الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / ألمانيا تقر موازنة عامة خالية من أي دين للمرة الأولى منذ عام 1969
ألمانيا تقر موازنة عامة خالية من أي دين للمرة الأولى منذ عام 1969

ألمانيا تقر موازنة عامة خالية من أي دين للمرة الأولى منذ عام 1969

برلين ـ “الوطن”:
طوى قسم كبير من الخبراء ومعاهد البحوث الألمانية تشاؤمهم الشديد الذي ظهر أخيرا فيما يخص سير النمو الاقتصادي في ألمانيا نحو الانكماش، ليعود الحديث من جديد عن تحسن في الإنتاج وفي الصادرات، ورغم تلبد الأجواء الاقتصادية في الفترة الأخيرة في ألمانيا لا تزال معدل الباحثين عن عمل فيها تسجل المزيد من التراجع في حين استعادت الصادرات الألمانية إلى الخارج زخمها القوي بعد كبوة مؤقتة، ما يؤشر إلى أن الربع الأخير من العام الجاري سيسجل نمواً ملحوظاً يتجاوز بكثير معدل النمو الذي تحقق في الربع الثالث “1ر0%”فقط.
وفي هذا السياق أظهرت مؤشرات النمو لبعض المعاهد الألمانية، وبخاصة لمعهد البحوث الاقتصادية الألمانية في ميونيخ الصادر أواخر شهر نوفمبر الفائت، عودة أجواء وتوقعات القسم الأكبر من الشركات السبعة آلاف التي يستفتيها إلى التحسن بعد ستة أشهر من التراجع المتتالي، فقد سجل مؤشر الأجواء ارتفاعا ملموسا من 103,2 إلى 104,7 نقطة مع تحسن واضح في مؤشر الوضع الحالي لأعمال الشركات من 108,4 إلى 110 نقاط، وكذلك في مؤشر التوقعات الذي ارتفع من 98,3 إلى 99,7%، الأمر الذي فاجأ الكثيرين، خاصة المتشائمين منهم، وفي أواسط الشهر الجاري صحح المعهد توقعاته المنخفضة عن معدل النمو في العام الحالي ورفعه من 1 إلى 1,5%، متوقعاً نتيجة مماثلة في العام المقبل، وأعاد سبب تفاؤله إلى تعزز الاستهلاك في ألمانيا .. مشيراً إلى أن هبوط سعر النفط وتراجع سعر اليورو ساعد على امتصاص صدمة أزمة أوكرانيا على الاقتصاد، أما معهد البحوث الأوروبية في مانهايم الذي يستعلم شهرياً آراء بضعة مئات من خبراء الاقتصاد والمال في ألمانيا فأظهر مؤشر النمو لديه الشهر الفائت ارتفاعاً في مؤشر التوقعات بنسبة 15,1 نقطة، وتحسناً بنسبة 0,1 نقطة في مؤشر الوضع الحالي للنمو بعد عشرة أشهر من التراجع.
يُذكر أن تقارير مجموعات من الخبراء الألمان أرجعت أسباب تباطؤ النمو في ألمانيا، الذي بدأ جيداً جداً مطلع العام الحالي، إلى الأزمات العديدة التي اجتاحت العراق وأوكرانيا، إضافة إلى استمرار ضعف النمو في دول منطقة اليورو والدول الصاعدة، وكذلك إلى قرارات الحكومة الألمانية المتعلقة بخفض سن التقاعد لبعض الفئات، وتحديد حدّ أدنى للأجور، إضافة إلى عدم الاتفاق على سياسة موحدة للطاقة وتحديد كلفتها، وسبق لاتحادات أرباب العمل الألمانية أن حذّرت من سلبية نتائجها على الاقتصاد وعلى الاستثمارات، وتوجت وزارة الاقتصاد والطاقة الألمانية تحسن المؤشرات ببيانات اقتصادية إيجابية أعلنتها الوزارة مطلع شهر ديسمبر الجاري في برلين، وفيها أن الصناعة الألمانية سجلت في شهر أكتوبر الماضي ارتفاعاً مفاجئاً في الطلب على منتجاتها بنسبة 2,5% مقارنة بشهر سبتمبر الذي سبقه، أي أكثر بخمس مرات مما توقعه الخبراء، ومعلوم أن الصادرات في شهر سبتمبر نفسه زادت بنسبة 5,5% عن شهر أغسطس الذي حصلت فيه كبوة، مسجلاً رقماً شهرياً قياسياً، وكان الخبراء يتوقعون زيادة في الطلب بمعدل 0,5% فقط.
وفي سياق مماثل عاد مؤشر داكس بعد تدهور له في بورصة فرانكفورت ليخترق من جديد حاجز العشرة آلاف نقطة وليسجّل 1087 نقطة، وهو رقم قياسي جديد له قبل أن يعود للتراجع من جديد بضعة مئات من النقاط، ومع ذلك لا يزال خبراء المال والعاملون في البورصة يتوقعون “نهاية سعيدة” لمسار المؤشر و”هدية جميلة” للمودعين في نهاية العام الحالي، خاصة بعد أن أعلن البنك المركزي الأوروبي أنه سيبدأ مطلع السنة المقبلة 2015 بتأمين المزيد من السيولة المالية للأسواق المالية، وبخاصة شراء سندات الدول المتعثرة في حال الضرورة، وهو أمر لم يفعله مسبقاً لكون البعض يعتبره مخالفاً للصلاحيات المعطاة له، ويجمع الخبراء على أن تراجع سعر النفط في العالم وانخفاض قيمة اليورو أمام الدولار سيساعد الاقتصاد الألماني على خفض كلفة الإنتاج، وبالتالي على تعزيز تنافسيته في الأسواق الدولية أكثر من السابق، وعقّب كبير خبراء مصرف Unicredit في ألمانيا على التحسن الحاصل في الأجواء والتوقعات فقال: إن الشركات الألمانية تجاوزت على ما يبدو تخوفاتها من تأثيرات أزمة اوكرانيا القائمة بين روسيا والغرب على أعمالها .. لكنه أضاف أن “من المبكر القول بأن التحسن الحاصل يشكل تحولاً واضحاً، إلا أن الأمر واعد جداً” .. وتوقع أيضاً تسارعاً في نمو الاقتصاد الألماني خلال الربع الأول من العام المقبل.
انخفاض معدل الباحثين
صرّحت الوكالة الاتحادية للعمل BA في نورنبيرج بألمانيا أواخر شهر نوفمبر الماضي بأن معدل الباحثين واصل الانخفاض في ألمانيا فتراجعت بمقدار 16 ألف شخصاً عن شهر أكتوبر و89 ألفا عن الشهر ذاته من العام السابق، وبذلك تراجع عدد الباحثين عن العمل إلى 2,717 مليون شخص مع تسجيل معدل للباحثين من 6,3%، وكان عدد الباحثين انخفض في شهر اكتوبر إلى 2,73 مليون شخص، وبالمقارنة مع شهر سبتمبر الفائت سجلت معدل لباحثين انخفاضاً في ألمانيا مقداره 75 ألف شخص، و68 ألفا عن الشهر ذاته من العام الفائت.
وشدّد رئيس الوكالة Frank Jürgen Weise في ألمانيا على أن سوق العمل الألماني لا يزال مستقراً رغم تباطؤ النمو الاقتصادي، مضيفا: أنه حتى مع استمرار النمو ضعيفاً في السنة المقبلة لا ينتظر أن تتأثر سوق العمل سلباً بذلك .. مشيراً إلى أنه يتوقع أن يبلغ متوسط الاحثين في ألمانيا 2,9 مليون شخص العام الجاري، و2,88 مليون شخص عام 2015 المقبل، ولفت في الوقت ذاته “إلى عدم وجود علاقة مباشرة وآلية بين نمو الناتج القومي السنوي ومستوى الباحثين عن عمل”، وأعلن المكتب الاتحادي للإحصاء في فيسبادن أخيراً أن عدد الوظائف في ألمانيا اخترق في أكتوبر للمرة الأولى حاجز الـ 43 مليوناً، بزيادة تبلغ 408 آلاف وظيفة، أي 1% تقريباً، عن الشهر المذكور من عام 2013.
ورغم توقع خبراء عودة معدل الباحثين إلى الارتفاع من جديد بسبب قانون الحد الأدنى للأجور الذي سيطبق مطلع العام المقبل (يقضي بدفع 8,50 يورو لساعة العمل الواحدة)، إلا أن آخرين يعتقدون أن تحسن النمو الاقتصادي المتوقع خلال السنة القادمة سيدفع من جديد في اتجاه خفضها، ونتيجة للضغوط التي مارسها أرباب العمل سيطبق القانون على مراحل، يستفيد منه في المرحلة الأولى نحو 3,7 مليون شخص على أن يشمل جميع قطاعات العمل في ألمانيا في نهاية عام 2017، ويتوقع خبراء أن يسبب القانون خلال السنة الجديدة 2015 فقدان 200 ألف وظيفة تقريباً.
ولا تزال حاجة الشركات الألمانية إلى المزيد من الأيدي العاملة عالية، وسجلت في شهر نوفمبر الماضي ثالث أعلى ارتفاع خلال السنوات الثلاث الماضية، وسجل مؤشر وكالة العمل الألمانية في هذا المجال 176 نقطة، وهو أقل بقليل مما سجلة في يناير من عام 2012 المزدهر. وأضافت الوكالة: أن التطورات الاقتصادية والجيوبولوتيكية الأخيرة تظهر أن مسألة زيادة أو خفض الوظائف ليست مرهونة بمجمل التطور الاقتصادي، وإنما بعوامل أخرى مثل استمرار الحاجة لدى قطاعات عمل عدة إلى الأيدي العاملة الماهرة. ويأتي ثلث عروض العمل المعروضة حالياً من الشركات التي تُشغّل العاملين بالساعة.

البوندستاج يقر الموازنة
للمرة الأولى منذ عام 1969 أقر البرلمان الاتحادي الألماني (البوندستاج) بأكثرية كبيرة موازنة عامة للبلاد للعام المقبل 2015م خالية تماماً من أي دين جديد، وسبق للحكومة الائتلافية المسيحية الاشتراكية أن أقرتها في مشروع قانون في أواخر الصيف الماضي وأحالتها إلى البرلمان، وانخفضت القروض التي استدانتها الدولة في الأعوام الماضية رويداً رويداً ووصلت إلى 6,5 مليار يورو فقط في موازنة السنة الحالية 2014.
وسيبلغ الحجم المالي للموازنة عام 2015 نحو 300 مليار يورو وحجم المصاريف 299,1 مليار يورو، بزيادة تبلغ 3 مليارات يورو عن مصاريف العام الجاري، وستتمكن الحكومة الألمانية بذلك من تحقيق توازن بين الدخل والمصروف بفضل نهج ضبط مصاريفها وممارسة التقشف من جهة، وتزايد مداخيلها من الضرائب والرسوم ودفع فوائد منخفضة على ديونها السابقة لن تزيد عن 1,3 مليار يورو هذه المرة من جهة أخرى.
وتشير التقديرات إلى أن الضرائب والرسوم سوف تؤمن لألمانيا نحو 277,5 مليار يورو عام 2015، يضاف إليها 23,9 مليار يورو هي في غالبها أرباح من حصص ألمانيا في شركة Telekom وشركة القطارات الألمانية، واستعادة اشتراكات زائدة دفعت لصندوق الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من انتقاد معظم معاهد البحوث والخبراء الألمان والأجانب مسعى تحقيق موازنة متوازنة في الظروف الحالية من أزمة الانكماش الاقتصادي في أوروبا، أصرّت برلين على اقرار القانون الذي يحمل بصمة الحزب المسيحي ووزير المال العضو فيه الذي اعتبر الأمر “تحدياً كبيراً لشخصه وللذين سيأتون من بعده في الوزارة، وكذلك مثالاً يحتذى به للحكومات الأوروبية المتعثرة”، ووعد شويبله بأن تبقى الموازنات الألمانية حتى عام 2018 على الأقل خالية من الدين.
يُذكر أن “تقرير الخريف” الصادر عن أهم معاهد البحوث في ألمانيا، وكذلك تقرير “مجلس حكماء الاقتصاد الألمان”، تراجعا أخيراً عن مبدأ “تحقيق توازن في موازنة الدولة بأي ثمن كان”، ولفتا إلى أنه “من وجهة نظر اقتصادية بحتة لا مغزى لهذا الهدف في الظرف الراهن” .. وشدداً على أن المطلوب حالياً هو أن “تنفذ ألمانيا استثمارات هادفة خصوصاً في البنى التحتية المتقادمة” حتى ولو اضطرت الحكومة إلى الاستدانة .. وأكدا أيضاً أن الاستثمارات هي المطلوبة الآن وستحرك الانتاج ليس في ألمانيا فقط، بل وفي الدول الأوروبية المتعثرة بصورة خاصة.

إلى الأعلى