الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لا تدعه يندفع بلا فرامل!

لا تدعه يندفع بلا فرامل!

أ.د. محمد الدعمي

تراودني الشكوك قوية فيما إذا كانت قوة التأثير على السياسة عبر قوة التلاعب بقانون السوق الأصل، أي قانون العرض والطلب، يمكن أن تكون بلا مخرجات خطيرة، وغير محسوبة في أحيان عدة. لست أزعم بإمكانية شن حرب روسية على الغرب أو إيرانية على كبار المصدرين، كما فعل رجل انفعالي مثل صدام حسين سنة 1990 حينما امتطى ذات الموضوع ذريعة لغزو الكويت. بيد أن على المرء أن يتذكر بأن هذا النوع من التأثير على الأسعار يمكن أن يعرض بوصفه استجابة طبيعية لمعطيات السوق العمياء، ويمكن أن يعد عملًا عدائيًّا كذلك، ليس بمستوى ما فعل صدام. إن الموضوع يتعلق بمصائر شعوب، كما أنه يتواشج مع معطيات سباق التفوق العالمي الذي راح يهدد احتكار الولايات المتحدة الأميركية لليد العليا في عالم لا يبدو بأنه سيبقى وحيد القطبية. لذا ينبغي أن يضع المرء في حسابه كافة التوقعات العنيفة والانفعالية والبعيدة النظر على سبيل النأي بالنفس عن معترك يمكن الاعتزال بعيدًا عنه.
تشكل انفعالية صدام حسين وخطاب حكومته آنذاك، أي في بدايات تسعينيات القرن الزائل، خلفية مخيفة يمكن الارتجاع إليها حال الشعور بتهديد جاد بالنسبة لإيران وروسيا على سبيل المثال. هو ليس تهديدًا وجوديًّا بالنسبة لروسيا، ولكنه تهديد يحيق برؤى قائد متجذر بذهنية “الاتحاد السوفييتي” السابق وخريج مدرسته، قائد يرنو إلى حقن الدب الروسي بمصل الحياة من أجل مواجهة أميركا لتحدي بقاء الـPax Americana ، أي أحادية القطبية المطلقة وغير المحددة الأمد. وأقصد بذلك الرئيس فلاديمير بوتين. لذا يشعر المرء بأن الاحتكاك بالروس بعد قضمهم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، وبعد تحدياتهم المتكررة لسياسات الإدارة الأميركية، لا يمكن إلا أن تخدم أهدافًا عدائية يمكن تحاشيها، خاصة عندما لا تكون ضرورية. أما بالنسبة لإيران، فإن معطيات الاحتكاك بمصالحها بعد سنوات عديدة من الحصار الذي تنحي القيادة الإيرانية بأسبابه على دول الجوار الإقليمي ومنها “إسرائيل”، فيمكن تجنبه كذلك، خاصة مع أخذ “الاستعراضات” العسكرية الإيرانية التي تجري من آن لآخر بعين الاعتبار. إن فتل العضلات واستعراضها لا يمكن أن يطلقا نصًّا لا مجديًّا، بقدر تعلق الأمر بالأوضاع المتوترة أصلًا عبر الشرق الأوسط بعد مرحلة ظهور “داعش” وتنامي العنف المرافق. زد على هذه الاعتبارات جميعًا تدهور الأحوال الاقتصادية لبعض الدول المنتجة للنفط ولكن الأدنى قدرة على التأثير بالأسعار بسبب خلو خزائنها من احتياطي النقد الكافي لتسييرها أو لتسيير خططها التنموية والاقتصادية على نحو طبيعي: فإذا كانت دول “خالية الوفاض”، مثل العراق، قد احتسبت سعر البرميل من النفط الخام 100 دولار في سبيل وضع خططها الاقتصادية القصيرة والبعيدة الأمد، يبدو الهبوط إلى نصف السعر أعلاه ضربة قاصمة للمخطط الحكومي وللمنفذ من شركات محلية أو أجنبية. لذا فإن الخفض المفاجئ والسريع لأسعار الخام يعد مفاجأة “غير سارة” للعديد من الدول، بل وحتى للدول المستوردة للنفط أحيانًا نظرًا لأن هذا النوع من التغير “الخاطف” إنما يخل بجميع الحسابات والموازين بسبب طبيعته المفاجئة. هل تصدق، أخي المتابع، بأن الاقتصاديين الأميركان يفكرون مليًّا الآن بالمديات البعيدة لتأثير انخفاض أسعار النفط على مجمل نظام الأسعار من أسعار تذاكر الطائرات إلى أسعار الفنادق والأغذية في موسم الإجازات والأعياد الجاري، ناهيك عن استثمار الدول النهمة للنفط، كالصين والهند، لهذه الفرصة على سبيل ملء خزاناتها بالخام الرخيص في انتظار دور ما على المستويين السياسي والاقتصادي عالميًّا.
وخلاصة القول هي أن احتمال تكرار تجربة كتلك التي حدثت مع صدام حسين فيما سبق ضئيلة نظرًا لتكاليفها الباهظة، بيد أن الحروب قد لا تكون غزوًا، كما فعل صدام حسين، لأنها يمكن أن تتشكل حسب درجات الحرارة السياسية وحسب معطيات اللحظة. يمكن أن تدخل روسيا حربًا ضد الغرب وحلفائه عن طريق ثلم جدران الحصارات المفروضة على دول صديقة لها كإيران وكوريا الشمالية، زد على ذلك يدها الطولى في مضمار التسليح والتأثير على معطيات الصراعات الإقليمية هنا أو هناك، بين سوريا وشمال إفريقيا، من بين بقاع أخرى تنتظر “التعاون” الروسي ببالغ الصبر.

إلى الأعلى