الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : في البيت العتيق

رحاب : في البيت العتيق

تمنيت وأنا أطوف بالبيت العتيق لو بقي البيت على ما كان عليه أيام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تخيلت كيف سيكون جلال البقعة التي مشى عليها المصطفى وسجد فيها وأؤذي فيها، وأصلح بين زعماء قريش فيها، وكسر الأصنام فيها، ووضع عن الناس الأوزار والأغلال وعاهات الجاهلية التي كانت فيهم. كيف يمكن للمكان أن يكون لو ابتعدت العقارات والعمارات الشاهقة وفنادق الخمس نجوم الى خارج البيت قليلا؟ لم يكن من الضروري أن تشيد القصور حتى تصير شاهقة وتخنق الحرم، لا بأس أن تتسع الساحات، ويبتعد العمران الشاهق الذي ذهب بطاقة أشرف بقعة الى خارج الحرم. هذا ما كان يجول في عقلي وأنا أخرج من الحرم بعد أن أكملت مناسك العمرة. استمر ذهني يبثني مشاهد من يوميات سيدي محمد صلى الله عليه وسلم، أتلمس خطاه، وحركاته وجلساته وجهاده ودخوله الحرم يوم الفتح، وتحريره لعقل المسلمين من الأصنام ومن تعظيم الأشياء.
لكن الأشياء تحاصر الحرم، أزيز الإنشاءات يزعج المعتمرين، والفوضى تصارع الإيمان والعقل. أشعر أن الناس لا تحترم المكان المقدس كثيرا، فهم يزعجون المكان بهذه الفوضى وهذا الصخب والتنافس والتنازع.
وسمحت لنفسي أن أستدعي صورا من تبجيل الأمم الأخرى لمقدساتها، وأهم مظاهر ذلك يتمثل في السكون والتسامح والتحابب والنظافة والانضباط.
جميل جدا أن يلتقي المسلمون في هذه البقعة الطاهرة، ليذكروا الله ويصلوا في البيت الحرام ويشهدوا منافع لهم، فما الذي يمكن أن يصير لو حرصنا من أعماقنا أن نعيش الإسلام كنظام حياة وسلوك وعادات. رأيت المسلمين من غير الأصول العربية أكثر حرصا على الانضباط والتأدب مع الغير وايثار الآخرين بالمكان والتحرك بين المناسك في هدوء، ولكن تصرفات العرب لا تزال أقل بكثير من التعليمات التي يحض عليها هذا الدين وقيمه العظيمة. تتجسد أمامي شعائر وعبادات تمنيت لو يسودها حسن التعامل والنظافة والانضباط وكف الأذى قولا وفعلا. اقتربت من الحجر الأسود قليلا، لكن ثلة من عمالقة المعتمرين استأسدوا في المكان كما لو استولوا على كنز، اختلط البكاء والتزاحم بالتناكب والتدافع، كدت أن أفقد مشاعر الغبطة والخشوع، لكنني أمسك بها مرة بعد أخرى، كنت ألوذ بالذكريات التي تحيي في عقلي وقلبي سماحة وروعة هذا الدين، الذي يجعلني أفكر في سمو وأتصرف برقي، هذه هي العبادة، هذا هو ديننا؛ الدين المعاملة، أكملت أشواط الطواف، ثم صليت الركعتين خلف مقام إبراهيم، وبعد ذلك اتجهت الى السعي بين الصفا والمروة.. تمنيت لو يبقى الصفا والمروة كما كان أيام أبينا إبراهيم و كما كان أيام االرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين؛ إلا أن سيطرة الساسة على المقدسات قد أضر بها، فكل حاكم يأتي على مكة يريد أن يترك بصماته. كان يمكن أن يترك كل حاكم بصماته من خلال أشياء كثيرة وليس بعمل تغيير جذري يقتلع معالم المقدسات، مشيت وهرولت وذكرت الله وأنا أستدعي أمنا هاجر وهي تسعى وتلهث باحثة عن ماء في واد غير ذي زرع عند البيت العتيق، وتخيلت صورة ابينا إبراهيم وهو يهجر إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر، ثم تذكرت قصة الذبح والفدي، وتحرك التاريخ في عقلي، وأنا أتأفف من العمارات الشاهقة التي تتطاول على جلال المكان. إنها مظهر من مظاهر الجهل، التسابق في العمران يخنق المكان الرائع.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى