الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. عودة بريطانيا وفرنسا للخليج .. في ظل انكشافات التراجع الأميركي

العين الثالثة .. عودة بريطانيا وفرنسا للخليج .. في ظل انكشافات التراجع الأميركي

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

أصبحنا فجأة الآن أمام انكشافات واضحة العيان لحقيقة وخلفيات التراجع الاميركي الدراماتيكي في الخليج، وبنفس الانكشافات، ظهر خليجنا العربي عاجزا عن حماية نفسه بنفسه من اية تهديدات خارجية، فأين المليارات السنوية التي تنفق على شراء احدث الأسلحة؟ الم تكن هذه الدول تعد العدة لمثل هذا اليوم؟ والتساؤل الذي يطرح هنا يكمن حول القوة الاجنبية البديلة التي ستحل مع القوة الاميركية، وهل سيتم احياؤها من حقبة ما قبل السبعينيات أم هي قوة عالمية جديدة على المنطقة؟ وفي كلتا الحالتين، هل ستكون عملية الاحلال بالاتفاق بين القوى العالمية الرأسمالية القديمة أم حربا جديدة حول النفوذ والمصالح في الخليج ؟ ولماذا يحدث الآن التراجع الاميركي للخليج؟
وبنفس الانكشافات ظهرت لنا بعض دول المنطقة مرتبكة والبعض الآخر قلقة جدا ليس من التراجع الاميركي فقط وإنما كذلك من معرفة حقيقة النوايا الاميركية في المنطقة والتي تذهب إلى تشكيل قيادة اقليمية جديدة في الشرق الاوسط تتفاوض معها الادارة الاميركية حاليا على خلفية الملف النووي الايراني بعد أن اختبرتها في عدة مهمات أمنية عسكرية مشتركة في المنطقة مما تولد لدى الادارة الاميركية قناعة بدور ايراني جديد في المنطقة يتناسب مع حجمها الإقليمي، ومؤشرات هذا الاستنتاج كثيرة، منها، ما صرح به أحمد بخشايش اردستاني أحد اعضاء لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في مجلس النواب الايراني قبل ايام قليلة أن ايران واميركا قد ادركتا أنهما لا يستطيعان التخلي عن بعضهما البعض، ويجب أن يتعاونا معا لخلق الامن والاستقرار في الخليج، إذن هناك تحولات كبرى تحدث في الخليج حاليا، وتسبب ذلك الارتباك، وهذا الاخير له صور كثيرة، أحدثها،التفكير في اقامة تحالف عسكري يضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والمغرب والأردن، وهذه خطوة ترجع بالخليج الى الوراء كثيرا الى زمن الاحلاف العسكرية، ولسنا ندري كيف يتوقع لمجرد التوقع أن ترى مثل هذه الافكار القديمة النور الان بعد رفضها قديما؟ لأنها فكرة فوق الواقع، مثلها فكرة الاتحاد الخليجي التي خرجت من رحم الرغبة الانية والاحادية تحت ضغظ الظرفية انذاك، ويتوقع لها أن ترى النور، فكانت فوق الواقع، لذلك لم تر النور، ليس لأن الكل ضد الاتحاد من حيث المبدأ، وإنما لأن بيئاته غير متوفرة، والعقلية السياسية نفسها لا تزال لم تتقدم إلى الامام قيد أنملة، وإنما هي في انتكاسة، حيث لا يزال الاصرار على الاتحاد قائما دون العمل على تجسيد اركانه واساسياته اولا، وهذا الاصرار دون البحث عن بدائل له، هو الذي يبعد الدول الست عن بعضها البعض، لذلك من الحكمة السياسية الابتعاد عن الفكرة واستكشاف مضامين بعيدا عن الأشكال الجاهزة التي تستحضر من التاريخ، والتاريخ نفسه له منها موقف سلبي، من هنا، فإن مستقبل الخليج العربي يحتاج إلى جلسات عصف ذهني عميقة، مبتكرة وغير تقليدية، وهذا للأسف لم يحدث، فتقليدية الفكر يبدو أنها سوف تصطبغ على كل مراحل الخليج المقبلة، بدليل، فكرة الاحلاف، وبدليل، عودة بريطانيا إلى الخليج لملء الفراغ بعد أن انسحبت منه عسكريا في السبعينيات، فعودتها تتجلى هنا من خلال اقامة قاعدة عسكرية (..) بل ولها أهداف كبرى كشف عنها صراحة وزير دفاعها فيليب هاموند وذلك عندما قال في تصريح لصحيفة الديلي تليجراف أن بريطانيا وفرنسا تنويا تولي دور أمني أكبر في الشرق الأوسط، وكشف كذلك أن حكومة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون همت قبل اربع سنوات نحو إحياء التحالفات القديمة مع دول الخليج التي تشكل الأولوية الرئيسية لسياستها الخارجية، وموضحا كذلك أن القاعدة البريطانية الجديدة في الخليج ستستضيف مدمرات البحرية الملكية، فضلا عن اثنين من حاملات الطائرات الجديدة التي يجري بناؤهما، فهل هي عودة للماضي وفق دوافعها السياسية القديمة أم هي عملية اعادة توزيع الادوار بين الدول الكبرى للحفاظ على مصالحها في المنطقة؟ فبريطانيا وفرنسا ليستا القوتين الوحيدتين التي تعلنان عن شغل الفراغ الاميركي في المنطقة، بل هناك ايضا كندا التي اعلنت على لسان وزير خارجيتها جون بيرد عن تواجد بلاده العسكري والأمني في منطقة الخليج العربي، مشيراً إلى “وجود قاعدة عسكرية كندية في (..) وتواجد حوالي خمسة وعشرين شخصاً في (..) يعملون في مجال الاستخبارات ومجالات أخرى”، مؤكداً “على توقيع عدة بروتوكولات واتفاقيات دفاعية مع معظم حكومات أخرى في المنطقة”.
إذن ، خليجنا العربي يدخل الآن في دورة تاريخية جديدة دون استفراد اميركي بأمنه وبمصالحه، وإنما بمشاركة غربية وذلك بعد أن حولت واشنطن بوصلتها نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ في تحول لموازين القوة في القرن الحادي والعشرين، في المجالات الاقتصادية، والسياسية والعسكرية مما سرع من التقارب بين الصين وروسيا لتشكيل تحالف اقتصادي بين البلدين، وهذا يعني أن الأولوية في حماية المصالح الاميركية قد انتقلت إلى شرق اسيا، بينما حمايتها ستتم بالمشاركة مع بريطانيا وفرنسا وكندا بعد أن تكون قد احتوت ايران عبر اعطائها اقليمي لو على حساب حلفائها التقليديين في الخليج، وهذا ما يقلق معظم دول الخليج العربية الآن، يقلها الوضع في كل الاحتمالات التي سوف تسفر عنها نتائج مفاوضات الملف النووي، سواء اتفقوا على الحد من الطموحات النووية الإيرانية، فذلك سوف يبرز طهران كقوة اقليمية كبرى أو لم يتفقوا، فذلك يعني ولادة قوة نووية اقليمية مخيفة، فهل كانت الثقة العمياء في واشنطن في محلها؟ وهل سيتم نسخها من العائدين إلى الخليج مجددا ؟ للموضوع تكملة.

إلى الأعلى