الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة المزمل (10)

سورة المزمل (10)

فى هذه السورة أمر الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بقيام قدر كبير من الليل، للصلاة وقراءة القرآن مرتلاً فيها، فقام هو وطائفة من الذين معه، ثم خفَّف الله عنهم فى آخرها، وأمرهم بالصلاة والزكاة والصدقة والاستغفار. وفى أثنائها أمره بالصبر على ما يقول المكذبون، وتركهم لما أعده الله لهم من العذاب، وهدد الكافرين بمثل العذاب الذى وقع على فرعون ومن معه حين عصوا رسول ربهم وخوفهم ببعض أهوال القيامة وهي سبع وعشرون آية ، مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر وقال ابن عباس وقتادة : إلا آيتين منها :
(وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) والتي تليها ؛ ذكره الماوردي. وقال الثعلبي : قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى) إلى آخر السورة ؛ فإنه نزل بالمدينة.
فالى التفسير مع الامام القرطبي ..
قال تعالى:
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
السابعة: قوله تعالى:(عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) .. الآية ، بيّن سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليهم قيام الليل، ويشق عليهم أن تفوتهم الصلاة ، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك ، فخفف الله عن الكل لأجل هؤلاء. و”أن” في “أن سيكون” مخففة من الثقيلة؛ أي: علم أنه سيكون.
الثامنة: سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله ، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد ؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله. وروى إبراهيم عن علقمة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):”ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء” ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وقال ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا ، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء. وقرأ (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ) الآية. وقال ابن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إلي من الموت بين شعبتي رحلي ، ابتغى من فضل الله ضاربا في الأرض. وقال طاوس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. وعن بعض السلف أنه كان بواسط ، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة ، وكتب إلى وكيله: بع الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غدٍ، فوافق سعة في السعر ؛ فقال التجار للوكيل: إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه ، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك ، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا! إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافا لا علي ولا لي. ويروى أن غلاما من أهل مكة كان ملازما للمسجد، فافتقده ابن عمر ، فمشى إلى بيته ، فقالت أمه : هو على طعام له يبيعه ؛ فلقيه فقال له: يا بني! ما لك وللطعام؟ فهلاّ إبلاً ، فهلاّ بقراً ، فهلاّ غنماً! إن صاحب الطعام يحب المحل، وصاحب الماشية يحب الغيث.
التاسعة: قوله تعالى:(فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) أي: صلوا ما أمكن ؛ فأوجب الله من صلاة الليل ما تيسر ، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدم. قال ابن العربي وقد قال قوم : إن فرض قيام الليل سن في ركعتين من هذه الآية ؛ قال البخاري وغيره ، وعقد بابا ذكر فيه حديث “يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد ، يضرب على كل عقدة مكانها : عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله أنحلت عقدة ، فإن توضأ انحلت عقدة ، فإن صلى أنحلت عقده كلها ، فأصبح نشيطا طيب النفس ، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان” وذكر حديث سمرة بن جندب عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرؤيا قال: “أما الذي يثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة”. وحديث عبدالله بن مسعود قال: ذكر عند النبي (صلى الله عليه وسلم) رجل ينام الليل كله فقال : “ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه” فقال ابن العربي: فهذه أحاديث مقتضية حمل مطلق الصلاة على المكتوبة؛ فيحمل المطلق على المقيد لاحتماله له، وتسقط الدعوى ممن عينه لقيام الليل. وفي الصحيح واللفظ للبخاري: قال عبدالله بن عمرو: وقال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “يا عبدالله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل” ولو كان فرضا ما أقره النبي (صلى الله عليه وسلم)عليه، ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه ، بل كان يذمه غاية الذم، وفي الصحيح عن عبدالله بن عمر قال : كان الرجل في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا رأى رؤيا قصها على النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكنت غلاما شابا عزبا ، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار ، فإذا هي مطوية كطي البئر ، وإذا لها قرنان ، وإذا فيها ناس قد عرفتهم ، فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار. قال : ولقينا ملك آخر ، فقال لي : لم ترع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال : “نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل” فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا ؛ فلو كان ترك القيام معصية لما قال له الملك : لم ترع. والله أعلم.
العاشرة: إذا ثبت أن قيام الليل ليس بفرض ، وأن قوله:(فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)، (اقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) محمول على ظاهره من القراءة في الصلاة فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ به في الصلاة ؛ فقال مالك والشافعي: فاتحة الكتاب لا يجزئ العدول عنها، ولا الاقتصار على بعضها، وقدره أبو حنيفة بآية واحدة ، من أي القرآن كانت. وعنه ثلاث آيات ؛ لأنها أقل سورة. ذكر القول الأول الماوردي والثاني ابن العربي. والصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعي ، على ما بيناه في سورة “الفاتحة” أول الكتاب والحمد لله. وقيل : إن المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة ؛ قال الماوردي: فعلى هذا يكون مطلق هذا الأمر محمولا على الوجوب، أو على الاستحباب دون الوجوب. وهذا قول الأكثرين ؛ لأنه لو وجب عليه أن يقرأ لوجب عليه أن يحفظه. الثاني أنه محمول على الوجوب ؛ ليقف بقراءته على إعجازه ، وما فيه من دلائل التوحيد وبعث الرسل ، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه أن يحفظه ؛ لأن حفظ القرآن من القرب المستحبة دون الواجبة. وفي قدر ما تضمنه هذا الأمر من القراءة خمسة أقوال : أحدها جميع القرآن ؛ لأن الله تعالى يسره على عباده ؛ قاله الضحاك. الثاني ثلث القرآن ؛ حكاه جويبر. الثالث مائتا آية ؛ قال السدي. الرابع مائة آية ؛ قال ابن عباس. الخامس ثلاث آيات كأقصر سورة ؛ قاله أبو خالد الكناني.
الحادية عشرة: قوله تعالى:(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) يعني المفروضة وهي الخمس لوقتها. (وَآتُوا الزَّكَاةَ) الواجبة في أموالكم ؛ قال عكرمة وقتادة. وقال الحارث العكلي: صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل: صدقة التطوع. وقيل: كل أفعال الخير. وقال ابن عباس : طاعة الله والإخلاص له.
الثانية عشرة: قوله تعالى:(وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) القرض الحسن ما قصد به وجه الله تعالى خالصا من المال الطيب. وقد مضى في سورة “الحديد” بيانه. وقال زيد بن أسلم: القرض الحسن النفقة على الأهل. وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله.
الثالثة عشرة: قوله تعالى:(وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) وروي عن عمر بن الخطاب أنه اتخذ حيسا ـ يعني تمراً بلبن ـ فجاءه مسكين فأخذه ودفعه إليه. فقال بعضهم: ما يدري هذا المسكين ما هذا ؟ فقال عمر : لكن رب المسكين يدري ما هو وكأنه تأول:(وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) أي: مما تركتم وخلفتم، ومن الشح والتقصير. (وَأَعْظَمَ أَجْراً) قال أبو هريرة: الجنة ؛ ويحتمل أن يكون أعظم أجرا ؛ لإعطائه بالحسنة عشرا. ونصب “خيرا وأعظم” على المفعول الثاني “لتجدوه” و”هو” : فضل عند البصريين ، وعماد في قول الكوفيين ، لا محل له من الإعراب. و”أجرا” تمييز. (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) أي سلوه المغفرة لذنوبكم (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) لما كان قبل التوبة (رَحِيمٌ) لكم بعدها؛ قاله سعيد بن جبير. والله اعلم ..
انتهت حلقات هذه السورة .. والى سورة “الجن” في العدد القادم ان شاء الله تعالى.

المصدر: (تفسير القرطبي)

اعداد ـ ام يوسف

إلى الأعلى