الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “شكو ماكو!”

“شكو ماكو!”

أ.د. محمد الدعمي

”..نظراً لأن القوى الكبرى اليوم هي أول من استعادت فلسفة أن المعلومات إنما هي الجبروت، فإنها قد قررت أن تمسك بأدوات جمع المعلومات على نحو محكم لتوظفها على نحو ذكي، يضمن لها “قفل” التفوق العالمي فيها، دون السماح لانتقاله إلى أمم أخرى كالعرب وسواهم من الشعوب المتطلعة للتقدم.”
ـــــــــــــــــــــــــــ
إذا كان نقاد الثقافة قد اختلفوا في اتخاذ ظاهرة واحدة من الظواهر الجديدة المتعددة التي خصت عصرنا من أجل إطلاق عنوان دقيق التعبير عن هذا العصر، فإن أغلبهم قد فاته ملاحظة حقيقة أن هذا هو “عصر التجسس” بامتياز.
يعتمد طغيان التجسس على الحياة في عصرنا على مقولة أحد الفلاسفة الأوروبيين الذي خلص إلى أن “المعرفة إنما هي القوة”، بمعنى أنك إن عرفتني جيداً، تكون أقوى في حال حدوث صراع بين الإثنين. هذا هو ما كان الأساس الفلسفي والبراجماتي لأهمية جمع المعلومات من بث العيون في الثقافة العربية الإسلامية الوسيطة إلى أدوات التنصت والتصوير اليوم، حتى تخلص هذا العصر من الدكتاتوريات التقليدية ليتوج “الكاميرا” و”الدرونات” الطائرة التي تحمل الكاميرات لتصورك حتى وان كنت في الحمام بالقرب من نافذة، إن تطلب الأمر ذلك!
هذه بعض من آفات التقدم التقني الذي تم التحذير منه ومن قدراته على الهيمنة على الإنسان، فرداً وجماعة، درجة أن تقود التقنيات والأرقام الإنسان، وليس العكس، كما عهدنا ذلك من ذي قبل.
ونظراً لأن القوى الكبرى اليوم هي أول من استعادت فلسفة أن المعلومات إنما هي الجبروت، فإنها قد قررت أن تمسك بأدوات جمع المعلومات على نحو محكم لتوظفها على نحو ذكي، يضمن لها ” قفل ” التفوق العالمي فيها، دون السماح لانتقاله إلى أمم أخرى كالعرب وسواهم من الشعوب المتطلعة للتقدم. هذا ما دفع بهذه القوى الجبارة إلى توظيف ثرواتها الأسطورية بأعلى قيمها من أجل استحداث وابتكار كل مامن شأنه جمع المزيد من المعلومات، حتى صارت النكتة العراقية التي تقول بأن الكومبيوتر قد انفجر عندما سأله شخص عراقي سؤالاً لا يمكن الإجابة عليه قط، والسؤال هو: “شكو ماكو؟”
وإذا لم يكن هناك من التقنيات ما يمكن أن تجيب على الاستفهام أعلاه، فإن العالم التقني والرقمي يمضي بسرعة لغرض فرض سيطرته على الإنسان والتدخل في أخص خصوصياته.
لذا اعلن قبل بضعة أيام أن بعض الألعاب التي يقضي بها عدد كبير من الناس أوقات فراغهم باستعمال الهاتف الذكي smart phone، إنما هي قادرة على مد قنوات اتصال داخل عالمك الخاص المخزّن في الهاتف الذكي للحصول على أخص معلوماتك من أرقام الحساب والهواتف والعناوين وما الذي فعلته خلال أيام معينة، إلى صورك الشخصية التي التقطتها مع عشيقة لك على سبيل المثال، كي يتم استخدامها ضدك عن طريق تقديمها “هدية بريئة” لزوجتك، أمّ أطفالك! ناهيك عن خدمات المعلومات التي نقدمها طوعاً وعن طيب خاطر للأجهزة الاستخبارية عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر.
آخر هذه الألعاب الإلكترونية التي تحوم حولها الشبهات بأنها قد اشيعت من قبل وكالة الأمن الوطني الأميركية NSA، هي لعبة الطيور الغاضبة، أي الطيور الكامنة في دواخل هاتفك الذكي والقادرة على التحليق في عالمك الشخصي دون أن تشعر!

إلى الأعلى