الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أُمَّةٌ منكوبة بـ”التكفيرية والجهادية”!

أُمَّةٌ منكوبة بـ”التكفيرية والجهادية”!

جواد البشيتي

“الجهاديون”، و”التَّكفيريُّون” هُمْ، أيضًا، من مشتقات وإفرازات “الإسلام السياسي”؛ ولو سألْتَ شابًّا من هؤلاء عن السبب الذي جعل “الأمَّة” مهزومة دائمًا في مواجهة إسرائيل، وفي الدرك الأسفل من الوهن والضعف، لأجابكَ على البديهة قائلًا إنَّ السبب هو أننا لم نبدأ بإصلاح أنفسنا؛ أمَّا هذا “الإصلاح” فمعناه عندهم هو الأخذ بـ”الطالبانية”، أو بما يشبهها، نهج حياة وأخلاقًا وسلوكًا..
وهذا “الإصلاح الطالباني” يبدأ بـ”التكفير”، أي بـ”تكفير” الغالبية العظمى من العامة من المسلمين لكونهم يلبسون ويأكلون ويشربون ويحتفلون ويفرحون ويحزنون ويتعلمون ويتزوجون.. في طريقة تخالف “شرع الله”، كما يفهمه ويتصوَّره ويفسِّره شيوخ هؤلاء الجهاديين، الذين ينظرون إلى أنفسهم على أنَّهم قوم اصطفاهم الله ليقيموا الحدود، ويطبِّقوا “شرعه”، ولو بنيران الحرب الأهلية بين “المؤمنين” و”الكفَّار”، الذين هم، في معتقدهم، الغالبية العظمى من العامة من المسلمين.
نحن الآن مُبْتَلون بجماعات، تشترِك جميعًا، على ما يُفرِّق بينها، في خاصية جوهرية هي أنَّ أيًّا منها لا يمكنه أن يؤكِّد وجوده إلاَّ بـ”سلبية مدمِّرة”، قوامها تكفير غيره من الجماعات، والغالبية العظمى من العامة من المسلمين، وفَهْم قتلهم وإيذائهم والاعتداء عليهم، وعلى ممتلكاتهم، على أنَّها أعمال لا تختلف في شيء عن جوهر عقيدة الجهاد في سبيل الله؛ إنَّ “التكفيرية” ليست دليلًا على حُكْم الأموات للأحياء؛ بل دليل على أنَّ الأحياء موتى!
“التكفير” جريمة؛ ولا بدَّ لمرتكبها من أنْ يُعاقَب أشدَّ عقاب؛ ذلك لأنَّ “التكفير”، الذي طالما لوَّن تاريخنا السياسي والفكري، يؤسِّس شريعةً للقتل، والاقتتال، ولإهدار الدم، ونشر الظلم، فلا أسوأ من إنسان يعتقِد أنَّه بتكفيره لمخالِفه في الدين والعقيدة والفكر، وبعقابه له، أو بالدعوة إلى عقابه، أشدَّ عقاب، يُرضي الله، فيرضى عنه، ويُكفِّر عنه سيئاته؛ وفي “التكفير” يغدو “المُكفَّر” في هيئة العدو الذي تُسْتباح (أي تصبح مباحة) الوحشية في محاربته.
وليس من عصبية مُعْمية للأبصار والبصائر، ومُنْتِجة للوحشية في الصراع، أكثر من العصبية الطائفية والمذهبية، التي من عواقب تسعيرها، أيضا، أن يغدو العدو (الحقيقي والأعظم) وليًّا حميمًا، والشقيق (والصديق) شيطانًا رجيمًا.
إنَّ عبارات مِنْ قبيل “أحلَّ الله هذا”، أو “حضَّ عليه”، أو “دعا إليه”، أو “أمرَ به”، ليست بالعبارات “المعدومة الأثر” في النفس والسلوك؛ ولقد شرح لنا أحد “الأمراء”، من الجماعات التكفيرية، تلك “المعايير الدينية”، التي بما يتَّفِق معها ينبغي لنا تمييز “العدو” مِنْ “غير العدو”، أي مِنَ “المسلم”، المستوفي لشروط انتمائه إلى الإسلام كما يُقرِّها، أو يفهمها، هذا “الأمير”.
وهذه المعايير لا مكان فيها، بحسب فَهْمه واجتهاده الديني، لـ”معايير وَضْعيَّة”، نُمَيِّز، بموجبها، “المدني” مِنَ “العسكري”، في أثناء “الجهاد”، فـ”المدني الكافر” دَمُهُ (وماله) مباح، في كل زمان ومكان، ما لم يكن “مسالِمًا للإسلام، مهادِنًا لأهله، لِذِمَّة أو هدنة أو أمان”، وما لم يكن مِمَّنْ نهى الله عن قتله كـ”الصبيان والنساء”. و”المسلم” المعصوم الدم أيًّا كان عمله ومحله إنَّما هو “المُنْتَسِب إلى الإسلام” انتسابًا يُقِرِّهُ “الشرع”، الذي يُقِرُّهُ هذا “الأمير” وطائفته. وعملًا بهذا التصوُّر الديني، يستطيع هذا “الأمير” وجماعته “تكفير” كثيرٍ مِنَ “المنتسبين إلى الإسلام”، أو القائلين بانتسابهم إليه، ويستطيع، من ثمَّ، إباحة دمهم ومالهم.
هذا “العدو الديني”، كما حدَّدَهُ هذا “الأمير”، شكلًا ومحتوى، إنَّما يشمل “غالبية المسلمين”، و”الغالبية العظمى مِنَ الجنس البشري”. حتى أولئكَ المسلمين “المعصومة دماؤهم وأموالهم”، لم يسْلموا مِنْ أعمال القتل التي يقوم بها هو وأمثاله؛ وقد بَرَّرَ قتلهم، مع وصفه لهم بـ”الشهداء”، إذ أفتى قائلًا: “إنَّهم يقيمون حيث يقيم العدو، وليس ممكنًا، من ثمَّ، قتل العدو مِنْ دون قتلهم وإيذائهم”. وبحسب هذا التبرير وأمثاله يمكن أنْ يشمل القتل أولئكَ الذين نهى الله عن قتلهم كـ”الصبيان والنساء” مِنَ “الكافرين”!
وشرور “الفكر التكفيري” تتعدى “المجتمع المسلم” إلى غيره مِنَ “المجتمعات الدينية”، وإلى “المجتمعات (أو الجماعات) اللادينية”، فـ”المُكَفِّرون” مِنَ المسلمين يُكَفِّرون، أيضًا، كل المتدينين مِنْ غير المسلمين. و”المُكَفِّرون” أنفسهم يتَّسِعون ويتنوعون، فليس مِنْ “مجتمع ديني” إلا ويُنْتِج مُكَفِّرين خاصِّين به.

إلى الأعلى