السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (145) :عن تداخل المعاني

نافذة لغوية (145) :عن تداخل المعاني

كثيرا ما يشيع الخطأ اللغوي في الكتابة وعلى الألسنة نتيجة مصادفة عارضة مردها إلى القبول بما يسمع من غير تدقيق فيه ، أو إلى التسليم بأن كل ما نراه مطبوعا قد تحرى أصحابه فيه وجه الحقيقة والأصل ، أو إلى المساواة بين العبارات التي تعبر عن فكرة معينة من غير تفريق بين تنوعاتها ، فأنت قد تسمع أو تقرأ ما يدل على عدم الإقرار لأمر في مثل قولهم : لن نرضخ للتهديد أو نحن لن نذعن للأوامر، لن ننصاع لهم ، وربما قالوا: لن نمتثل لتلك التعليمات ، من غير أن يكلف القائل نفسه عناء التدقيق في اختيار الأنسب منها لهذا الموضع والغرض مع أن الرضخ والانصياع والاذعان والامتثال ألفاظ ليست في معنى واحد حتى تجيء صالحة لهذه المواضيع كلها وبالنسبة نفسها من الدقة وسلامة الأداء .
إنما الذي يصلح لهذا الغرض أكثر من غيره لفظة ( الخضوع ) فالخضوع بصفة عامة يعني التواضع والتطامُن بعد القهر والغلبة كما يعني الاقرار والقبول بالأمر ، تقول كتب اللغة : خضع الإنسان أمال رأسه إلى الأرض أو دنا منها ورجل أخضع وامرأة خضعاء وهما الراضيان بالذل ، والخضوع الانحناء والمطاوعة والانقياد تقول العرب : اللهم إني أعوذ بك من الخنوع والخضوع ومن هذا قول جرير :
أعد الله للشعراء مني صواعق يخضعون لها الرقابا
ولا شك أن دلالة الخضوع والرضى بالذل تنطوي على الإكراه في حين نجد أن الإذعان وإن دل على الإقرار والخضوع بوجه عام فهو يعني في اللغة : الإسراع مع الطاعة وعلى غير استكراه تقول : أذعن لي بحقي : أي أقر طائعا وعلى غير استكراه . وأذعن الرجل : انقاد وسلس وناقة مذعان : سلسة الرأس منقادة لقائدها . أما الرَّضْخ من ذلك فيعني العطاء القليل وصلته بفكرة القهر والانكسار جاءت من دلالته على الكسر المادي الحسي ، تقول عند كسر النوى ( جمع نواة ) وكسر العظم وكسر رأس الحية بين حجرين وغير ذلك من اليابس والمراضخة : الترامي بالحجارة والسهام . أما الوجه الذي تستخدم عليه في أساليب الكتابة المعاصرة فما من إشارة إليه في الكتب القديمة فيما رأيته إنما هناك وجه آخر غير الكسر هو قولهم : فلان يرتضخ لكنة أجنبية أي ينزع في النطق صوتيا إلى الأعاجم في نطقها فكأنه يكسر الكلام .
أما لفظة الانصياع من هذه المعاني فمادتها قليلة في العربية وفي الاستعمال وهي تدل على التفرق والاسراع والرجوع ومن أقوال العرب فيها : صاع الشيء فرقه وثناه ولواه وانصاع القوم ( وهي المستعملة بمعنى خضع اليوم ) تعني في اللغة هبوا سراعا وانصاع فلان : انفتل راجعا وانصاع : ذهب مسرعا وتصيَّع الماء اضطرب على وجه الأرض وربما قالوا في هذه الحال : امتثل على التوسع والمشابهة نحو امتثل المريض وتماثل أي رجع كما كان في الحقيقة والأصل وامتثل للأمر : هب لأدائه مثلما كان يفعل أصلا قبل أن يمنعه المرض من ذلك .

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى