الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مدخل إلى الأدب والقيم (1)

مدخل إلى الأدب والقيم (1)

علي عقلة عرسان

”.. هل الأدب يقدم فعلاً “أبرز تمثيل للأخلاق وأفضل تعبير عنها” كما قال توماس وارتون، أي هل يمكن أن ننظر إليه بوصفه سجلاً للأخلاق؟! وأية أخلاق يسجِّلها الأدب في هذه الحالة: هل هي الأخلاق المحددة ببيئة وثقافة، بزمان ومكان، بتاريخ وجغرافية، بموقف وحالة يطول مداها أم يقصر؛ أم هي الأخلاق بالمطلق التجريدي للكلمة وبالمفهوم الشامل للإنساني؟!.”
ــــــــــــــــــــــــــ

الدماء تسيل بغزارة في حروب الشعوب، وكل الدماء التي تسيل في الحروب مقدسة في تاريخ الشعوب.
أود بداية أن أشير، في مدخل حديثي عن “الأدب والقيم”، إلى تمايز قائم بين مفهومين معروفين شائعين لكلمة أدب أو مدلولين لها:
أولاً: الأدب: الذي هو صفات الإنسان الخُلُقيَّة، المتصل بعلم الفضائل وكيفية التحلِّي بها، ومعرفة الرذائل وكيفية تجنُّبها؛ لتصلح بذلك النفس فتصلح بصلاحها الحياة بنظر الإنسان، ومن ثم يُقبل المرء عليها إقبال الباني لها، المتمسك بها، المستمتع بأيامه فيها. وهو علمٌ يكاد يختصر الدين بأنه: إتمام مكارم الأخلاق، وحسن المعاملة؛ حيث لا فصل بين الخُلُق والسلوك والعمل، بين الدين والدنيا: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً” على حد قول عبد الله بن عمر، وهو قول مستمد من الآية الكريمة: ” وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين” / سورة القصص الآية 77.
وقد أشار الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الأدب، أدب النفس، بالقول: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”؛ وفي ذلك علمٌ بالحياة، خيرِها وشرِّها، وإيمانٌ بالله، ورضا بحكمه وتسليمٌ بحكمة تكليفه للعبد أياً كان ذلك التكليف.. وفيه أيضاً خلُقٌ حسنٌ، وعملٌ بذلك الخُلُق، وحثٌّ على احترام تلازم القول والعمل، القيمة والسلوك؛ وتحمُّل تبعات ذلك، لا سيما في مجتمعات قد لا تقر هذه القواعد ولا تقيم لها وزناً، وتأخذ بالذرائعية والبراغماتية.
وقد اعتبر العرب في دارج قولهم، منذ ما قبل الجاهلية حتى اليوم، أنه “كاد الأدب أن يكون ثلثي الدين”.
ثانياً: الأدب، الذي هو أساس المعطى الثقافي في العلوم الإنسانية، وهو نوعٌ من معرفة، وضربٌ من ضروب الإبداع بفن الكلام، الذي يحلّق بجناحيه: الشعر والنثر؛ مذ وُجِد الإنسان والوعي، ووجدت لديه الرغبة والمعاناة، ووجد الشوق في جسده وروحه، والتَّوْق إلى التعبير عنده عن حاله ومعاناته وتجاربه في تأمله وحياته وتألق روحه وذاته.
وقد يكون الأدب – الفن لصيقاً بالفضيلة وعالم القيم، وقد يخرج عليهما جزئيًّا أو كليًّا مدَّعياً لنفسه تحرراً من كل التزام يعُدّه قيداً للحرية، بما في ذلك الالتزام بالقيم والفضائل ذاتها؟! ففي عُرف بعض المبدعين أنهم ليسوا دعاة، وأن الدعاية أو الدعوة، تفسد صنعتَهم، حتى لو كانت دعوة للعقيدة أو للفضيلة ذاتها؟! وهذا لا ينفي أن يزهوَ بعض الداعين للإيمان أو للقيم على أرضية الإيمان بدعواهم، وأن يزهو بعض الداعين للأيديولوجيا بأنهم يفعلون ذلك باقتناع يصل إلى درجة الهوَس، ويرون فعلَهم نضالاً بنَّاءً، وتصبح دعاواهم ” إبداعاً “، ولو بنظر مريديهم على الأقل!!
والأدب يعتمد “التخييل، والابتكار، والتخيّل ” على حد تعبير الكاتبين ويلك ووارين في كتابهما نظرية الأدب، ويقدِّم واقعاً فنياً بتشويق وتكثيف، وتجربةً إنسانية باجتزاء عناصرها أو مقوماتها من محيطها الطبيعي ثم إعادة تركيب تلك الأجزاء أو العناصر في إطار فني، وتوظيفها في عمل هادف ـ ولو إلى الإثارة ـ ينشُد المتعة والفائدة والتسلية وربما الإدهاش، من خلال أجناس أو أنواع أدبية منها: الشعر- القصة- الرواية- المسرحية- المقامة ـ المقالة- الملحمة ـ والحكاية الشعبية أو فن السيرة، وما يدخل اليوم في مجالات الأدب، أو يزاحم ليدخل في مجالاته، من فنون الدراما: السينمائية والإذاعية- ومسلسلات التلفاز؛ على تفاوت كبير في المستوى والعمق والرؤية والتأثير بين نصوص ونصوص ضمن النوع الأدبي الواحد، وبين أنواع وأنواع أخرى في عالم الأدب العام، الذي يتصل اتصالاًً مباشراً ووثيقاً بالفكر والفلسفة والتاريخ والاجتماع، أي بالحياة في شمولها وعمقها واتساعها.
أما القيم فعالم تتداخل فيه الفلسفة والأخلاق والعقائد، وقد تتأثر تأثراً مباشراً بالأيديولوجيا والسياسة وببعض مفاهيم الإنتاج، وتدخل في تكوين المعايير؛ ولا يمكن فصل عالم الإبداع عن عالم القيم، الذي نجد فيه: القيم الدينية المتصلة بعلم الأخلاق وعلم الفضائل على أرضية الإيمان والعمل به؛ كما نجد فيه القيم الإنسانية، والقومية، والوطنية، والاجتماعية، والجمالية، تلك التي توجد ـ أو يُفْتَرَضُ وجودها ـ في كل إبداع أدبي أو فني، على تفاوت فيما بينها، وفي مظاهر الكون والخلق والحياة: “إن الله جميل يحب الجمال”.
وقد تهيمن قيمةٌ أو منظومة من القيم على مناخ الإبداع وعلى شخصية المبدع فتصبح هاجسَه العام وشغلَه الشاغل: تحرِّك مشاعره وشخصياته وحوارَه وأفكارَه وأداءه، وتستنفد طاقته وأدواته وجهدَه الخلاَّق. ولكن هل يستطيع الإبداع، أياً كان نوعه وأياً كانت درجته ومستواه، أن يولد خارج عالم القيم؛ وأن يعيش، إذا تجرَّد عن كل نوع من أنواع تلك القيم، وأن يحقق تأثيراً ويُكتب له خلود؟!
إنني أشك في ذلك، وأقول بعدم إمكانية تحققه بالمعنى المنشود لذلك التحقق، وبضعف قدرته على التأثير، وبانعدام إمكانية تمتُّعه بالخلود حتى إن تحقق؛ ذلك أنني أرى أن شرارة الإبداع الحق تتولَّد من خللٍ عاصفٍ واحتكاكٍ شديدٍ يقعان بين عالمين متصادمين:
1 ـ عالم الشخصية المبدِعة: الأديب أو الفنان، في عمق التكوين المعرفي والوجداني والمبدئي والقيمي- الخُلُقي لصاحبها، وفي انتمائه القومي والوطني والأيديولوجي، واختياراته المبدئية، وما يتكوَّن لديه من مواقف وأحاسيس وردود فعل ورؤى؛ في أثناء العيش والتفاعل مع الآخر ـ سواء أكان الآخر إنساناً أو كائناً حياً أو منتَجاً لكائن حي يحمل شخصيته وحيويته وحضوره، قريباً كان أم بعيداً، مقبولاً كان أم مرفوضاً، من داخل التاريخ والبيئة أم من خارجهما ـ استناداً إلى أرضية معيارية مبدئية، مؤثرة فيه داخلياً ومحرِّكة له روحياً، يؤسسها تكوينُه الثقافي العام المتمايز عن التكوين الثقافي للآخر.
2 ـ وعالم آخر، مركَّبٌ ومتداخل، تخلقه البيئةُ المحيطةُ بالمبدع، والمجتمعُ الذي يعيش فيه ومعاييرُ ذلك المجتمع وتاريخه وتقاليدُه وأعرافه وأحكامُه على الفعل والسلوك والتعامل وأسلوبِ العمل والوصول إلى المصلحة أو الهدف، وعلى أنواعُ السلوك وأشكالُه والتطلعاتُ التي تحكم الأداء؛ كما يساهم في خلق ذلك العالَم الواقعُ الذي يرزح تحت كابوسه الناسُ في ذلك المجتمع؛ أي عالم الممكن، وما يفرض نفسه بقوة وقسوة فيه وعليه، جرَّاء التردِّي المادي والمعنوي، فيجعل حتى الممكن حلماً منشوداً، هذا من جهة؛ وعالم الشخص بتكوينه العام وتطلعاته وأحلامه ورؤاه وحريته وتوقه إلى الأفضل من جهة أخرى.. إنه في المحصلة مناخ يخلقه عالم المجتمع وما فيه من قيود أو مفاسد أو أعباء أو معاناة يراها الشخص قيداً وغِلاً يستحقان التمرد عليهما والدعوة إلى ذلك التمرد والتحريض عليه.
وهو احتكاك قد يكون تناقضياً حاداً بين عالم المثل من جهة وعالم الإمكان والتحقق من جهة أخرى، أو بين حالة موضوعية وأخرى شخصية أو إبداعية؛ إذ ليس من الضروري أن يكون الاحتكاك ناتجاً فقط عن جانب سلبي في المحيط الحي أو في محيط مسكون بإبداع موروث ومشبعٍ به؛ فقد يكون ناتجاً عن تحريض للأعماق جَرَّاء التواصل مع إبداع يدفع إلى الإبداع، أو استشراف مستقبلي تدُق أبوابَه ريادةٌ سامية الأهداف وتطلعاتٌ طموحة. وليس كل ما في المجتمع وما في الحياة هو بالضرورة شرٌ أو معوّق للفرد الذي ارتضى أن يعيش في مجتمع يحكمه القانون أو تحكمه الشريعة، واكتفى بحرية وضعيَّة متنازلاً عن الحرية الطبيعية. وليس كل ما يتطلع إليه الفرد وما يسجِّله الإبداع الأدبي هو بالضرورة خيرٌ مطلق، ومدخلٌ يفضي إلى السعادة ويدق أبواب النعيم، فقد يكون في ذلك الفاسد المفسِد والمفضي إلى التخريب والتدمير؛ ولكن الحساسية المرهفة لمشاعر المبدع، وصفحة المرآة المقعَّرة التي يحوِّل فيها الأديب رؤيته إلى محرِق، قد تسجِّل اكتشافاً أو استشرافاً يستشعرهما هو قبل سواه، ويؤديان إلى رؤية أشمل وعلاقات أفضل وحياة أكمل وأجمل، تقتضي انقلاباً على ما هو سائد وقلبَه .
وقد تكون بعض تلك الرؤى أضغاثَ أحلام ونزوعاً مريضاً أو طوباوية من نوع ما، ولكن تقديمها بقالب فني وروايتَها وإيصالَها بقوة تأثير وسائل الإيصال الفنية وهالتها الإعلامية المرافقة.. قد يجعلان منها شيئاً ممتعاً لا يخلو من تأثير.
وليس كلُّ المتع ضارة، كما أنه ليس كلُّ مدَّع للرؤية والكشف والريادة يقدم شيئاً ممتعاً، وأنه زرقاء اليمامة. ولكن ما الذي يحصِّن النفس من سحر المكتوب والمنتَج بقوالب جمالية، وكل ذلك له سحره وتأثيره؛ لا سيما إذا دغدغ الغرائز والعواطف، و/ أو كان محاطاً بهالة دعاية إعلامية ـ أيديولوجية تصنعها وتحميها ” ميليشيا ” ثقافية مدرَّبة على أساليب التعظيم والتقزيم .. الإضاءة والتعتيم، تربك النقد وتخيف نقاداً، وتعطِّل وعي الناس وتحشد رأيهم بالاتجاه الذي تريد لا الذي تقتضيه الموضوعية والذوق السليم، ولا يردعها عن فعلها ذاك رادع داخلي من أي نوع!؟.
وللأدب، حتى لو لم ينذر نفسه للفضيلة، للأدب فضيلته الخاصة التي يؤكدها ” توماس وارتون ” أول مؤرخ حقيقي للشعر الإنجليزي حيث يقول: ” إن للأدب فضيلةً تخصه وهي التسجيل المخلص لسمات العصر، والحفاظ على أبرز تمثيل للأخلاق وأفضل تعبير عنها.”.
ولنا أن نتوقف هنا قليلاً لنطلق عنان السؤال الآتي في فضاء هذا الاعتقاد الراسخ أو شبه الراسخ:
هل الأدب سجلٌ تاريخي، أو نوع من التاريخ الاجتماعي والوطني والقومي؟! أظن أن أكثر المؤرخين يرفضون هذا، ولكنهم جميعاً لا ينكرون ما قد يقدمه الأدب للتاريخ من معطيات تعجز عن تسجيلها وتدقيقها وتشخيصها قراءاتُ التاريخ الاجتماعية واستقراءاته واستخلاصات أكثر المهتمين به وملاحظاتهم.
وهل الأدب سجلٌ اجتماعي.. أو سجلُّ المجتمع وخلاصتُه في مرحلة ما ؟! إن غنى المجتمع وتنوّعه، وما فيه من تداخل مصالح ومبادئ وقوى وسياسات وآراء وشخصيات ونفسيات مختلفة، يبدو، بالنسبة للأدب الذي يحاول أن يمثِّله أو يسجِّله، كالمحيط الذي يفرز موجة ما ويدفعها في مداه: إن الموجة من المحيط ولكنها ليست هو، وقد تعبِّر عن حالة من حالاته وتحمل بعض صفاته ومواصفاته، ولكنها تبقى الجزء الذي يدخل في الكل ولا يمكن أن يعطي صورة شاملة كاملة عنه، أو أن يكون بديلاً له؛ فللمحيط أعماقه وأحياؤه وماؤه ومناخُه والجغرافية الشاملة التي يشكِّلها وله موقعه من الأرض ومن حياة الناس والأحياء فيها ومن الأحياء فيه؛ وللناظر إلى المحيط: قدرة ورؤية ومزاج وهوى وحاجات ومصالح وغايات، تجعل فهمه أسيراً لها على نحو ما؟!!
وهل الأدب يقدم فعلاً ” أبرز تمثيل للأخلاق وأفضل تعبير عنها” كما قال توماس وارتون، أي هل يمكن أن ننظر إليه بوصفه سجلاً للأخلاق؟! وأية أخلاق يسجِّلها الأدب في هذه الحالة: هل هي الأخلاق المحددة ببيئة وثقافة، بزمان ومكان، بتاريخ وجغرافية، بموقف وحالة يطول مداها أم يقصر؛ أم هي الأخلاق بالمطلق التجريدي للكلمة وبالمفهوم الشامل للإنساني؟! وهل هناك مفهوم شامل ومتفق عليه ومستقر في الأداء لـ الإنساني على الخصوص؟! ألا يبدو في أحيان كثيرة أن الإنسان موجود و ” الإنساني ” مفقود، وأن هناك ما هو إنساني مشترك نستشعره في الإبداع وتفتقده في الواقع وفي النزوع البشري والدوافع ومسوِّغات الأداء ذي الصبغة المنافية للإنساني والخلقي في حالات كثيرة ؟!
وهل الأدب هو: خلاصةُ الفكر، وصوت الأيديولوجيا، ولون السياسة أم هو وجهها الذي تُصعِّره للناس وتواجه به الحياة، وتحاول أن تلفِّق فيه موقفاً يجمع بين المبدئي والبراجماتي، على نحو يحقق ما قالت به يوماً مادلين أُولبرايت: “علينا أن نجمع بين التقيد بالمبادئ وبين الشعور البراجماتي بما يمكن أن يحقق المرتجى.”؟! وهل هذا ممكن مع المحافظة على مناخ الإبداع وحرية المبدع وتألق الاستقلالية؟!
هذا التساؤل يسمح لنا بأن ندخل قليلاً إلى هذا العالم المشحون بالتناقضات والاعتراضات والاختلافات، التي تبدأ من المفاهيم المتصلة بالقيم وتنتهي بعلاقة الأدب بالسلطة وبماهية الالتزام وإمكانية القول بـ: الفن المجرَّد أو بالفن للفن. ونطرق هذا المدخل بسؤال: هل الدور الذي للأدب بعيد عن التوظيف السياسي والاجتماعي ونتائجهما على الحياة والناس؟! وهل هو مما يُتَّفق عليه وعلى تقويمه في كل مجتمع من المجتمعات، وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ في المجتمع الواحد؟! وهل القيم التي يستند إليها الأدب، أو التي يحملها ويتوافق معها ويدعو إليها، هي مما يُتَّفَق عليه أيضاً؛ بَلْهَ على الأحكام التي يطلقها والأوصاف التي يقدمها؟!

إلى الأعلى