الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل تواجه ثقافتنا خطراً وجوديًّا؟

هل تواجه ثقافتنا خطراً وجوديًّا؟

أ.د. محمد الدعمي

” ..إذا لم يكن المرء كامل الوعي بفوائد هذه الشبكات لمبتكرها ومسوقها لنا، فإن عليه أن يعي جيداً بأنها من أطول أذرع وأدق استقاء المعلومات والمعارف عن “الآخر”، طبائعه وطرائق تفكيره وذائقته. زد على ذلك آثار هذه الشبكات على تقريب البعيد وإتاحة المعلومة، المفيدة والضارة في آن واحد، ناهيك عن توظيفاتها للدعاية والإعلان ولتمرير خطابات معينة، قد تكون سياسية وثقافية وفكرية.”
ــــــــــــــــــــــ
ليس من اليسير الارتكان إلى الاعتقاد الشائع بأن العقل الذي ابتكر وصنع واشاع شبكات الاتصال والتواصل الاجتماعي قد قدمها لنا، أي في دول العالم، السائرة قبل الفجوة الحضارية، مقابل لا شيء. وللمرء أن يتيقن بأن هذه المنجزات التقنية الرقمية فائقة التعقيد والشائكية قد حظت بالدراسة والتحليل بدقة قبل إشعال الضوء الأخضر لها للإيذان بالانتقال إلينا في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. مثل هذه المنجزات العظيمة لا يمكن أن تقدم كهدايا مجانية من قبل مبتكرها.
وإذا لم يكن المرء كامل الوعي بفوائد هذه الشبكات لمبتكرها ومسوقها لنا، فإن عليه أن يعي جيداً بأنها من أطول أذرع وأدق استقاء المعلومات والمعارف عن “الآخر”، طبائعه وطرائق تفكيره وذائقته. زد على ذلك آثار هذه الشبكات على تقريب البعيد وإتاحة المعلومة، المفيدة والضارة في آن واحد، ناهيك عن توظيفاتها للدعاية والإعلان ولتمرير خطابات معينة، قد تكون سياسية وثقافية وفكرية. لذا يجد المرء ان هذه الشبكات تزدحم بالمواقع الحكومية أو الخاصة أو المقنعة الغربية التي لا تخلو من رسائل موجهة، ذات دلالات من الأنواع المذكورة أعلاه.
أما نحن القابعين قبل الفجوة الحضارية الممتدة والمتسعة بيننا وبين العالم الصناعي والرقمي، وأقصد بـ “نحن”، هؤلاء الذين استلموا ثمار هذا التقدم العلمي على نحو سلبي، عن طريق الشراء فقط، فلنا الله فيما يراد بنا ولنا “هناك” في الجانب المعاكس من وجه الكرة الأرضية. لذا يجد المرء من المهم للغاية اليوم الاضطلاع بدراسات مسؤولة ووافية، علمية وليست بلا منهجية، لرصد آثار شبكات التواصل والاتصال الاجتماعي علينا، ثقافياً، خاصة على فئة شابة قد أدمنت عليها حد الشلل العملي وحد التواشج مع شاشات الحواسيب 24 ساعة 7 أيام في الأسبوع.
لنا أن نفعل هذا على نحو علمي دقيق ومسند بالشواهد والأدلة والبراهين اللحظة، قبل فوات الأوان وقبل أن يكون الانزلاق نحو غياهب المجهول الذي يهدد أخلاقياتنا وتقاليدنا وتواريخنا، بل وحتى لغتنا بالتراجع والنكوص.
للمرء أن يفتح ما يسمى بـ”الفيس بوك” كي يتأكد من أن ما أذهب اليه في أعلاه ليس من قبيل المبالغة والتهويل، بل هو مستخلص من قلب الواقع المؤسف الذي لم يعد يحتمل شباناً مثقفين وشابات جامعيات غير قادرين على استخدام اللغة العربية الفصحى، أو “شعراء” و”روائيين” و”أدباء” وأصحاب شهادات عالية لا يفهمون استخدامات أبسط قواعد اللغة العربية ولا يفقهون توظيف حروف الجر. ناهيك عن النوافذ التخريبية المتاحة بغزارة متناهية ومريبة لفئات شابة متعطشة للتمرد وللجديد على نحو متعام ينذر بالخطر، خاصة مع عد التمرد على أنماط السلوك (الأخلاقي أو اللغوي) المؤسسة صار من دواعي التفاخر.
لي أن أزعم بأن شيوع هذه الشبكات، إذا لم يضبط ويراقب، يمكن أن يشكل معضلة حقيقية بقدر تعلق الأمر بأعمدة مجتمعاتنا الدينية والتربوية والسلوكية، بل وحتى الثقافية.

إلى الأعلى