الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر : التعقيد الإداري بين الرفض والقبول

بداية سطر : التعقيد الإداري بين الرفض والقبول

إنّ مصطلح التعقيد الإداري من المفاهيم الإداريّة العامّة، ويردفه مصطلح البيروقراطية الأكثر رواجا لدى المستعملين. ويعرّف إجرائيا بأنه الروتين الممل والمتكرر والإجراءات الطويلة المتسمة بالتعقيد والبطء الشديد في عملية اتخاذ القرار.
منذ صياغة النظرية البيروقراطية على يد مؤسسها ماكس فيبر ظهرت بثوب غير مرغوب فيه ولا مستساغ في بيئة العمل سواء على مستوى الموظفين العاملين في المؤسسة أو على المستوى الآخر من المستفيدين والمراجعين الذين يتعاملون مع البيروقراطية كجزء مهم في هذا الصراع وعنصر أساسي في شبكة العلاقات الدينامية، وهو ما يكسب هذا النص أهميته.
يعدّ مفهوم البيروقراطية من أقدم المفاهيم الإنسانية المتسمة بالتعقيد المطلق، والانفرادية السلطوية في بيئة العمل التي تبدو منفرة لا جاذبة، نظراً لمعانيه المتعددة والتي تختلف وفق الهدف المطلوب منها تحقيقه والتي أصبحت نظرية يعتد بها في الجوانب الإدارية. إلا أنه ظهرت نظريات ومدارس أخرى في علم الاجتماع دحضت أفكار هذه النظرية فوجهت لها وابلا من الانتقادات لإغفالها الجانب الإنساني في التعامل وإهمالها لمفهوم التفويض،وتركيزها على نظام المركزية في اتخاذ القرار إلى جانب أنها قزمت حجم المجتمع في التأثير والتأثر على ممارسات المؤسسات على الفرد. ورغم سلبيّة البيروقراطية الفيبريّة فإنّها لا تزال معمولا بها نهارا جهارا في كثير من مؤسساتنا اليوم، وإرثا توارثته بعض الإدارات التقليدية التي تخشى من فقدان كراسيها أكثر من الغيرة على حسن أداء المهمّة. فقاومت التغيير الاداري وبقيت رهينة أفكارها المتحجرة ممّا أدت إلى عثرة تنموية تظهر ممارساتها في بعض من جوانب التطوير.
لقد طالت البيروقراطية عقول كثير من المركزيين فانتقل أثرها إلى عقول صغار الموظفين المتأثرين بمرؤسيهم الذين لا يفتحون بابا للمرونة في التعامل مع المراجعين والمستفيدين بل يغلقون آمال التنمية ويقفون حجر عثرة إزاء نهوض كثير من المؤسسات الصغيرة الفردية الراغبة في تحسين أوضاعها واستغلال طاقاتها حين يستحدث بعض البيروقراطيّين قرارات ما أنزل الله بها من سلطان يقترحونها لمرؤسيهم بحجة التطوير والواقع أنها تعقيد للعمل حين تحدّ من نهوض بعض القطاعات الفردية فيفرضون رسوما باهضة. مثال ذلك تراخيص الإقامة والعمل وبعض الأنشطة التجارية المبالغ فيها بهدف الحدّ من تضاعف الطلبات عليها وإقبال المستثمرين وتلك العملية الإجرائية الإدارية ما هي إلا نزعة تسلطية أفرزتها مفاهيم البيروقراطية المتعددة، زد على ذلك التعقيدات الإدارية والاشتراطات التعجيزية لطلبات فتح بعض من الأنشطة التجارية أشبه ذلك بمثابة فخ مرصود لزعزعة عزيمة بعض الراغبين في الانخراط في السلك التجاري وإثناء هممهم وذلك التزام بحت من العقليات القديمة لربما تقود آثارها إلى نتائج غير متوقعة تؤدي إلى الجمود والتشجيع على بريق المصطلح المتعارف عليه بالاحتكار.
إنّ التقاليد والعادات المتوارثة في العمل الإداري جاءت نتيجة خضوع الموظفين لسيطرة رؤسائهم الإداريين والذي يفرز حاليا أسلوبا إداريا عقيما يضاعف قوى بعض الموظفين فيجعله يتعدى النطاق المحدد لوظيفته الرسمية فيخلق توجيهات وقوانين لم توجد في تلك المؤسسة تعلة إيقاف بعض الطلبات أو تعطيلها وهو ما نراه اليوم في كثير من المراجعات التي تخلق إشكاليات للمراجعين الذين يقطعون مئات الكيلو مترات لمواجهة صراع إداري دون تحقيق أهدافهم تحت غطاء عدم استكمال البيانات أو نقصان المستندات واجتماعات الرؤساء وتواقيتهم الصارمة وغيرها من العلل التي لا نبرأ منها ما زال هواء البيروقراطيين ينفث في بعض من مؤسساتنا.
إنّ ما نرمي إليه في هذا النص قضيّة ظاهرة للعيان استمراريتها تحدث فشلا ذريعا في النواحي التنموية لربما يشعر بها من يتجرع مرارتها من المراجعين الذين يشتكون من التشديد في الإجراءات الادارية وتطور التعقيدات التي نسعى أن تصبح لصالح المستفيد أو المستهلك بيد أننا نجزم بانها صناعة بحتة لما يصطلح بتسميته اليوم مفهوم الاحتكار.
على كلّ لا بد أن نطرح بعض الحلول إن تم الأخذ بها ستعمل على مجابهة مساوئ البيروقراطية وتطوير الاساليب الإدارية من بينها تشديد الرقابة بطرائق أكثر فاعلية في عمليات مراجعات المستفيدين وإنهاء مطالبهم في تواقيت قياسية، وتفعيل أساليب الثواب والعقاب للإداريين أنفسهم، وضرورة التعامل بروح القانون نبذا للمحسوبية والواسطة في إنجاز الأعمال والطلبات، إضافة إلى وضع الفرد الموظف في العمل المناسب كي يصبح منتجا لا مستهلكا في عمله فحسب لأن من لا يفقه عمله ويعيه يحرص على التعقيد وإجهاد المراجعين،كذلك لا بد من حسن تعامل المسؤولين مع الموظفين وتدريب الموظف على حسن معاملة المراجعين وتدريبهم وصقل مهاراتهم في إدارة التواصل.
وفي ضوء ذلك نستطيع القول إنّ الحلول المطروحة لكيفية التصدي لمفهوم البيروقراطية أخذ منحى منطقيّا بتقديم حلول تتفق وتحقيق أهداف المؤسسات للتطوير للحد من السلوك البيروقراطي أو الآثار السلبية المترتبة عليه . وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نناشد كافة الجهات المعنية بمشكلة البيروقراطية ومواجهتها ان تقف سدا منيعا للتصدي لهذه الظاهرة وفي بعض الإشكالات المنصرمة عبرة لمن يعتبر.

خلفان بن محمد المبسلي
Khalfan05@yahoo.com

إلى الأعلى