الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ملف العار.. اعتراف متأخر

ملف العار.. اعتراف متأخر

كاظم الموسوي

” ما نشر من الملف جاء في تقرير ملخص بـ480 صفحة من 6000 صفحة، أي ان ما سيتاح للرأي العام منه جزء يسير جدا، ورغم ذلك اثار ضجة واسعة لما احتواه من معلومات، وثبته من وقائع وتفاصيل عن الاساليب والممارسات، المثيرة للجدل كما يعرفونها، التي استخدمتها الوكالة في التحقيقات مع المشتبه بهم، ولم يتوصلوا عبرها إلى المراد منها، كما أعلنوا.’”
ـــــــــــــــــــــــ
لم تكن معلومات الملف الذي نشر عن عمل وكالة الاستخبارات الأميركية وعن ممارسات التعذيب في سجونها المنتشرة خارج أرضها جديدة أو مخفية. فقد عرفت في حينها وسربت في وسائل اعلام كثيرة. وروجت لها جهات ليست بعيدة عنها. وتمكن أعلاميون وصحفيون وكتاب مستقلون من نشر ما تمكنوا من الحصول عليه من الضحايا مباشرة او من مراسلات ومصادر لهم. ولكن كثيرين انكروها او حاولوا الانكار او التعمية عليها لعلمهم بخطورة انتهاكها لكل قانون او عرف. ولأنها ترقى للجرائم التي يطالها القانون ويحاسب عليها الدستور، سواء في الولايات المتحدة نفسها او خارجها حصل لها ما حصل. المهم ان الملف، او الاصح بعضه، الذي وصفته وسائل اعلام غربية بالخزي والعار والتضليل صدر الى العلن وهو بالتأكيد وثيقة اعتراف متأخر عن الجرائم التي ارتكبت، ودليل الانتهاكات التي مورست واثبات الارتكابات التي قامت بها الاجهزة الامنية الغربية عموما والأميركية خصوصا، سيما في النقاط السوداء في الخارطة السياسية الأميركية ومناطق نفوذها في أكثر من بقعة في الكرة الارضية.
ما نشر من الملف جاء في تقرير ملخص بـ480 صفحة من 6000 صفحة، أي ان ما سيتاح للرأي العام منه جزء يسير جدا، ورغم ذلك اثار ضجة واسعة لما احتواه من معلومات، وثبته من وقائع وتفاصيل عن الاساليب والممارسات، المثيرة للجدل كما يعرفونها، التي استخدمتها الوكالة في التحقيقات مع المشتبه بهم، ولم يتوصلوا عبرها الى المراد منها، كما اعلنوا. بمعنى ان الذين تعرضوا لتلك الوسائل والعنف غير المبرر لم يكن اغلبهم مذنبا فعلا او مشاركا حقا في الاتهامات التي وجهت له او ان الوكالة اخطات بحق هؤلاء الأغلب، او تجاوزت عليهم او تورطت بهم ولم ترع ما لهم وما يجب القول عنهم الان. وتركوا نهبا للانتهاكات والوسائل المخزية. الى الدرجة التي خشيت الادارة الامريكية من ردود الافعال الحادة ضد مؤسساتها ومصالحها وسفاراتها بعد نشر التقرير وفضح ملف العار. وهو من اعمال مجلس شيوخها ومن انتاج آلتها الاعلامية والقانونية.
قال ناطق باسم البيت الأبيض إن السفارات الأميركية وغيرها من المصالح اتخذت إجراءات احترازية بعد ورود “بعض المؤشرات” إلى احتمال تعرضها “لمخاطر”. ونقل عن وزير الحرب الأميركي إنه أمر قادة الجيش في أنحاء العالم بإعلان حالة التأهب العالية تحسبا لأي هجمات قد يتعرض لها الجيش الأميركي، مضيفا أنه لم يجر الإبلاغ عن تهديد محدد. فلماذا هذه المخاوف؟ ومن اين تأتي المخاطر؟. اليس هذا اعتراف آخر بحجم ما ارتكبت الاجهزة الامنية والإدارة الاميركية؟. وبهذا تقر بان ما قامت به الوكالة لم يكن ضمن القانون والدستور الأميركي ولا الأعراف والقانون الدولي ولوائح حقوق الانسان. وما تصرفت به الوكالة كان اكثر من مخز وعار، الحقته الوكالة بسمعتها وسمعة بلادها وشعاراتها وادعاءاتها عن الديمقراطية وحقوق الانسان!. وهو في كل الاحوال جزء من حبل الغسيل الطويل المتستر عليه، طي الكتمان والمخفي في الصفحات العديدة من نص التقرير. وتدعي الوكالة (سي آي ايه) أن برنامج الاعتقال والتعذيب هذا سمح لها بالتعرف إلى إيديولوجيا التنظيمات الإرهابية عن قرب، وبكشف معلومات بالغة الأهمية في ما يخص “الأمن القومي” الأميركي!، وهو عنوان عريض تتذرع به وكالات الاستخبارات الأميركية، ومنها الـسي آي ايه، و”وكالة الأمن القومي” من أجل الاعتداء على أفراد خارج إطار القانون.
معلوم إن التعذيب جريمة قانونية ويحاسب عليها قانونيا وأخلاقيا، وان الادارة الأميركية في عهد الرئيس الأميركي السابق رونالد ريجان، في عام 1988، وقعت معاهدة مع الأمم المتحدة ضد سياسة التعذيب. ولكنها اخلت بها تماما بعد احداث سبتمبر 2001، وفتحت ابواب حهنم لوسائل التعذيب والعنف الوحشي وبإطار ممنهج، لعدة سنين بعد ذلك. وهذا ما حاول التقرير كشفه ووضعه على حساب برنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في استجواب المعتقلين لديها في القضية تلك وما تعلق بها دون الاشارة الى المخططات الاميركية التي صحبتها او جاءت بعدها او كانت السبب لها.
هذه الاساليب كما جرى التأكيد عليها دائما ليست خاطئة وحسب بل انها انتهاك صارخ لحقوق الانسان والقانون المحلي والدولي والدساتير والأعراف. وهو ما رأته صحيفة الجارديان البريطانية، التي سبق لها وان نشرت تقارير، مع وسائل اعلام اخرى، عن هذه الاساليب واستنكرتها وأدانت الاستمرار فيها. وكشفت الصحيفة أن الوكالة كذبت بشأن برنامجها لاستجواب المعتقلين، وهي لم تكذب فقط على الشعب الاميركي بل على الحكومة الاميركية نفسها. إذ زودت البيت الابيض بمعلومات غير دقيقة. وختمت الصحيفة بالقول إن “الاميركيين اليوم يواجهون تحديا كبيرا ألا وهو العمل على عدم تكرار أمور مماثلة”!.
رغم توصيف الملف للعمليات والأساليب المتبعة بأنها “وحشية” و”غير فعالة” لمشتبه بهم وان الوكالة ضللت المسؤولين بشأن ما كانت تفعله، وفشلت المعلومات التي حصلت عليها من خلال “أساليب الاستجواب المطورة” في تأمين معلومات من شأنها إحباط أي تهديد، فهناك من يدافع عنها ويبرر لها ما قامت به. كما هو حال نائب الرئيس السابق ديك تشيني. الذي اعترف بعلمه والرئيس الاميركي بوش الابن بها، وأعداد من ابناء الوكالة وأزلامها.
اذا قُبل هذا كاعتذار متأخر فلا بد من استكماله بعد هذا الفضح بالمحاسبة. كما دعت الامم المتحدة والمنظمات الانسانية او التي تحمل عناوين الدفاع عن حقوق الانسان. وهذا تحد رئيس بشان هذه القضية. ينبغي إلا يمر هكذا في الاعلام فقط. وان تتجرأ الادارة الاميركية والأمم المتحدة بمحاكمة كل من اصدر قرارا وعلم بأساليب التعذيب والاستجواب الوحشية دون وقفها او اشرف عليها بنفسه او بتكليف منه. اذ ان احترام العدالة يجنب العالم ما هو اخطر من التهرب منها، ويكشف للعالم ان القانون هو الذي يتوجب احترامه حماية للإنسان الذي من اجله وضع القانون ولأجله شرع !.

إلى الأعلى