الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إشراقات عمانية

إشراقات عمانية

سعود بن علي الحارثي

ثالثا: القرية
” .. تعاني القرية العمانية في عصرنا الحاضر من الاندثار والتشويه والإهمال فقد تلاشت ملامح عشرات القرى ومثلها الكثير في طريقه إلى هذه النهاية المؤسفة بسبب الهجرة الواسعة إلى المدن بحثا عن العمل والرفاهية وجريا وراء الحياة السهلة، حيث تتوفر جميع الخدمات والتسهيلات التي يسعى إليها الناس بحسب طبيعتهم, وبسبب التطور الذي شمل مختلف أوجه الحياة،”
ــــــــــــــــــــــ
” في هذا الجو المفعم بالود والمحبة والسكون تستمر الطقوس, ويبدأ الجالسون في المناجاة الهامسة .. ويدور الحديث الخافت حول كل قضايا القرية .. الفلج والنخل والجداد والتبسيل والملكة والولادة والسفر .. وربما يتناول الشعر والفقه والأدب .. ” مكي الحاج عربي
تضم ولايات السلطنة ومناطقها المختلفة الآلاف من القرى الجميلة التي تقدم في مجملها صورة دقيقة لملامح وسمات الحياة وتطورها عبر المراحل التاريخية للمجتمع العماني, وينطق لسان حال أطلالها وأزقتها ومعالمها وحقلها الزراعي ونخيلها الباسقة المتسمة بالتنوع والثراء والشموخ عن تضحيات وحضارات وثقافات وممارسات عبرت عن مختلف أشكال الحياة التي أثرت أو استوطنت أو ساهمت بقوة في النشوء والتأسيس والبناء والتصميم والتحديث, وتعطي تحصيناتها التي تصل في بعضها إلى عدة كيلومترات وقلاعها وأفلاجها ومبانيها الشامخة وفنون هندستها المعمارية دليلا ملموسا على صلابة الإنسان العماني وعزيمته القوية وقدرته على تحدي الصعاب وخبرته وحنكته في اختيار المكان المناسب وتخبر كذلك عن المسارات التي شكلت محطاته بدء من الإقامة الأولى وانتهاء بمرحلة الاستقرار الأخير, وتؤكد الاكتشافات الأثرية والأعراف الممارسة والقيم والتقاليد المتوارثة وما تبقى من الحرف التقليدية والثقافة الشعبية الغنية بمجالاتها وأصنافها وصيغها وأساليبها على تشبث هذا الإنسان بأرضه وعلى حكمته وقدرته على التعامل مع المستجدات والتطورات والظروف الحياتية المختلفة وفي أسلوبه الفذ لمعالجة المشكلات الطارئة وبعد نظره في آليات اتخاذ القرار في مجتمع مدني يتسم بالتكامل والتكافل والترابط في العمل وفي تقديم الرأي الأصيل وفي منهجية التخطيط, وتشير المخطوطات والوثائق والموسوعات والكتابات والآثار التي لا يكاد يخلو منها منزل من المنازل القديمة ولا معلما من المعالم ولا أثرا من الآثار المكتشفة ( تشير) إلى تعدد المراكز والمدارس العلمية والتي كانت تجذب المتعلمين وتشجعهم على التزود بمختلف العلوم وإلى اهتمام العماني بالتدريس والتأليف والكتابة في مختلف الفنون والعلوم السائدة في تلك الأيام والحرص على تربية النشء تربية صالحة تؤهل الأبناء وتقومهم وتهيئهم للقيام بواجباتهم تجاه المجتمع, وقد تصدرت الكثير من القرى في مراحل زمنية معينة مكانة مرموقة في هذا المجال واشتهرت مجالسها ومدارسها العلمية والأدبية شهرة فاقت على المدن والولايات التي تنضوي تحت إدارتها, (( في أثناء إقامتي زرت مدارس البلدة الخمس رأيت فيها أطفالاً يتلقون الدروس بالطريقة الإسلامية التقليدية، فيرددون بصوت عالٍ آيات من القرآن، أو ينصتون إلى قواعد الإعراب وهي تلقى عليهم من المعلم. يحضر الأطفال إلى المدارس صباحاً، إذ تجدهم يهرعون إلى المدرسة باكراً بنات وبنين معاً، يحمل بعضهم على رؤوسهم منفا ]الكلمة الصحيحة هي مرفع[ وهو مسند خشبي يوضع عليه القرآن، ويحمل الآخر لوحاً ملوناً يتعلمون عليه الكتابة. والدروس التي يتلقونها بدائية، ومقصورة فقط على قراءة النحو العربي وكتابته وقراءة القرآن وشيء من الرياضيات .)) , عمان في عيون الرحالة البريطانيين. هذه الصورة الكثيفة بما تحمله من معاني كثيرة وقراءات متعددة ودلالات قيمة لملامح القرى العمانية تؤكد على مكانة القرية العمانية وعراقتها وإسهاماتها في تشكل وثراء الثقافة العامة للمجتمع, وهو ما يدعوا إلى المحافظة على ملامح تلك القرى وعلى عمارتها الجميلة وتاريخها الضارب في القدم وواحاتها الغناء وإفلاجها المنسابة إلى أعماق تلك الواحات, على ثقافتها العريقة بكل ما تحمله من قيم وتقاليد وممارسات فهي ذاكرة التاريخ وامتداد للماضي في أوجهه المتعددة ومركز الانتماء الحقيقي, هي الأصالة في رحابة صدرها وهدوءها وحنوها في صراعها مع ثقافة العصر بضجيجه ومادياته وأسقامه وتياراته, هي مركز الجذب الحقيقي للسياح الذين يقدمون إليها من شتى بقاع العالم, يتحسسون بأيديهم نقوش مبانيها البديعة, ويتنقلون بين الأطلال والآثار والقلاع تقودهم جاذبية الهندسة والتصميم والاعجاب بما خلفه الأوائل من أعمال تستحق التقدير, ويلتقطون بالآت التصوير أجمل المناظر والملامح والصـور .. لقد أسس العمانيون قراهم في الجبل والسهل وفي الأودية وأينما تواجد الماء على شكل عيون طبيعية أو آبار محفورة أو أفلاج تدفقت مياهها عبر السواقي بالعزيمة والتخطيط والعمل الجاد, وتميزت القرى العمانية على كثرتها وتزاحمها بسمات عامة وأخرى خاصة, يحدد تلك السمات تباينا واتفاقا طبيعة المجتمع المؤسس وملامح المرحلة الزمنية وجغرافية المكان الذي تأسست فيه القرية واديا أم جبلا أم سهلا أم على الشاطئ . وتعبر مكونات القرية, السكك التي تربط تلك المكونات بعضها ببعض, الأبراج والبوابات والأسوار الحصينة التي تحيط بمداخل ومخارج القرية وتشكل وسيلة دفاع ومراقبة وحماية من أية أخطار, الفلج الذي تتدفق مياهه في سواق تمتد لبضعة كيلوا مترات من المنبع وحتى وصوله إلى المزارع مخترقا القلعة والمسجد والسوق وعدد من المنازل وآلية توزيع مياهه على الملاك وأساليب صيانته وأمواله الوقفية, السوق, المسجد, الحارة التي تضم منازل أصحاب القرية والتي يصل بعضها إلى ثلاثة طوابق, المزارع .. تعبر تلك المكونات عن قدرة العماني وابداعاته الهندسية والمعمارية واعتماده على نفسه في مختلف الأعمال الإنشائية وإعداد الخطط ووضعها موضع التنفيذ, وعندما أقف أحيانا في مركز قرية من القرى وأنقل نظري بإعجاب واندهاش بين تلك الأبنية والأبراج والطرقات وساقية الفلج التي نحتت نحتا في الجبل وتخترق أحجارا عملاقة, أطرح على نفسي العديد من الأسئلة: كيف تمكن أولئك الأوائل من بناء تلك الأبراج في قمم الجبال وشق السواقي داخلها وزراعة الواحات وتصميم تلك الهندسة المعمارية البديعة دون الوقوع في خطأ واحد مع الامكانات المتواضعة وغياب الوسائل الحديثة ؟ وهل يستطيع جيل اليوم فيما لو اجتمع من إقامة قرية واحدة متكاملة على غرار تلك القرى مع توفر الامكانات والوسائل الحديثـة ؟ . يصف الكاتب السوداني مكي الحاج عربي ملامح القرية العمانية قائلا : (( المئذنة والفلج والبرج… ملامح أساسية لا تخطئها العين في أغلبية القرى العمانية.. ملامح أعجبت الشاعر الإنجليزي مايكل هايديل بقرى عمان فقال عنها: ( ما من شيء أجمل وأروع في عين الشاعر الغريب من مشهد قلعة تلوح بعيدا على التلال وفي الأفق, أو مشهد مئذنة وحيدة وغريبة تحرس مسجدا صامدا منذ الأزل, أو مشهد نهر فضي يخترق الشعاب) وبالإضافة إلى هذه المعالم, يوجد في هذه القرى معلم آخر يعتبر من أهم وأبرز معالمها.. معلم يكاد يغطي القرية بأكملها, ويحيط بها من كل جانب.. ذلكم هو مشهد بساتين النخيل..)). في القرية يتسابق الجميع على إكرام الضيف الذي ينتقل مع مضيفه ومجموعة من شخصيات وأهالي القرية من منزل إلى آخر يتناولون الغداء في بيت أحدهم والعشاء في بيت آخر والفطور والقهوة في بيوت كثيرة من بيوتاتهم المتعددة فالتردد والتهاون في إكرام الضيف مسبة لا يقبلها أحد من أفراد المجتمع, وفي القرية تتجمع عشرات الجرار ذات الألوان والأشكال البديعة أمام الباب الرئيسي للمنزل الذي تجتمع فيه النساء بعد صلاة الظهر لتناول القهوة وتداول الأخبار وآخر المستجدات والأحداث والتي كانت تقوم مقام الواتسب في يومنا الراهن, ويحملن جرارهن تباعا بعد انتهاء الجلسة للاستسقاء من الفلج أو البئر , و(( سرعان ما يخيل إليك, أو ربما ترى حقيقة, غادة حسناء تحجل عند إحدى عدوتي الفلج، تحمل جرة ماء على رأسها..تمشي ملكًا بين أشجار السفرجل والياسمين .. )) . ( سيل من شعاب العشق ) مكي الحاج عربي . وفي القرية ومنذ الصباح الباكر يتحرك عشرات الصبية حاملين أباريق مختلفة لجلب اللبن الطازج من المنزل الذي يصنع أهله اللبن , وفي القرية يعلن صانع الهريس من وسط السوق عبر (( البرغوم )) أو البرغام وهو ما يتخذ من قرون بعض الحيوانات ويصدر صوتا عاليا للتنبيه أو النذير بالأمر , يبلغ الناس بأن وجبته الشهية قد جهزت وعليهم أن يتوجهوا إليه لأخذ حصصهم مقابل مبالغ معروفة . صور وسمات وملامح كثيفة شكلت لوحات فنية لممارسات وأعمال وسلوكيات عبرت عن شخصية الإنسان وقدرتها على التكيف وعلى التعامل مع مختلف مفردات الحياة والتعايش مع الواقع أيا كان ذلك الواقع , الكثير من تلك الصور والملامح تطرقت إليها عناوين سابقة وسوف تتواصل العناوين القادمة في تقديمها تباعا , لقد كانت جدران الطين والجص وسواقي الفلج في القرية مأوى لأنواع من الزواحف كالعقارب والأفاعي وغيرهـا , والتي تتحرك بشكل مكثف وفي جماعات أحيانا خاصة في الليل ما بين الأزقة والسواقي وتسلق الجدران داخل المنازل وخارجها , ورغم تواصل اعتداءاتها وهجماتها إلا أن الإنسان استطاع التعايش معها حتى بالنسبة للأطفال , فقيم الشجاعة والجرأة والإقـدام هي الغالبة والطفل الصغير مهيأ لمواجهة أصعب الظروف والمواقف فالشعور بالخوف والجبن يوصم الإنسان بالعار, أما الآن فإن رؤية صرصور في المنزل كفيل بإثارة الخوف والهلع وقد يؤدي إلى ما هو أكبر من ذلك كدليل على تغير الأنماط والقيم والسلوك . والشيء بالشيء يذكر فمن المواقف الظريفة التي أتذكرها في بدايات السبعينيات والتي شكلت مصدرا للطرفة والفكاهة والتعليق وقتها في القرية لعدم اعتياد الناس عليها , فمع انتشار المدارس وتسجيل الراغبين في التعليم واستعانة وزارة التربية بالمعلمين العرب الذين جاء بعضهم مع أسرته , استأجر أحد المعلمين منزلا من الجص في الحارة القديمة وما أن لمحت زوجته سحلية صغيرة ( عنسلانة ) , حتى أصيبت بالخوف والهلع وأصرت على الانتقال من المنزل.
وتعاني القرية العمانية في عصرنا الحاضر من الاندثار والتشويه والاهمال فقد تلاشت ملامح عشرات القرى ومثلها الكثير في طريقه إلى هذه النهاية المؤسفة بسبب الهجرة الواسعة إلى المدن بحثا عن العمل والرفاهية وجريا وراء الحياة السهلة حيث تتوفر جميع الخدمات والتسهيلات التي يسعى إليها الناس بحسب طبيعتهم, وبسبب التطور الذي شمل مختلف أوجه الحياة، فقد هجر أبناء القرى مساكنهم القديمة إلى المخططات السكنية الجديدة خارج القرية فاندثرت الحلل القديمة وتعرضت مبانيها للسقوط والهدم, وبسبب الجفاف الذي أودى بحياة العديد من الأفلاج ومعه واحات غناء جميلة . واقع مؤلم يتطلب من جهات الاختصاص وبالتعاون مع رجال الأعمال وأبناء هذه القرى والمهتمين والباحثين والمثقفين تبني أفكار ووضع خطة شاملة تهدف إلى الحفاظ على معالم وآثار هذه القرى من الاندثار والضياع بحسب الأولوية اعتمادا على المكانة التاريخية وما تتضمنه من آثار حية و مقدار الضرر الذي أصابها , وتصميم وتنفيذ برامج وفعاليات ثقافية تراثية ورياضية واجتماعية واقتصادية وبرامج إعلامية وتوعوية متنقلة في مواقع وساحات تاريخية مهمة تعرف بمكانة القرية وتاريخها وشخصياتها وأنماط الحياة السائدة فيها , وينبغي أن لا تقتصر هذه البرامج والفعاليات على المدن فقط , وإقامة مشاريع سياحية وترفيهية وتجارية جاذبة تعيد بعضا من النشاط والحركة إليها . على أن يسبق ذلك دراسة وتصميم مشروع متكامل يوكل تنفيذه إلى فريق بحثي وأكاديمي متخصص لحصر جميع القرى العمانية صغيرها وكبيرها وما تتضمنه من معالم وآثار وخصائص وسمات , والبحث في تاريخ إنشائها وأعلامها وأسمائها . فالواحات أو القرى العمانية إنما (خلقتها الخصوصيات المناخية ورعتها المجتمعات الإنسانية حتى تضمن مصدرا سنويا موثوقا به للغذاء .. وهي أماكن لحصر نشاطات لمجموعات إنسانية كبيرة تشمل كل أنواع الفنون والحرف مثل الفخار وقطع الحجارة والنسيج وأعمال التعدين , غير أنها أيضا أماكن تتطلب استثمارات عمل واسعة … )) .

إلى الأعلى