الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عن الفحص السريري الغذائي العربي

عن الفحص السريري الغذائي العربي

عادل سعد

قد تكون التشخيصات التي اعتمدها المنتدى العربي للبيئة والتنمية خلال انعقاده في العاصمة الأردنية عمَّان ضمن الأسبوع الأخير من الشهر الماضي واحدًا من أنجع التشخيصات التي طالت الأوضاع الاقتصادية في البلاد العربية خلال السنوات القليلة الماضية مع أن ما تم تشخيصه لم ينل اهتمام وسائل الإعلام إلا قليلًا جدًّا، إما لانشغالها بالنقل المباشر للمأتم السياسية والأمنية التي تجتاح الأرض العربية في أكثر من بقعة واحدة، أو احتفاليات منافسات الطرب العربي في تصدير هذا (المغني) أو ذاك في تصويتات الرأي العام التلفازي إذا صحت التسمية.
أقول إن ما ناقشه هذا المنتدى يستحق مساحة 90% من ساعات البث التلفازي والصحف والبث الإذاعي، وما ينشر في المدونات والفيسبوك ومواقع الإنترنت الأخرى، لو أن منطق الأولويات في الأهمية هو الذي يسود.
لقد قدم المشاركون في المنتدى فحصًا دقيقًا للجسم الزراعي العربي مشخصًا تدهور الموارد الطبيعية والتغير المناخي والسياسات الزراعية غير الملائمة وضعف الاستثمار في التكنولوجيا الحقلية، وتدني الكفاءة الاغراسية، والفجوة الغذائية التي يتواصل ارتفاعها مع ارتفاع النمو السكاني السريع وقضم الأراضي الزراعية لصالح إقامة أحزمة من المدن والعشوائيات، وتواري الأفكار التي من شأنها أن تصنع صحوة عربية اقتصادية تكون بالحد الأدنى بمستوى الصحوة الأمنية التي تتعثر الآن في أكثر من بلد عربي واحد.
إن ما شخصه هذا المنتدى ينبغي أن يكون على طاولة كل مسؤول حكومي عربي وكل أكاديمية زراعية، وكل خبير وفلاح وكل مسؤول عن حديقة عامة أو منزلية؛ لأنه يمثل أسبقية في وضع قائمة بالحاجات الأساسية لإنقاذ البلاد العربية من تفاقم الحاجة إلى الاكتفاء الذاتي غذائيًا، وإذا أردنا التفصيل في تفاقم الحاجات فيكفي أن ندرج القائمة الآتية عنها، المتعلقة بالنقص الحاصل في التعاون بين البلدان العربية زراعيًّا، والتدهور المؤلم في التنوع الحيوي، ونقص خيارات تأمين الأمن الغذائي، وتراجع البحث العلمي لصالح النظريات والحشو الذهني المعرفي على حساب البحث العلمي الزراعي التطبيقي، وانكماش القدرة البشرية والمؤسسية في اعتماد إصحاح حاسم لحماية البيئة، وإنقاذها من خطر التلوث، وما يحصل في قطاع الثروة الحيوانية من نقص شديد في إنتاج الغذاء الحيواني، مع العلم أن الوطن العربي في الحساب الجغرافي الدقيق أشبه بسفينة محاطة بالمياه مما يخوله أن يكون أكبر منتج للأسماك في العالم بما يحقق الاكتفاء الذاتي في هذا النوع من اللحوم المفيدة جدًّا.
ومن قائمة الحاجات الأخرى، الحاجة العربية للاقتناع بمبدأ الشبع المعقول للمعدة العربية، الأمر الذي من شأنه أن يقلل إلى حد بعيد من ظاهرة فضلات الأطعمة والغذاء التالف، أي أن نتعلم عربيًّا كيف يمكن ترشيد مائدة الطعام اليومية، وكذلك الحاجة اللازمة الآن بشكل ملح إلى القراءة المستقبلية عن الطقس والاحتمال المروع لإخطبوط الجفاف والزحف الصحراوي، مع العلم أننا عربيًّا نحتفظ برقم قياسي يصل إلى 6 كم مربع سنويًّا من هذا الزحف، وما يتبع ذلك من ملوحة وانتشار الأرض البور.
ولنا أيضًا أن نتوقف عند موضوع المشاريع المتوسطة والصغيرة والعائلية بالتمويل المالي على غرار ما فعله الرائد الباكستاني محمد خان الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد؛ لأنه استطاع أن يلتفت إلى الفقراء ضمن هامش التسليف المصرفي المتواضع، أي تسليف العائلة الواحدة من أجل شراء بقرة حلوب ودخول حيز المتاجرة في أسواق الألبان.
وأخيرًا، وما دمنا نتحدث عن قائمة الحاجات في هذا الشأن فأي حاجة أهم من أن يكون الاستقرار السياسي عنوانًا يوميًّا في الدول العربية من أجل الانتباه إلى الأوضاع الزراعية المزرية، وفي هذا الشأن لي أن أقترح على السيد نبيل العربي أمين عام جامعة الدول العربية إقامة متحف للمنقرضات في الميدان الزراعي العربي عسى أن تنفع هذه الذاكرة (المتحفية) في تحريك وزراء الزراعة في الدول العربية لوضع قائمة ضرورية لاستعادة حيوية الحقل الزراعي العربي، وفحص مصادر المياه فحصًا سريريًّا قبل أن يدخل العرب جميعًا مرحلة العطش الحقيقي المفتوح.

إلى الأعلى