الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تراجع…بصيغة معدَّلة!

تراجع…بصيغة معدَّلة!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

كلمة السر التي تحكم راهن التجاذبات في سياق آخر تجليات الحراك التصفوي للقضية الفلسطينية تكمن في مشترك آني واحد يجمع كافة الأطراف المنخرطة فيه، أو هو يتربع على رأس قائمة ما يجمعها وهي ليست بالقليلة نظرًا لآنيته. إنه الخشية من انتفاضة فلسطينية شاملة، والتكاتف موضوعيًّا لتطويق بوادرها المقدسية في محاولة للالتفاف على إرهاصات توسُّعها، منعًا لانتشارها في كامل فلسطين المحتلة.
الصهاينة ينظرون إليها بطبيعة الحال من زاوية أخطارها الأمنية على احتلالهم غير المكلف والمريح، ويتحسبون لتداعياتها المؤثرة في سياق احتدام الصراع وإنعاش روح المقاومة فلسطينيًّا وعربيًّا. والأوسلويون الفلسطينيون يرونها تأبينًا شعبيًّا لمسار تسووي تصفوي وعبثي مدمِّر سلكوه، ودفن نهائي لأوسلوستانهم التي تحولت إلى مجرَّد أداة أمنية في خدمة أمن الاحتلال. وعرب الأنظمة يعنيهم تفادي ما ستشكله لهم من حرج أمام الشعب العربي، أو أقله ما في اندلاعها غير المرغوب من إزعاج لقيلولة إدارة ظهرهم لقضيتهم القومية. والأميركان تقلقهم انعكاساتها السلبية على ما يحاولون نسجه من تحالفات إقليمية لا يعوزها التهتك في سياق استثماراتهم لحروبهم الداعشية المعيدة لبذر القواعد العسكرية الغربية في منطقة بدأت تعود أدراجها إلى أيام الاستعمار المباشر.
عندما نتحدث عن راهن التجاذبات نعني هذه المتعلقة بما كان ولا يزال يدور حول مسألة طرح مقترح القرار الفلسطيني المتبنى عربيًّا على مجلس الأمن بنصه الأصلي الذي يحدد مدةً زمنيةً لقيام دولة فلسطينية. هنا كان الصهاينة هم الأكثر وضوحًا في موقفهم من بين كافة الأطراف من حيث تعويلهم الواثق على الفيتو الأميركي لإجهاض هذه الخطوة، سواء لجهة طرحه بصيغته المعلنة، وربما حتى بديلها الأوروبي الساعي لتجنيب الولايات المتحدة الاضطرار إلى اللجوء إليه، ذلك باستبدال نص السنتين كمهلة محددة لقيام الدولة بهما كنهاية للمفاوضات. من هنا كان لقاء نتنياهو ـ كيري في إيطاليا، وتدخُّل بيريز لدى أصدقائه الفرنسيين. وذلك كله يأتي انطلاقًا مما أعلنه نتنياهو سلفًا قبيل سفره للقاء كيري، عندما اعتبر أن مبدأ إنهاء الاحتلال في حد ذاته يعادل خطرًا وجوديًّا على الكيان الصهيوني.
لا يخفى أن فلسطينيي أوسلو قد درجوا بدايةً على التلويح، ومن ثم التهديد، بالتوجه للأمم المتحدة، كممارسة منهم لحملة علاقات عامة، وكورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض، وسبيل من سبل محاولة تعبيد درب العودة غير السالكة لطاولته، ثم كوسيلة هروب إلى الأمام من استحقاقين هما: وجوب مراجعة مسار عبثي مدمِّر ومسدود الأفق رغم كل ما قدموا فيه من تنازلات كارثية، ومصالحة وطنية مستوجبة ومنشودة شعبيًّا لكنها بالنسبة لهم تظل مسألة تكتيكية، وتبقى عندهم في حكم المعلَّقة، بل وحتى الممنوعة، بحكم ما تقتضيه معادلة لا بديل للمفاوضات إلا المفاوضات… هذه المعادلة البائسة التي جعلت من ضرورة لجوئهم منذ أمد إلى الأمم المتحدة ووجوب الانضمام الفوري للمعاهدات الدولية أيضًا مسألةً تكتيكيةً، ظلوا لأمد يلوِّحون بها ويهددون لكنما دونما إقدام حتى وصلوا إلى هذه الآونة التي بات ما من مهرب لهم فيها من مواجهة استحقاقين إضافيين ضاغطين آخرين هما: كيفية التفلُّت من إيقاف التنسيق الأمني بعد اغتيال الوزير الشهيد زياد أبو عين، وتبرير تخلي “حكومة التوافق الوطني”، أو “المصالحة”، عن غزة وإعادة إعمارها، وتمرير الإشاحة عما يجري للقدس…إذن، لا بد مما ليس منه بد، وهو الإقدام أخيرًا على هذا المهرب الذي تدفعهم إليه هذه الاستحقاقات التي لم يعد لهم من مهرب منها؟؟!!
بالنسبة للموقف الأميركي، واستطرادًا ظله الأوروبي، رأينا أنه مقابل الوضوح الصهيوني حاول الأميركان غموضًا صعب المنال، فهم إذ يلتزمون عدم إغضاب صهاينتهم، ليس من مصلحتهم إضعاف أبو مازن أكثر مما هو عليه، وعليهم أن يضعوا في الحسبان أيضًا تعقيدات حروبهم الإرهابية على ما يسمى “الإرهاب” في المنطقة، لكنهم عند الضرورة تخلوا عن غموضهم وأبلغوا صائب عريقات في لندن بأنهم سوف يستخدمون الفيتو ضد المشروع العربي بصيغته القائلة بإنهاء الاحتلال في مدة محددة، أي أنهم يريدون ما يدجَّن التوجه الفلسطيني ولا يؤثر في الانتخابات الصهيونية، أو يحول دون فوز نتنياهو، ويعيد الطرفين بعدها إلى معهود طاولة المفاوضات. ومن هنا يأتي دور المشروع الفرنسي الذي لا يتطرَّق لإنهاء الاحتلال ويستبدل مهلة إنهائه بمهلة إنهاء التفاوض!
كما لم يأخذ الصهاينة تهديدات السلطة الأوسلوية بإيقاف التنسيق الأمني مع الاحتلال على محمل الجد، إذ وصفها الجنرال يعلون، مثلًا، بأنها “تهديدات فارغة”، لا تقلقهم كثيرًا مسألة التوجه لمجلس الأمن وإن هي أغضبتهم ولا يريدونها، لأنهم، وفي أسوأ الحالات، قد ضمنوا الفيتو الأميركي والتواطؤ الأوروبي المموه بسيل من الاعترافات المؤجلة، أو المعلقة، أو المشروطة بالتفاوض، بالدولة الافتراضية، والتي في ظل مستمر التهويد ومواصلة فرض الأمر الواقع تعادل تضليلًا مستحبًّا لمعشر المتعلقين بالخيوط العنكبوتية التسووية…
…ظهور صاروخ “علامة الاستفهام” الأبعد مدى مما سبق وعرف من أترابه يعرض في شوارع غزة، وتحليق “سجّيل” الطائرة بدون طيار في سمائها، وعبارات الشكر التي خص بها المحتفلون إيران تحديدًا في احتفالهم بذكرى انطلاقة حماس هناك، يقلق الصهاينة أكثر بكثير من قرع طبول التوجه للأمم المتحدة وتقديم المجموعة العربية لمشروع قرارها لمجلس الأمن… لا سيما بعد إعلان الأوسلويين أن المشروع الذي تتطلب مناقشته أسابيع هو مفتوح للتفاوض وقابل للتعديل، الأمر الذي سيأخذنا إلى ما بعد أعياد الميلاد ليذكِّرنا بعدها بما سبق وصرِّح به وزير خارجية السلطة رياض المالكي من لندن ومفاده أن العمل جارٍ للجمع بين مشروعي القرار الفلسطيني والفرنسي… أو عن تراجع دعاه “صيغة معدلة”!!!

إلى الأعلى