السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / انهيار الأسعار .. ولعنة النفط

انهيار الأسعار .. ولعنة النفط

محمد عبد الصادق

”.. باستثناء دول قليلة في المنطقة بلغت نسبة الاعتماد على النفط في الموازنات العامة السنوية لمعظم الدول بين 85و90% وتحديد سعر مسبق للنفط يتراوح بين 80و85 دولارا للبرميل لتقليل العجز المتوقع في الإيرادات, على أمل تعافي الأسعار في منتصف العام, رغم التنبؤات المقلقة التي تتوقع وصول سعر البرميل لـ 40دولارا.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ثمانينيات القرن الماضي ظهر الماس بكميات تجارية في سيراليون وانتظر المواطنون في هذا البلد الإفريقي الفقير, أن تنتشلهم عوائد الماس من حالة البؤس والشقاء لينعموا بعيشة هنية مثل بقية شعوب الأرض الميسورة, ولكن الماس تحول إلى لعنة على سيراليون والدول المجاورة, فلم تمر عشر سنوات إلاّ و شهدت سيراليون حرباً أهلية شرسة استمرت لسنوات وراح ضحيتها الآلاف وامتد لهيبها إلى ليبيريا المجاورة, وكان سبب الحرب الصراع على الماس, بعد اتهام الحركات المتمردة السلطة الحاكمة بسرقة عوائد الماس وتهريبها في حسابات سرية إلى أوروبا, وإهدار الملايين في الصرف على المغامرات الشخصية للرؤساء والمسؤولين الكبار, وترك بقية الشعب نهباً للفقر والمرض والحرمان, وبدلاً من مساهمة “الماس” في إسعاد الناس, وتثبيت دعائم الأمن والاستقرار في سيراليون والدول المحيطة, تحول إلى لعنة راح ضحيتها آلاف المدنيين الذين تعرضوا للنهب والسرقة والتشويه والقتل على أيدي القوات الحكومية , وعصابات التمرد والمرتزقة.
وعندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية بسبب الصراع على مياه شط العرب, دعمت دول الخليج العراق في مواجهة ثورة الخميني في إيران, ووصلت ديون العراق لدول الخليج إلى 14 مليار دولار, وخرجت العراق من الحرب منهكة بعدما تكبدت أكثر من مليون قتيل وجريح وما يقرب من 140مليار دولار ديوناً خارجية, وكان صدام حسين يأمل من جيرانه المساعدة بتقليل معدل إنتاج النفط لترتفع الأسعار, ليتسنى له تسديد ديونه, وتوفير مبالغ لإعادة الإعمار, ولكن الأسعار تهاوت وتراوح سعر البرميل بين 10و12دولاراً بدلاً من 18 و 20دولارا واتهم صدام جيرانه الخليجيين بغمر الأسواق بالنفط بدلاً من خفض الإنتاج, حسب اتفاق منظمة أوبك ( تبين بعد ذلك أن العراق كان ضمن 10 دول لم تلتزم بحصص الإنتاج وضاعفت حصص إنتاجها), ووسوس له الشيطان غزو الكويت بعد لقائه الشهير بالسفيرة الأميركية في بغداد إبريل جلاسبي التي أعطت له الضوء الأخضر للقيام بمغامرته المجنونة, وتحول النفط للعنة أدخلت العراق والمنطقة العربية بأسرها في آتون بركان يقذف حمم الانقسام والصراع, والتدخل الأجنبي, الذي يكتوي بناره العرب حتى اليوم.
ومؤخراً فوجئنا بأن “داعش” تسيطر على معظم آبار النفط في سوريا وعدد من حقول النفط في العراق, وأسس التنظيم الإرهابي سوقاً سوداء لبيع النفط بثمن بخس عن طريق وسطاء ومهربين بدول الجوار, في مسعاه لتمويل عملياته الإرهابية في سوريا والعراق, ويقال إن “داعش” يقوم بتهريب النفط عبر الحدود التركية بأسعار تتراوح بين 10و25 دولاراً للبرميل بدلاً من السعر العالمي الذي تجاوز 100 دولار في الشهور الأولى لـ2014م, وربما يكون هذا أحد أسباب انهيار أسعار النفط لتقترب من 60دولاراً مع نهاية العام, ويقدر البعض أرباح داعش من تهريب النفط بـ 3 ملايين دولار يوميا, وربما يفسر هذا سر صمود داعش في مواجهة غارات التحالف الدولي, وتمكنها من الدخول في مواجهات عسكرية مع جيشين نظاميين في سوريا والعراق, وصمودها في القتال على كل الجبهات, ولكن يظل السؤال, كيف تدير “داعش” عمليات استخراج النفط وإنتاجه وهي عمليات فنية معقدة تحتاج لمتخصصين في هذا المجال, إلاّ إذا كان الفنيون العاملون بهذه المرافق انضموا للتنظيم, أو يعملون تحت تهديد السلاح, أو أن داعش جاءت ومعها خبراء في استخراج وإنتاج البترول, وبذلك تحول النفط لأداة مباشرة لتمويل الإرهاب.
وعقب اندلاع ”ثورات الربيع العربي” تركت الدول الغربية رياح التغيير تعربد في تونس ومصر وسوريا واليمن كيفما تشاء, وسارعت إلى ليبيا المسكينة بالتدخل العسكري المباشر للخلاص من معمر القذافي, وتغيير النظام بالقوة المسلحة, متجاهلة أن معظم قادة الدول الغربية التي شاركت في قصف ليبيا كان يجمعهم علاقات وطيدة ومصالح وهدايا مع القذافي ونظامه, ولكنه الطمع في نفط ليبيا كان المحرك الرئيسي لأساطيل وطائرات هذه الدول للتخلص من النظام, وليس كما ادعوا نصرة الشعب الليبي في الخلاص من الديكتاورية ومساعدته في الحصول على الحرية والديمقراطية, ولعل مايحدث حاليا في ليبيا من دمار وخراب خير شاهد على كذب ادعاءات الغرب, الذي لا تحركه سوى مصالحه وأطماعه في الثروات العربية وخصوصاً النفط, والذي تحول للعنة على الشعب الليبي الذي تركه القذافي وهو يملك 400 مليار دولار احتياطيات نقدية, وينتج 2مليون برميل يوميا من أنقى أنواع النفط , وتحول الآن لشعب من اللاجئين داخل وخارج ليبيا هرباً من القتال المحموم والصراع المستمر على السلطة الذي لايبدو في الأفق طرف قادر على الاستحواذ عليها , أو إعادة الأمن والاستقرار لهذا البلد المسكين, ولهذا الشعب المغلوب على أمره.
ولعل اللعنة الحقيقية للنفط تتجسد, في استمراره المورد الرئيسي للدخل لمعظم الدول العربية النفطية, فرغم مرور أكثر من نصف قرن على ظهور النفط في المنطقة, وتصاعد أسعاره في كثير من المراحل الزمنية في السبعينات والثمانينات والتسعينات, حتى تخطى الـ100دولار في بعض سني الألفية الجديدة وجنت الدول النفطية من ورائه مليارات الدولارات أو ربما تريليونات في بعض الدول, كان من المفترض استثمار هذه المداخيل في إحداث تنمية حقيقية تساهم في إيجاد مصادر دخل حقيقية بديلة للبترول, ولكن الذي حدث أن الدول النفطية اكتفت بمشاريع البنية الأساسية, والتوسع في الخدمات الترفيهية والاستهلاكية, على حساب المشاريع الصناعية, والزراعية والسياحية التي تحقق قيمة مضافة للاقتصاد وتوفر فرص عمل حقيقية, بدلاً من الاعتماد كلياً على الإيرادات النفطية التي تستخدمها الحكومات في الإنفاق على الأجور والمرتبات, والدعم, وتأمين خدمات الصحة, والتعليم والإسكان, وما يتبقى تضعه في صناديق سيادية محدودة العائد.
وباستثناء دول قليلة في المنطقة بلغت نسبة الاعتماد على النفط في الموازنات العامة السنوية لمعظم الدول بين 85و90% وتحديد سعر مسبق للنفط يتراوح بين 80و85 دولاراً للبرميل لتقليل العجز المتوقع في الإيرادات, على أمل تعافي الأسعار في منتصف العام, رغم التنبؤات المقلقة التي تتوقع وصول سعر البرميل لـ 40دولارا.
أصبح جلياً أن هناك تدخلات سياسية دولية تتحكم في هبوط وصعود أسعار النفط, فكل المعطيات المنطقية كانت تصب في صالح ارتفاع الأسعار بسبب الصراعات السياسية والاضطرابات التي تعم دول المنطقة, والتي أدت لتراجع حجم الإنتاج في ليبيا والعراق وسوريا واليمن, فضلاً عن الأزمة المستمرة في أوكرانيا.
لم يعد النفط الملاذ الآمن الذي يمكن للدول أن تعتمد عليه منفرداً, وأصبح لزاماً على الدول النفطية تنويع مصادر الدخل, وتطوير السياسات والخطط الاقتصادية, لمواجهة ما هو قادم , لتتجنب الهزات الاقتصادية التي تؤدي حتما لهزات اجتماعية , ولن يتأتى ذلك إلاّ بالشفافية والمصارحة , والعمل الجاد .

إلى الأعلى