرف عليه لاحقا وهي : (روسيا, الصين, اليابان ,الهند, تركيا, إيران, باكستان).
تنويه – قمنا في هذا العام بإعادة تقييم للقوة الصينية بطرح منفصل تحت عنوان: التقييم الاستراتيجي للقوة الصينية بعد العام 2014م خلص ذلك التقييم الى ان الصين تسير حتى نهاية العام 2013م في الطريق الصحيح نحو هدفها المنشود, وهو أن تتجاوز الإقليمية حيث تعد الصين اليوم القوة الإقليمية الثانية بعد روسيا من الناحية الجيوسياسية, وتصبح قوة عالمية كما هو حال الولايات المتحدة الاميركية وروسيا رغم بعض المنغصات والعقبات التي تواجهها, وخصوصا من الناحية السياسية والجيوسياسية, وعلى وجه الخصوص حيال تلك القضايا التي تنظر إليها من وجهة نظرها الشخصية على أنها انتهاك لسيادتها القومية والوطنية التاريخية كالمسألة التايوانية وقضية الجزر المتنازع عليها مع اليابان على سبيل المثال لا الحصر, والتي تلاها القرار الصيني الخطير بإنشاء منطقة دفاع جوي تشمل كل الجزر غير المأهولة والخاضعة اليوم لسلطة اليابان، ما يترتب عليه تقاطع المنطقتين الدفاعيتين الجويتين الصينية واليابانية, وهو أمر يضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية الحليف الاستراتيجي لليابان.
عليه وبناء على المعطيات سالفة الذكر, وبالاعتماد على المسار الراهن والصحيح الذي تسير عليه الصين حتى نهاية العام 2013م مع افتراض أن يبقى سيناريو الاستمرارية هو السيناريو المعتمد لمستقبل الصين دون منغصات جذرية في الاقتصاد والسياسة يمكن أن يحول دون استمرار الصين في طريقها الصحيح للخروج من الإقليمية والاتجاه الى العالمية , فإننا يمكن أن نتوقع بأن الصين ستنجح في عبور ذلك الخط الفاصل بين العالمية والإقليمية خلال الـ 15 سنة القادمة – وبمعنى آخر – مع حلول العقد الثالث من الألفية الثالثة – أي – العام 2030م , ولازلنا نؤكد انه لا يمكن للصين أن تصل الى مستوى القوة الاميركية العابرة للقارات حتى ذلك الوقت على اقل تقدير , وهذا على افتراض استمرار تراجع الهيمنة والقوة المركزية للإمبراطورية الاميركية حتى تصل الى نقطة التقاطع صفر مع الصين في نفس العام .
مقاييس صناعة القوة الجيوسياسية ومصادرها الأربعة :
لقياس مستقبل المكانة الدولية لأمة ما من الناحية الجيوسياسية, فإن هناك عدة المقاييس الدولية المتعارف عليها لدى منظري السياسة والتاريخ والجغرافيا , منها مقاييس صيغ القوة ومصادرها الأربعة المعروفة دوليا لدى العديد من المنظرين وهي : القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والايديولوجية، كذلك من خلال قياس مستوى الثروة والنفوذ, وعلى سبيل المثال اقترح كينيث والتز، عالم السياسة المعروف، خمسة مقاييس مختلفة لتقدير قوة الدولة، وهي: السكان، والمساحة، والموارد الطبيعية، والقدرات الاقتصادية، واستقرار وسلامة النظام السياسي، والقوة العسكرية, بينما يعتبر بول كينيدي، المؤرخ البريطاني، أن حجم السكان ومعدلات التحضر ومستوى التصنيع، واستهلاك الطاقة والمخرجات الصناعية، هي أيضا مقاييس أساسية للقوة.
كما كان لنا مقياسنا الخاص الذي وضعناه في العام 2010م لقياس المكانة الجيوسياسية لدولة او قوة ما, وأطلقنا عليه تقييم ” البوصلة ” لأنه يحدد الاتجاه الاستراتيجي والمستقبلي للقوى المؤثرة دوليا خلال مرحلة زمنية محددة على أسس معينة , نطمح من خلاله للوصول الى ابرز القوى المرشحة والمؤهلة للهيمنة والسيادة في مرحلة تاريخية معينة على رقعة الشطرنج الدولية او حتى الإقليمية, صحيح ان هذا المقياس خصصناه في ذلك الوقت لقياس المكانة الدولية للقوى العظمى الا ان ذلك لا يمنع ان يؤخذ به بشكل ما على غيرها من القوى الناشئة – ومن أهم تلك الأسس التي اعتمدنا وبنينا عليها هذا التقييم النقاط والأسس التالية:
أولا: مدى التأثير الجيوسياسي والجيواستراتيجي الذي أحدثته تلك الدولة على رقعة الشطرنج العالمية خلال العقد الأول من القرن 21 , و- بالطبع – فان التأثير المقصود يكون سلبا أو إيجابا,
ثانيا: مدى قدرة تلك الدولة وإمكانياتها الراهنة ” اللوجستية ” للتواصل والربط الجيوسياسي والجيواستراتيجي بين إمكانيات وقدرات الماضي – والمقصود بالماضي هنا – العقد السابق للتقييم والعقد الراهن او القائم .
ثالثا: القدرة على التأثير في مستقبل خارطة الشطرنج الدولية سلبا أو إيجابا من خلال الإمكانيات والقدرات الذاتية, ونقصد بالإمكانيات هنا الرؤية الاستراتيجية والفكر السياسي والاقتصادي والثقافي والقدرات العسكري المتاحة والمتوفرة لها حاليا والمتوقعة أن تحصل عليها مستقبلا, وبالتالي فان تصرفات تلك الدولة ستؤثر في القرارات الدولية بشكل رئيسي ,كما وضحنا بعض الأفكار الأساسية التي قام على أساسها هذا التقييم, ومن ابرز :
أولا : أن العقد القادم – أي العقد الثالث – سيكون عقدا متعدد الأقطاب, وبالتالي فان ذلك سيحتم تلقائيا على بعض القوى – أي القوى المؤثرة والمقصودة من خلال هذا التقييم, البدء في وضع خارطتها الاستراتيجية للهيمنة على رقعة الشطرنج الدولية , ( لان هذه الهيمنة – بحسب ما يؤكده الخبير الاميركي في العلوم السياسية جون ميرشهايمر – تضمن بناء على الظروف السائدة تحقيق أعظم أمن ممكن), وعليه فان الاتجاه الى الهيمنة والسيادة العالمية سيكون شرطا أساسيا للمنافسة على رقعة الشطرنج الدولية.
ثانيا : لا يأخذ التقييم في الاعتبار التكتلات أو التحالفات الجماعية الدولية كأساس رئيسي لاعتبار الدول من القوى المؤثرة , بقدر ما يعتمد على التأثير الجيوسياسي والجيواستراتيجي الفردي الذي أحدثته تلك الدولة ويمكن ان تحدثه على خارطة الشطرنج الدولية خلال الفترة القادمة من خلال مساعيها للهيمنة والسيطرة الدولية وليس الإقليمية.
ملاحظة: سنقوم في الجزء التالي (2-3) من هذه الدراسة بإذن الله بالإجابة على الأسئلة التالي: هل اليابان والهند على وشك ان تصبح قوة إقليمية او دولية عظمى؟ هل اليابان على وشك أن تصبح قوة عظمى تحل محل الولايات المتحدة الأميركية كعملاق المحيط الهادي, وربما حتى الأمة رقم 1 في العالم كله ؟ ما هي الفرص التي ضيعتها اليابان؟

إلى الأعلى