الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى .. حرفنا العربي وليس حرفهم اللاتيني .. سبيلنا للتقدم

رؤى .. حرفنا العربي وليس حرفهم اللاتيني .. سبيلنا للتقدم

نتحدث بها ، وربما بالطفيليات التي علقت بها ، ونتعايش بمودة مع كل فيروساتها على مدار الساعة ، ومع ذلك لا نتذكرها ونصيح بمخاوفنا عليها من تلك الفيروسات إلا يوما واحدا في السنة ، يوم 18 ديسمبر، اليوم الذي اختارته الأمم المتحدة للاحتفال بفصحانا، لغتنا الجميلة التي جنينا عليها ونمارس ضدها حربا شرسة مع كل عبارة ننطق بها ، رغم أنها واحدة من أعرق وأكثر اللغات العالمية ثراء.
الآن يطل علينا من ينادي بكتابة العربية على شبكة الإنترنت بالحروف اللاتينية ، أو تلك اللغة التي يسميها الإنترنتيون “العربيزي” ، حيث تنطق كما العربية ، لكن الحروف لاتينية ، وتوظف فيها الأرقام كحروف فيما يشبه الشيفرة ، فرقم 2 يستخدم كهمزة ، وبالتالي كلمة سؤال تكتب so2al وكلمة سبأ تكتب saba2، ويقال إن ظهور الهاتف المحمول وراء ظاهرة “العربيزي” ، حيث تشغل الحروف اللاتينية والأرقام حيزا أقل وبالتالي يتم حشد الرسالة بكلمات أكثر !
وثمة سبب ثان يتعلق بظهور برامج الدردشة في التسعينيات عبر أنظمة اليونكس والتي لم تتح سوى الحروف اللاتينية للكتابة مما أجبر الكثير من العرب على استخدام الحروف اللاتينية، برامج الدردشة هذه ظهرت قبل ظهور الهاتف المحمول والرسائل القصيرة في البلدان العربية، حيث لم تكن الحروف العربية متاحة في الأجهزة الموصولة على شبكة الإنترنت، لكن هذا في النهاية عبث بأهم محاور هويتنا العربية والدينية!
إلا أنها ليست المحاولة الأولى للعبث بفصحانا من خلال الدعوة لاستخدام الحرف اللاتيني، فثمة محاولات عمرها أكثر من 130 عاما ، في عام 1880 أصدر ويليم سيبيتا مدير دار الكتب المصرية كتابه “قواعد اللغة العامية في مصر” دعا فيه إلى استخدام العامية واعتماد الحروف اللاتينية في كتابتها وضمن كتابه جدولاً مقارناً بين الحروف العربية، والحروف اللاتينية التي يقترحها.
وفي عام 1883 طالب اللورد دوفرين المبعوث الشخصي لملكة بريطانيا الى مصر، باستخدام العامية المصرية كلغة رسمية للتدريس .وحين تولى كار فولرس إدارة دار الكتب المصرية طالب بالشيء ذاته في كتابه “اللهجة العربية الحديثة”، وكأنه مثل سلفه يوجه ضربة مزدوجة للعربية ، استبدالها بالعامية ، وأن تكتب بالحروف اللاتينية !
وفي عام 1892 ألقى مهندس الري البريطاني “وليم ولكوكس” محاضرة بعنوان: “لماذا يفتقد المصريون القدرة على الإبداع ؟ ” وتطوع بالإجابة عن السؤال بقوله : لأنهم يتمسكون باللغة العربية الفصحى، وإن اللغة العربية الفصحى لا تصلح للإبداع!!
أما سلدون ولمور الذي تولى القضاء في المحاكم الأهلية بالقاهرة فقد أصدر عام 1901 كتابه “العربية المحلية في مصر” الذي تبنى فيه دعوة فولرس وسبيتا وكل المستشرقين الذين سبقوه ، وزاد على ذلك دعوته للأدباء بأن يكتبوا إبداعاتهم بالعامية ، وأن تؤسس لتلك العامية قواعد تنظم الحديث والكتابة بها ! وتطاير شرر الحرب على الفصحى ليصل إلى باريس حيث زعم المستشرق الفرنسي لويس ماسينون خلال محاضرة ألقاها أمام بعض من الشباب العرب في كوليج دي باريس عام 1929 أنه لا حياة للغة العربية إلى أن كتبت بحروف لاتينية.
والمذهل أن بعضا من كتابنا انساقوا وراء هؤلاء المستشرقين وزعموا ما يزعمون ، ففي جلسة عقدها المجمع اللغوي في القاهرة في 3 مايو عام 1943 دعا عضو المجمع عبد العزيز فهمي إلى إحلال الحروف اللاتينية محل الحروف العربية ، لكن المجمع رفض هذا الاقتراح، وليس حجة على فصحانا القول إن هناك من استخدموا الحرف اللاتيني في الكتابة مثل الفيتناميين والأتراك ، فهؤلاء وغيرهم لا يملكون لغة بعراقة وثراء لغتنا، وهل كل الفيتناميين والأتراك راضون عن أمر مثل هذا ؟
مؤخرا اتخذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قرارا باعتماد اللغة العثمانية لغة رسمية في التعليم الثانوي ، وهي اللغة التي كانت سائدة خلال الحقبة العثمانية ، وقوامها الحرف العربي ، إلا أن شوفينية الزعيم التركي كمال أتاتورك أطاحت بها في عشرينيات القرن الماضي واستبدلت الحرف العربي بحرف لاتيني في ظل مساعيه لـ”غربنة” الدولة التركية!
هل تعد الإنجليزية اللغة الأولى من حيث التواصل العالمي ، ومن حيث الاتكاء عليها في التخاطب العلمي والدبلوماسي ، وحقول أخرى كثيرة ؟ نعم ، هي كذلك بالفعل ، ومع ذلك تعد لغة فقيرة إن قورنت بفصحانا ، فمعجم لسان العرب لابن منظور الذي وضع في القرن الثالث عشر يضم أكثر من 80 ألف مادة ، بينما يحتوي قاموس صموئيل جونسون، وهو من أوائل من وضع قاموسا إنجليزيا من القرن الثامن عشر، على 42 ألف كلمة، كما أن القول بأن العربية لغة تراثية متحفية تعجز عن مواكبة التطورات العلمية والتقنية المذهلة التي يشهدها العالم ، فهذه ادعاءات يحاول الكثيرون في الخندق الآخر أن يشيعوها حتى بين أبناء العربية في إطار الصراع الحضاري والتاريخي الذي إن خفت فيه أصوات الرصاص لا تخفت أبدا مزاعمهم عن أننا أمة كسولة ، منغلقة ، لغتها متحفية لا تلبي مطالب العصر ، ولا تتواكب مع التقدم العلمي والتكنولوجي وتسارع دورات انتاج المعرفة ، وأحدث مؤامرتهم الآن ـ ولن تكون آخرها ـ محاولة تفتيت الجغرافيا العربية إلى عشرات الإمارات والدويلات والكانتونات . فما محاولة النيل من اللغة العربية إلا شكل من أشكال هذا الصراع المزمن الذي يخوضونه معنا لإزاحتنا من قلب الخريطة العالمية إلى الحواف!
ومثل هذه الادعاءات المتعلقة بعللنا اللغوية، مردود عليها بالدليل الياباني ، وأيضا الصيني ، فاللغتان اليابانية والصينية تتسمان بصعوبات جمة ، ومع ذلك نجح اليابانيون والصينيون من خلالهما في التواصل مع التطورات العلمية والتقنية التي شهدها الغرب ، بل وإحراز إنجازات ضخمة في مثل هذه الميادين!
وتخلفنا العلمي يعزى إلى أسباب أخرى لا علاقة لها بفصحانا ، أسباب تتعلق بأنيميا في الديناميكية الفكرية تشل قدرتنا على الحركة والتطور في كافة مناحي الحياة ، من السياسة إلى الاقتصاد إلى التعليم ، رغم أن ديننا يحرضنا على إعمال العقل !
وحسنا ما فعلت منظمة الأمم المتحدة حين اختارت عربيتنا إحدى لغاتها الرسمية يوم 18ديسمبر عام 1973 ، وحسنا أيضا ما فعلت الهيئة الاستشارية للخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية “آرابيا” التابعة لليونيسكو باختيار اليوم الذي أصدرت فيه الأمم المتحدة قرارها يوما يحتفى به سنويا ، ونستحضر فيه هموم الفصحى، فإن كان احتفاء المنظمتين الدولية والعربية بفصحانا خطوة على طريق ديمومة العربية لغة حية في معترك التواصل الإنساني ،إلا أن ذلك لا يكفي ، فلا مفر من اتخاذ قرارات جريئة لحماية العربية من غارات فيروسات العربيزي وتفشي العاميات في مواقع ينبغي ألا تحتمل حضورا آخر غير حضور الفصحى ، كالفضائيات والمدارس والجامعات،والمزعج فيما يتعلق بصراعنا اللغوي هذا، تباهي رجال الأعمال في الكثير من الأقطار العربية بإطلاق أسماء أجنبية على شركاتهم ،فلتتخذ قرارات جريئة ،لحماية فصحانا ،رمز هويتنا ،ومثل هذه القرارات الجريئة إن كان بمقدور مجلس جامعة الدول العربية اتخاذها ،إلا أنها في حاجة إلى غطاء سياسي ،وتشريعات تكفل المحاسبة القانونية لكل من يحاول أن يتعرض لجميلة الجميلات على الساحة اللغوية العالمية .
وأظنه قرارا موفقا للغاية ، هذا الذي اتخذته الهيئة الاستشارية للخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية (أرابيا) في سبتمبر الماضي ، أن يكون الحرف العربي العنوان الرئيسي للاحتفاء باللغة العربية في يومها العالمي هذا العام لما يمثله من قيمة رمزية للغة العربية المحتفى بها. وما يمثله كذلك من حضور لافت على مستوى الثقافات والحضارة البشرية بوصفه أحد الصور التي تجاوزت الرسم التواصلي الى الأعمال الفنية والإبداعية، إلا أنه لا ينبغي التوقف خلال طرح الباحثين خلال الندوات التي تنظم في تلك المناسبة على ما يفيض به الحرف العربي من جماليات أثرت الفن التشكيلي ، هذا مهم للغاية ، لكن ما لا يقل أهمية ، قدرة الحرف العربي على ضخ الحيوية في اللغة العربية لتواكب الانفجارات العلمية والتكنولوجية التي يشهدها العالم ، وأنه لا حاجة بنا إلى الحرف اللاتيني أو غيره، ليقوم بتلك المهمة .

محمد القصبي

إلى الأعلى