الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مدخل إلى الأدب والقيــــم (2)

مدخل إلى الأدب والقيــــم (2)

علي عقلة عرسان

قد يقول قائل: إن القيم الخُلُقية والإنسانية واضحة، جذورُها مشتركة ومعاييرها موحَّدة ولا خلاف عليها أبدًا!؟ ربما كان هذا صحيحًا من الناحية النظرية، وفي حال افتراض موضوعيةِ البشر وعلميَّتِهم ومثاليَّتِهم ونقائهم، ووجودهم في شرط عيش ومناخ متقاربين.. لكن الواقع غير ذلك، وتضارب الآراء حول قيمة ما ومفهومها وتطبيقها لا يلبث أن يضع المشكلة في العراء تمامًا وبحجمها الحقيقي.
فلو كانت أرضية القيم الدينية والخلقية والإنسانية، لدى البشر، مجرَّدة من الشوائب، موحَّدة المعيار، نزيهة وخالية من الأغراض والهوى ـ في الفهم والتفسير والتوظيف ـ تحكم المصلحة والسياسة والسلوك معًا.. لأصبح المشترَك الإنساني في هذا المجال هو الأساس في التفكير والتدبير والتواصل والتعامل، ولكان الهامش الخارج على ذلك ضئيلًا، ولساد الحياةَ عالمُ القيم الرفيعة الذي لا تنخره ازدواجية المكاييل ولا أدواء التعصب والتطرف والتمييز العنصري!! ولَمَا كان هناك أخيارٌ هم أشرار بنظر آخرين والعكس صحيح، ولَمَا وجدنا منذ “الفُرْس” مسرحية إسخيلوس في القرن الخامس قبل الميلاد إلى متميِّزي ـ عنصريي ـ سارتر في “أسرى ألتونا” القرن العشرين، هذا التعاطف ـ أو الانحياز المطلق ـ لفريق والتعصب الذي يفيض مقتًا وموتًا ضد فريق آخر.
ولكنّ تداخلَ القيم الوطنية والقومية مع ما يشكِّل أرضية الإنساني والخلُقي، وتفاعلَها في بوتقة واحدة على أساس عاطفي أو انفعالي أو تعصُّبي؛ وتقديم المصلحة والمنفعة: “الشخصية والاجتماعية والقومية ومصلحة الدولة” على القيمة الخُلُقية والإنسانية وعلى الموضوعية والشراكة الحقيقية بين البشر في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، بتوجّه براغماتي وفعل ذرائعي مسوَّغ في فلسفات وسياسات معتمَدَة في بعض الدول والمجتمعات، بعيدًا عن كل معيارية خُلُقيَّة صافية ورفيعة وشاملة؛ وجعل معيار السياسة هو المصلحة، ومصلحة بعض الأشخاص والفئات والاحتكارات والطبقات والساسة هي مصلحةُ المجتمع أو الدولة، وإعطاء تلك المصلحة مسحة خُلُقيَّة وإضفاء صفة الوطني والقومي وحتى الديني المقدس على السياسة المصلحيَّة الضيقة، من منظور سلطوي ـ دَوْلِي “قطري” أو بتأثير من ذلك المنظور، وإضفاء ثوب قومي على ذلك وتضميخه بالتضحية والشهادة، وإكسابه هالة بطولية خلقية وإنسانية مثالية أحيانًا، ورفعه إلى مرتبة القداسة!! كل ذلك يخلق واقعًا مغايرًا هو واقع: السياسة المجافية للأخلاق، والقوة الغاشمة المتلفِّعة بالعدل، والمصلحة المتورِّمة التي يتماهى فيها الشخصي مع الوطني لمصلحة الأنا المريضة، والإعلام المسيطِر الذي يقدِّم حقائقه على أنها الحقائق. إنه واقع مصنَّع يقدِّم حقائقَه وقيمه في ثوب الحقائق والقيم وعلى حسابها، فيؤثر ذلك في الرأي العام وفي الوجدان والذوق الأدبي والفني، ويخلق مناخًا ينمو فيه الأدب أو يتخلَّق فيه على نحو غير سليم. ولا يكون ذلك من دون تأثير مؤذٍ في الناس والقيم والضمير الفردي والجمعي في كثير من الحالات، ومن ثم في العدل والحرية والسلام وحياة البشر وأمنهم واستقرارهم ومفاهيمهم، أي في منظومات قيمهم ومعايير حياتهم وأنماط سلوكهم وعيشهم.
ويطرح هذا الوضع سؤالًا حول موضوع إيجاد معيار سليم وشامل للخُلُقي والإنساني والحقيقي، بعيدًا عن تلوُّن المعيار بتلوُّن الشخص والموقع والقوة والمصلحة.. فهل هذا ممكن يا ترى؟! إن السائد الآن هو ما أشرت إليه.. تلك هي الحياة، ولكن قواعدها ليست من دون استثناء!؟!
وتتولد من رؤية واعية لمسؤوليتها الإنسانية والخلقية، ولموقعها وموقفها القوميين، أو من رؤية مشوَّهة لتلك المسؤولية ولذينك الموقع والموقف، تتولد شرارةُ الإبداع التي تستخدم طاقة الروح النابعة من ضمير حي ومن إحساس عميق بمعنى العدل والحرية والمسؤولية التاريخية ـ إن على أرضية سليمة أو مشوَّهة ـ وتذكي أداءها المؤثر من خلال الفكر والأدب بصيغه وأنواعه، فتقوم على أرضية ذلك خلافات في الرأي قد تكون التضاد والتعصب المقيت والموت بعينه، وتنشأ في أحضان ذلك أيضًا الاختلافات المهلكة التي توظِّف الإبداع لخدمتها وللتعبير عنها، فيكون التناقض الصارخ في الفهم والأداء جراء القراءات المنحازة والمواقف المسبقة من خلال معطى القيمة وفهمها وتفسيرها واستخدامها، ومن خلال المنتَج الأدبي والفكري والفني، ذاك الذي لا يخلو من أحكام قيمة متوارثة، متناقضة أو متضادة، ويصبُّ الزيت على النار في كثير من الأحيان، أو يرفع من يصبونه أئمةً وأبطالًا!؟
ونشير إلى بعض النماذج من ذلك:
ففي رأي الشاعر الإنجليزي “رديارد كبلنج” مثلًا: أن الاستعمار مِنَّة من الأمة المتحضّرة على تلك الأقل حضارة، ومنحة مكلفة يقدمها المستعمِرون للشعوب المتخلّفة التي يستعمرونها حتى تتمدَّن، وأن مجد أمته الإنجليزية يقاس ـ حسب رأيه ـ بمقدار المستعمرات التي تقيمها والشعوب التي تسيطر عليها؟! فهو يرى إذن أن إخضاع الشعوب فضيلة إنجليزية استعمارية؟! ولا يرى الجانب المأساوي ـ غير الإنساني ـ من الاستعمار، ويعطي ضميره إجازة طويلة متغاضيًا عن النهب والقهر والفقر وفرض أشكال من التبعية والاستلاب على الآخرين، وتغييبهم في الجهل والعبودية ليبقوا خاضعين للاستعمار الذي يقطِّع أوصال الأمم كما يقطِّع أوصال الحقيقة، نعم الحقيقة.. فهل وعد الاستعمار الإنجليزي للصهاينة بفلسطين على لسان “اللورد بلفور عام 1917″ عنَّا ببعيد، وهل استند ذلك الوعد إلى حقيقة من أي نوع!؟ وهل كانت نتائجه خيرًا من أي نوع على الفلسطينيين والعرب والمنطقة كلها؟! وهل قام على أي نوع من الحقيقة، وقد سوِّغ وسوِّق بالخدعة الكبرى أكذوبة: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض؟!
و”رديارد كبلنج” حالة نشأت في مناخ عام أو عبَّرت عن مناخ عام؟! ألم يكن الأوروبيون يعتقدون: “أن كل أرض خارج أوروبا ليست ملك أحد No Man ‘ S land لأن الذين يسكنونها نوع منحط من البشر، أرقى من الحيوان قليلًا لكنه أدنى بكثير من الإنسان الأوروبي، كما ذكر الدكتور إسماعيل صبري عبدالله..؟! أَوَلم يرد في الموسوعة البريطانية أنه: “كانت الحرب عاملًا هامًّا في نشر المدنية الغربية عبر العالم، وفي خلق الشروط المواتية لظهور مدنية عالمية‍؟‍‍‍؟ وهذا يلتقي مع حكم المؤرخ الروماني القديم تاسيتوس الذي قال عن الاحتلال الروماني لبريطانيا: “إنهم أحدثوا خرابًا وسموه سلامًا”، ويضفي على الحرب وشرورها صفة طيبة.
وفي رأي الكاتب والروائي الأميركي “جون شتاينبك” أن حرب فيتنام واجبٌ إنساني أميركي، حسب مفهوم السياسة الأميركية لما هو إنساني، وحسب قيم شتاينبك وتحديده للإنساني في ضوء شعوره الوطني وانتمائه القومي، أو قل تعصبه القومي؛ وأن هذا الواجب ـ أي حرب فيتنام ـ خُلُقي مقدَّس وينبغي أن يهبَّ الأميركيون لأدائه بكل قوة واحترام وحزم. وهناك طبعًا من يخالف شتاينبك في المجتمع الأميركي في هذه النقطة، ونذكر بيل كلينتون ومحمد علي كلاي اللذين رفضا الخدمة في الجيش الأميركي آنذاك بسبب حرب فييتنام .
ومثل هذه الآراء والمواقف السلبية والمتناقضة أحيانًا، كانت لكتاب فرنسيين من حرب فرنسا في الجزائر “فيكتور هيجو، سارتر، وكامو”، ولكتاب إيطاليين من مذابح ارتكبها جيشهم المستعمِر ضد المدنيين العزَّل في ليبيا، ولكتاب روس من حرب المئتي سنة وحرب القرم والحرب في القوقاز ـ “ليرمنتوف” مثلًا ـ ولكتاب أتراك من مذابح الأرمن (1915) ** ولكتاب يابانيين من غزو بلادهم لكوريا والصين، ولكتاب سوفييت من غزو تشيكوسلوفاكيا واحتلال أفغانستان، ولكتاب صينيين مما جرى في كمبوديا.. ولا أعرف رأي الكتاب الصرب فيما جرى للبُشْناق المسلمين في البوسنة والهرسك، ولا ما جرى للألبان في برشتينا، ولكنني أعرف أن الكاتب الصربي ـ اليوغسلافي “إيفو أندريتش” حامل جائزة نوبل للآداب، كان له موقف إيجابي من موضوع تهجير الألبان الموجودين في يوغسلافيا السابقة عندما كان مساعدًا لوزير الخارجية، بل قدَّم مذكرة رسمية يقترح فيها ذلك بحماسة بالغة!؟ وأعرف أنه يكن عداء عميقًا للإسلام ومن ثم للمسلمين، وهو ما أشار إليه أو استنتجه بعض دارسي أدبه.
على هذه الصورة من التفكير والتعبير والتوظيف، وفساد المعايير أو تناقضها، فيما يتعلق بالجوهري العام من القيم*، إنسانيًّا أو خُلُقيًّا، أو بتعدّدها وتضاد مرجعيَّاتها؛ تهتز صورة “الإنسانيّ” في العمق، وتصبح الشراكة فيه حالة يحتاج تجلِّيها إلى شروط استثنائية، كما تهتز القيم الإنسانية والخُلُقية كلها، وتتراجع القيم الدينية على الخصوص عن مكانتها وتفتح الطريق أمام الحسي والبشري على حساب الروحي والإلهي، بل توظِّف الله ـ تنزَّه الله ـ توظيفًا خاصًا؛ وتصبح إبادة هتلر لملايين البشر ـ وما رافقها من إنتاج فكري وأدبي وفني يؤيدها ويدافع عنها ـ مسوَّغة من وجهة نظر تأخذ بالقيم من منظور نازي، كما تغدو إبادة ستالين ـ عدو هتلر ـ لملايين الفلاحين من أجل إقامة “الكولخوزات” و”السوفخوزات” وما تم تشويهه من حقائق، وتطبيق الشيوعية ـ وما رافقها من إنتاج فكري وأدبي يؤيدها ويدافع عنها ويشوه من هم خارج نطاقها ـ تغدو مسوَّغة هي الأخرى، بل فعلًا وطنيًّا تقدميًّا وإنسانيًّا وأيديولوجيًّا عادلًا، حتى بنظر أولئك المؤيدين الكثُر للشيوعية من أدباء وكتاب ومفكرين ومبدعين ‍في العالم وليس من الشيوعيين السوفييت وحدهم.
ويغدو تدمير هيروشيما وناجازاكي ودريسدن، وحتى إبادة الهنود الحمر من قِبَلِ البيض في أميركا القرون القريبة الماضية ـ وقد وجد الإسبان أساقفة كاثوليك يباركون مذابحهم للهنود الحمر في أميركا الجنوبية ـ يغدو ذلك من الأفعال المبررة إنسانيًّا وحضاريًّا، وربما يُقال إنها من الأسباب التي أدت إلى التقدم وقيام الحضارة وغزو الفضاء.. وإلى “رسوخ ازدواجية المعايير اليوم”، الفعل المعتَمد والمبارك في نظام الولايات المتحدة الأميركية العالمي الجديد ومن أسباب تمتعنا بهذه “الفضيلة” الحضارية الغربية!؟
وفي رأي كتاب صهاينة، في أوروبا وأميركا وفلسطين المحتلة، أن عدوان “إسرائيل” المتكرر على العرب وسرقتها لوطنهم فعلٌ مبرَّر بقوة الحدوث والرسوخ، ودفاع مشروع عن النفس، بل هو أداء خُلُقي عقائدي إنساني بديع، يقره الاعتقاد الديني القائم على “وعد الرب ـ يهوه” بمنح أرض شعب أصلي لشعب آخر هجين، محبَّب إليه.. ولو كان ذلك بقوة القهر وسيول الدماء وسيادة البؤس واعتماد مبدأ إبادة الجنس؟! وهذا الفهم الـ”ما قبل متخلف”، يحوِّل الرب “يهوه” إلى إله قبيلي عنصري منحاز، وإلى سمسار عقارات، ويجرِّده من السمو ومن أن يكون ذا نظرة مقبولة للخلْق كافة دون تمييز، ليصبح إله قبيلة شغوف بالدم؟!، ويحول القيمة الدينية والخلُقية وحتى الإنسانية المستنبَتة في ذلك الاعتقاد والمبنية عليه، إلى أداة عنصرية أو إلى نظرة ووسيلة عقائديتين مشوَّهتين متطرفتين؛ ومع ذلك فهي معتمَدة أنموذجًا قيميًّا عاليًا ممن روجوا للمشروع الصهيوني وباركوا أساليبه وممارساته ومذابحه واستلهموها في الأدب والفن. ولنا أن نسأل: هل هذا تكوين الله للبشر أم هو تكوين البشر لصورة الله على هواهم، بعيدًا عن جوهر القيم والمعتقدات السماوية، وتوظيف للإبداع في خدمة هذا “المقدس” المكرس من قبَل فريق من البشر، وهو لا يمت إلى التقديس بصلة؟!
وهذا هو الفهم أو الرأي أو المنطق الذي أدى ويؤدي إلى تبرير كل صور العدوان على العرب، والقيام بالمذابح البشعة ضدهم من قبل الصليبية سابقًا والاستعمار الأوروبي وإرهاب الحركة الصهيونية منذ دير ياسين وكفر قاسم في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، إلى مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل ومذبحة “قانا” الجليل في جنوب لبنان في التسعينيات منه.. إلى هدم البيوت وتشريد ملايين السكان الفلسطينيين من ديارهم، وحرمانهم من الحق في وطن وكرامة وحرية وأمن من جوع وخوف في وطنهم التاريخي فلسطين.. وتحويل “باروخ جولد شتاين” وأمثالَه من المجرمين الإرهابيين الصهاينة إلى أبطال قوميين ويهود عادلين ومقدَّسين؟؟، وتشويه صورة آخرين، مدافعين عن أنفسهم وحقهم في الحياة وعن أرضهم ومقدساتهم، من أمثال أمين الحسيني وكمال ناصر وأبو إياد وأحمد ياسين ويحيى عياش ومحيي الدين الشريف وياسر عرفات.. و.. إلخ، وتحويلهم من أبطال وطنيين ومقاومين شرفاء ورموز وطنية فلسطينية إلى إرهابيين، واتهامهم واتهام كل أدب ينصفهم بالإرهاب والتطرف؟!
كما أدى ذلك الفهم ويؤدي، حسب المقياس المنحاز خلقيًّا وفكريًّا ونقديًّا وسياسيًّا، إلى أن تغدو دعوة نحمان بَيَاليك في قصائده بعد مذبحة كشنييف ـ كان ضحايا مذبحة “كشنييف” 16 قتيلًا منهم? فقط من اليهود وعدد من الجرحى يصل إلى 64 جريحًا ـ تغدو دعوته ودعوة أمثاله لتخليد المذابح التي جرت بحق اليهود والانتقام لها، دعوات ملء التاريخ والوجدان.. عادلة وذات آثار إيجابية ومفاعيل إنسانية ينبغي تجديدها في الذاكرة، واستثمارها في السياسة، ورفعها ما يُستلهَم منها إلى مستوى الأدب الإنساني الرفيع.. وتجعل “إسرائيل” مبرأة من الإثم والعدوان على الرغم من أنها تتوجه بالانتقام نحو العرب الذين لم يضطهدوا اليهود، وليس نحو الذين اضطهدوا اليهود وارتكبوا المذابح ضدهم من الأوروبيين؟! أمَّا دعوة كل الشعراء العرب، الذين كتبوا عن مذبحة دير ياسين ـ عدد ضحاياها 254 قتيلًا حوصروا في قريتهم من قبل الإسرائيليين وذبحوا ـ أما دعوة هؤلاء المبدعين وسواهم ممن كتبوا عن مذابح الصهاينة الكثيرة ضد العرب، مطالبين بإنصاف وداعين إليه، فهي بنظر العنصريين الصهاينة وحلفائهم والمتعاطفين معهم دعوة لتمجيد الإرهاب ولممارسته وللتحريض والعدوان على “الشعب اليهودي المضطَهَد؟!”، ودعوة “معادية للسامية”، ولتوجهات السلام وثقافته، وينبغي إدانتها وإدانة المذكِّرين بها، ونسيان تلك الأفعال الشنيعة، بل تجريم الضحايا!؟!
وفي رأي كتاب من العرب “يتبرؤون” من تهمة العروبة التي قد تُوجَّه إليهم ـ أمثال لطفي السيد وسلامة موسى وشبلي الشميِّل وغيرهم وغيرهم في الماضي القريب وغيرهم ممن فرخهم ولاء مريض لأيديولوجيات ونظريات بائسة ـ ويتهِمون العرب المطالبين بتحرير فلسطين، يتهمونهم بالعنصرية والتعصب القومي والشوفينية، ويناصرون اليهود المحتلين ويولونهم، ويعترفون بوطن لهم في فلسطين على حساب الحقائق التاريخية والشعب الفلسطيني المضطهد.. من أمثال علي سالم وسعيد عقل وأدونيس وجوقِهِ، واللبواني والعظم ومشايعيه وشيوعيين وماركسيين كثر، وسياسيين عرب في مستويات عدة بينهم بعض أبناء فلسطين ذاتها ـ وهذا من أعاجيب المغالطات العصرية وصور الانتهازية السياسية ـ ممن يرون أن الاعتراف بإسرائيل على حساب فلسطين وتطبيع العلاقات معها، وهي تحتل أرض العرب وتقتلهم وتشردهم وتنتهك مقدَّساتهم وتهدد مستقبلهم، يرون أن ذلك من الأفعال “الحضارية” المطلوبة، ومن الأمور الواقعية المقبولة، بل التي يشكل عدم الأخذ بها إدانة لصاحبها، وحشره مع غير الناضجين حضاريًّا!؟! ولا نبرِّئ بعض العرب من رد الفعل العنيف على الفعل العنف، وهذا شأن البشرية التي لم تستطع ـ جراء عوامل عديدة مستمرة ـ أن ترتفع إلى مستوى الوضعي ـ الموضوعي بدلًا من الانزلاق إلى الغريزي أو الارتداد إليه.
إن القيم موضع اتفاق واختلاف: اتفاق مثالي واختلاف تطبيقي ـ عملي، اتفاق في جوهر الروح الإنساني واختلاف في الانتماء لمجتمعات وبلدان وقوميات وثقافات وأيديولوجيات ومصالح و..و.. إلخ..
وهكذا يبقى الأدب محكومًا، إلى حد ما أو إلى حد بعيد، بسيطرة العقائد والسياسات والمصالح والأيديولوجيات والانتماءات القومية والعرقية والمذهبية، على معظم مفاهيمه وقيمه وأشكال توظيفه والحكم له أو عليه؛ ويبقى، بشكل من الأشكال، أداة مثلومة الحد إنسانيًّا بالمعنى الشامل الخالص النقي للإنساني بالمعنى المفهومي، وربما أداة غير عادلة أو مرآة مشروخة في النهاية بالمفهوم العميق للعدل وسلامة الصورة وحسن الرؤية، شأنه في ذلك شأن كثير من صور الأداء البشري الفكري والسياسي.. لا يحرر من التعصب ولا يتحرر منه، وقد يزيد في الجهل درجة.
وتبقى كل الأفعال التي ارتكبت تحت مظلات القيم والنظريات الكبرى والتطرف الديني، وكل الممارسات التي تمت بحق البشرية وتناولها الأدبُ واستلهمها الإبداع.. يبقى كل ذلك، في ظلال المفاهيم والتفسيرات المختلفة للقيم السائدة أو المتداولة.. يبقى من أجل الإنسانية وتحت مظلة قيمها على نحو ما باجتهادات مسوِّغين، وضد الإنسانية وخارج مظلتها حسب اجتهاد وتسويغ نظرائهم من المضادين لهم.. وما أسهل التسويغ المنحاز وما أكثره.
وفي هذه الظلال يتربى بشر ويعملون ويحكمون ويقتلون ويعدلون و”يتثقفون ويكتبون ويبدعون؟!”.. وهكذا يعتقد الطغاة دومًا، عندما تعميهم أنانيتهم وتمدّ أخطاؤهم خطاهم في طريق الظلم والجريمة والفساد والإفساد و”العظمة؟!”.. يعتقدون أن كل شيء مباحٌ لهم برؤية “أخلاقية” يقدمها مفسرون ومفكرون و.. وأن كل شيء يمكن أن يُغطَّى بغطاء الإنسانية والقيم ويكون في سبيلها، ويمكن أن يسوِّغه الأدب ويلمِّع صورة صاحبه ويرفعه درجات ودرجات فيرتفع هو بذلك أيضًا درجات ودرجات، وأن كل ما يتم يمكن الدفاع عنه.. ولكن على الضفة الأخرى من نهر الحياة اللجب يدفع الفقراء والضعفاء، تدفع البشرية البريئة المسالمة، يدفع الفن والأدب والإبداع.. ثمن كل ما هو “من أجلها وفي سبيلها وما يُرتكب باسمها؟!”.. حسب ادعاء الطغاة والبغاة والأقوياء ومن يخدمونهم “ولاءً أو شراءً أو غباءً”.. تدفع ثمنه غاليًّا جدًّا جدًّا ومكلفًا إلى أبعد الحدود.
ودائمًا يختل ميزان الحكم باختلال ميزان العدل.. فيتناسل من ذلك البؤس والشقاء، وينتشران وباء أو بيئة تصلح لانتشار الوباء!؟!

إلى الأعلى