الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : الأزمة السورية وفائض الدجل والإرهاب

شراع : الأزمة السورية وفائض الدجل والإرهاب

خميس التوبي

على الرغم من توالي فضائح المتآمرين على سوريا ومرتزقتهم وعملائهم، وتواصل اندحار الإرهاب وعصاباته على الأرض السورية، يصر هؤلاء المتآمرون ومرتزقتهم وعملاؤهم على ملازمة ما بدأوه منذ نشوب المؤامرة وإلى الآن من أساليب التحريض والتشويه والدعايات الكاذبة والفبركات، والاستماتة في الدفاع عن فائض دجلهم وإرهابهم ونفاقهم. وما كان ذلك أن يحدث على هذا النحو المريع لولا الماكينات الإعلامية التابعة لهم والتي اشتغلت على صناعة المشاهد والصور المزيفة والمفبركة ضد سوريا وحاولت إخراجها بصورة حرفية بحيث يمكن أن تنطلي على البسطاء من الناس وعامتهم، وذوي العاطفة الجياشة، لتبدو المشاهد لهم على أنها حقيقة، وإن كان الإعلام المقابل والنزيه والمدافع عن القضايا العادلة رغم بساطته يواصل تفنيد الحقائق وتظهير البواطل.
ولم يقف دور هذه الماكينات الإعلامية عند حدود إخراج مشاهد الفبركة والتشويه والتحريض، بل شكلت الحوارات والمقابلات فائضًا آخر من الدجل والنفاق ودعم الإرهاب بشقيه الوظيفي واللوجستي، ومحاولة تلميع الوجه القبيح والقميء للعصابات الإرهابية وتبييض صفحتها. ومن خلال متابعة غيض من فيض ما تنقله ماكينات الإعلام المرئي منها والمسموع والمقروء من لقاءات ومشاهد معدة مسبقًا، وكذلك مواقف وخطابات مجترة من منابر النفاق والتآمر الغربي وبعضه العربي والإقليمي والمحمولة على عكاز الكذب والافتراء، يمكن رصد العديد من ذلك، من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
أولًا: استقاء تلك الوسائل الإعلامية معلوماتها من ما يسمى “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، والمفارقة أن هذا المرصد عبارة عن مكتب إعلامي ومقره في المملكة المتحدة التي تعد إحدى الدول المكونة لمعسكر التآمر والعدوان على سوريا، وما يجعل المفارقة صارخة وشاذة هو أن مؤسسه والناطق باسمه معروف عنه أنه يعمل في محل لبيع الألبسة ويعرف بـ”خياط كوفنتري”، فكيف لبائع ألبسة أو خياط وبمكان يبعد عن سوريا وجغرافية الصراع مع عصابات الإرهاب من جيوش المتآمرين بآلاف الأميال أن يرصد وقائع الأحداث. وعلى افتراض صحة ذلك، فإن ما يزود به من معلومات للقنوات الفضائية مصدره معشر المتآمرين (الداعمين أو الإرهابيين)؛ أي يستمد معلوماته ليس من مصدر مستقل، فضلًا عن أن ما يسمى المرصد محسوب على معشر المتآمرين. وذات يوم أجرت إحدى القنوات الفضائية التي تدَّعي الحيادية اتصالًا مع الناطق باسم “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن تطورات الأحداث في سوريا، فما كان منه ـ كعادته ـ إلا تكسير عظام الحقائق ولَيُّ أعناقها ونقعها في سموم الدجل والكذب والافتراء ليصاب متلقيها بعمى الحقيقة وببثور الجلد والحكة، حيث قال للقناة إن “الطيران “الحربي” السوري شن غارة على الرقة فأوقع فيها عشرات القتلى والجرحى من المدنيين”. وحين سألته: وماذا عن طيران التحالف ألم يشن اليوم أي هجمات؟ فرد عليها بأن “طيران التحالف نفذ عشرين غارة استهدفت مراكز “داعش” وأوقعت العديد من المسلحين بين قتيل ومصاب”. فكيف يتسع للمنطق وللعقل أن يستوعب أن غارة واحدة للطيران السوري أن تقتل وتصيب عشرات المدنيين، وأن عشرين للتحالف تقتل وتصيب عشرات المسلحين ودون أن تقتل أو تصيب ولو مدنيًّا واحدًا؟ أليس مثل هذه الدعايات فيها استغباء للمشاهدين والمستمعين قبل أن تؤكد حقيقة هذا المرصد الذي مقره لندن؟ وإذا كان هذا على مستوى المرصد، فكيف الحال بالمصورين الذين يعملون لحساب وكالات أنباء معروفة بتبعيتها للصهيونية والذين ينقلون وقائع الأحداث من سوريا؟ وبناء عليه يمكن أن تكون صور لقتلى وجرحى ودمار يتم بثها على أنها جراء هجمات للجيش العربي السوري ـ مع أنه وارد سقوط مدنيين لوقوعهم بين خطي إطلاق النار ـ هي نتيجة غارات لطيران التحالف أو هجمات للعصابات الإرهابية المسلحة ويتم اتهام الجيش العربي السوري بها. إنها معلومات تشير إلى اختلالات عقلية وأمراض نفسية واضحة، وبالتالي لا يمكن عدُّها إلا في إطار مؤامرة الإرهاب والتحريض والتشويه.
ثانيًا: استضافة إحدى القنوات المشهورة ـ والتي تدَّعي الحيادية ـ لأحد الضباط السوريين السابقين ليكون مع زمرة المنشقين، صب جام غضبه وكال التهم ضد سوريا وقيادتها وضد المؤسسة العسكرية، ولكنه كما يبدو نسي أن هناك من يتابعه بالرصد والتحليل والاستنتاج، حيث تبين من سياق حديثه اختياره الانشقاق والعداء لوطنه سوريا هو أنه كان يمنِّي النفس أن يحظى باهتمام وتشجيع كبيرين في مجال تخصصه وعمله ولو بنظرة وابتسامة دافئة من الرئيس الراحل حافظ الأسد، وكذلك من الرئيس الحالي بشار الأسد الذي وصفه بأنه (أي الرئيس بشار) أناني ويحب نفسه، وحوله “طغمة فاسدة” متنفذة حرمته من اللقاء به، وقدر عدد أفراد هذه الطغمة بمئة فرد، ليعرج إلى الإساءة والتشويه للمؤسسة العسكرية وصورة الجيش العربي السوري، حيث حاولت المذيعة اللبقة أن تخرج ما يعرفه من خبايا وأسرار تخص المؤسسة العسكرية، لكنه لم يجد سوى التشويه والتحريض بأن ما يحدث من دمار وإبادة هو من صنع الجيش العربي السوري، ومقابلًا لهذه الإساءة بالإشادة بالعصابات الإرهابية المسلحة التي وصفها بأنها معتدلة وجيدة، بعد أن ساعدته على الانشقاق والهروب إلى تركيا، ونسي أو تناسى أيضًا أن التحريض على الانشقاق من مدنيين وعسكريين والتمرد على الوطن السوري هو من ركائز نجاح المؤامرة. ما يفهم من ذلك أن الوطن دائمًا ما يقع ضحية أسباب شخصية تافهة، وأن المصالح الشخصية حين تتقدم على المصلحة العامة ومصلحة الوطن تكون النتائج مأساوية وكارثية على النحو الذي يبدو عليه ذلك الضابط السابق.
غير أن الأغرب، هو أن القناة بعد حوارها مع ذلك الضابط السوري السابق والذي عشق الانشقاق عن مؤسسته والركوب في مركب التآمر، بثت تقريرًا من إعدادها عن أعداد ضحايا الإرهاب، حيث أكدت في تقريرها أن أكثر من خمسة آلاف ضحية اغتالتهم الجماعات الإرهابية المسلحة في العالم في شهر نوفمبر وحده. وعلى الرغم مما يحمله تقرير القناة من دحض وتفنيد ورد لما ذكره الضابط السوري من اتهامات للجيش العربي السوري، فإن التقرير يرد على القناة المعدة له أولًا بتأييدها للعصابات الإرهابية في سوريا ووصفها بـ”المعارضة”، وثانيًا يؤكد أن ما يحصل في سوريا هو إرهاب وليس كما تصفه القناة بـ”ثورة”. وإذا كان عدد ضحايا العصابات الإرهابية في العالم أكثر من خمسة آلاف في شهر، فإن عددهم في العام الواحد أكثر من ستين ألفًا وفي أربع سنوات أكثر من مئتين وأربعين ألفًا، وكم نصيب كل من سوريا والعراق من هذا الرقم؟ ألا يضع ذلك أيضًا علامة استفهام أمام الإحصاءات التي تساق حول الضحايا السوريين ويتهم بهم الحكومة السورية، بل ويؤكد فائض النفاق والدجل والفبركة والتدليس والتشويه في خضم المؤامرة؟

إلى الأعلى