الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الغرب المرتبك .. في مواجهة التطرف والإرهاب

الغرب المرتبك .. في مواجهة التطرف والإرهاب

محمد عبد الصادق

” الدستور الفرنسي ينص على علمانية الدولة وفصل الدين عن السياسة, وتعمل الحكومة والدولة الفرنسية على تطبيق القيم العلمانية بصرامة, وأقر البرلمان الفرنسي مؤخرا قانونا يحظر الرموز الدينية في المرافق العامة سواء المسيحية أو اليهودية أوالإسلامية, وبموجب القانون تم منع ارتداء الصلبان أوتعليق اللوحات التي تجسد المسيح أو السيدة العذراء,..”
ــــــــــــــــــــــــــ
حالة من الارتباك في المواقف والتصرفات تسود الدول الغربية تجاه الإسلام والمسلمين الذين يعيشون على أراضيها, وتجاه ما يحدث في الدول العربية والإسلامية التي تشهد حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار, نتيجة تنامي تيارات التطرف وحركات العنف والإرهاب, هذا الارتباك تجسد جليا في حادث احتجاز الرهائن في سيدني؛ الذي قام به مهاجر إيراني له سجل جنائي حافل لدى الشرطة الاسترالية وسبق اتهامه بالمساعدة في ارتكاب جريمة قتل و إرسال رسائل تهديد وإهانات لعائلات الجنود الاستراليين المتواجدين في أفغانستان احتجاجا على مشاركة استراليا في القتال ضد طالبان, ورغم ذلك لم يتم توقيفه أو حتى مراقبته, حتى هداه تفكيره المريض لاحتجاز رهائن بمقهى وسط سيدني وإجبارهم على رفع علم القاعدة (الخاطف شيعي) لتنتهي العملية بمأساة راح ضحيتها رجل وامرأة من المحتجزين بالإضافة للخاطف, والمفارقة أن قادة الجالية المسلمة في استراليا أكدوا عقب الحادث أنهم حذروا السلطات الاسترالية مرارا من خطر انتشار الجماعات المتطرفة في مدن استرالية عديدة دون أن تلقى تحذيراتهم اهتماما من الجهات المختصة , بل إن استراليا ضمن الدول الغربية التي أعطت حق اللجوء السياسي لمتطرفين مطلوبين ورفضت طلب بعض الحكومات العربية إدراج جماعة الإخوان المسلمين على لائحة الإرهاب وسمحت لأعضائها بحرية الحركة والتنقل وممارسة نشاطاتها دون أدنى تضييق, كما أن هناك أكثر من 400 استرالي سافروا إلى سوريا للقتال بجوار داعش والجماعات المتطرفة, ولا ندري هل سافروا بعلم السلطات الاسترالية أم استجابة لدعوات الجهاد النشطة على “الإنترنت” لتحرير سوريا والعراق وسائر بلاد المسلمين, بينما تقف الحكومة الاسترالية مكتوفة الأيدي الآن أمام حملة عنصرية مسعورة ضد الإسلام والمسلمين في استراليا عقب حادث الاختطاف الذي يريدون تحميله للجالية الإسلامية التي طالما وقفت في وجه التطرف والإرهاب.
وحالة الارتباك الغربي في التعامل مع الإسلام والمسلمين زادت منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م ومازالت مستمرة حتى الآن, ويتضح هذا من تعامل أكبر ثلاث دول غربية مع هذا الملف ـ ألمانيا, فرنسا, انجلترا ـ فبينما نرى ألمانيا التي تحوي 15مليون أجنبي ؛ نصفهم تقريبا من المسلمين, تنتهج خطابا عاقلا ومتزنا على المستوى الرسمي لدرجة خروج وزير داخلية ولاية ألمانية كبرى ليعترض على قرار حظر النقاب الإسلامي, ويصف الحظر بأنه انتهاك لحرية العقيدة التي ينص عليها الدستور الألماني الخالي من نص يعطي المرء حق “البحلقة” في وجه الآخرين حسب كلام الوزير, وجاء حديث الوزير الألماني ردا على مطالب بحظر النقاب بالنسبة للمسلمات في ألمانيا من قبل أعضاء الحزب (المسيحي الديمقراطي) “حزب ميركل” ومن المتظاهرين القوميين الذين خرجوا للتظاهر بالآلاف في شوارع مدينة “درسدن” رافعين شعار “الوطنيون الأوروبيون ضد أسلمة الغرب” والذين طالبوا بالحد من هجرة المسلمين لأوروبا وعدم الاستجابة لطلبات اللجوء من الدول العربية والإسلامية لحماية أوروبا من التطرف والإرهاب.
هذه الحملة العنصرية ضد الأجانب والمسلمين دفعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للتخلي عن صمتها لتدين هذه التظاهرات وتصفها بالعنصرية وتؤكد أنه لا مكان للكراهية الدينية في ألمانيا وتطالب باحترام كل من يعيش على أرض ألمانيا بغض النظر عن الديانة التي يعتنقها.
ورغم أن الدستور الألماني يؤكد على التعايش في ظل حرية دينية مكفولة للجميع مقارنة بالدستور الفرنسي الذي يحظر أي رموز دينية إلاّ أن هناك حالة عداء للإسلام والمسلمين من بعض شرائح المجتمع الألماني زادت حدتها في الآونة الأخيرة بعد ظهور “داعش” وجرائمها البربرية, واكتشاف انضمام كثير من الشباب الألماني المسلم للقتال في صفوف التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق وبدلا من تحميل السلطات الألمانية مسؤولية التساهل مع الجماعات المتطرفة, والسماح بسفر هؤلاء الشباب للقتال في مناطق بعيدة لا ناقة لهم فيها ولا جمل, والسماح بوجود دعاة متطرفين داخل ألمانيا يستغلون المساجد والتجمعات الإسلامية في تحريض الشباب المسلم على اعتناق الأفكار الجهادية المتطرفة.
والمسلمون في ألمانيا مازالوا يشعرون بالمرارة مما حدث للصيدلانية المصرية مروة الشربيني التي لقيت مصرعها على يد متطرف ألماني داخل قاعة المحكمة التي دخلتها مروة لحضور جلسة الاستئناف على حكم بالغرامة ضد المتطرف الألماني الذي تعرض لها وهي تقوم باللعب مع صغيرها داخل حديقة عامة بمدينة دريسدن شرق ألمانيا ( نفس المدينة التي تخرج فيها المظاهرات المعادية للمسلمين الآن) وقام الشاب المتطرف بالتهجم اللفظي علي مروة ونعتها بالإرهابية, وحاول نزع حجابها, وعندما أبلغت عنه, قضت المحكمة بإطلاق سراحه وتغريمه مبلغا زهيدا, لم يرض المتطرف بالغرامة واستأنف الحكم, ولكن محكمة الاستئناف أيدت الغرامة, فثارت ثائرته وأخرج سكينا من طيات ملابسه وانهال على الضحية المسلمة بـ 18طعنة حتى فارقت الحياة, ولم يكتف الألمان بذلك بل قام البوليس بإطلاق النار خطأ على زوج الضحية عندما اندفع لإنقاذ زوجته من الموت ظنا منهم أنه الجاني وعندما سألوا رجال البوليس, كان ردهم: اعتقدنا أنه الجاني بسبب ملامحه الشرقية.
وفي فرنسا لا يسمح القانون بتعداد الناس وفق انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو حتى مذاهبهم الفلسفية أو اتجاهاتهم السياسية, لذلك ليس هناك إحصاء دقيق يعتد به رسميا لأعداد المسلمين في فرنسا, ولكن هذا لم يمنع نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق الذي شغل منصب وزير الداخلية من تحديد عدد المسلمين في فرنسا بنحو 6 ملايين نسمة غالبيتهم من دول شمال إفريقيا (الجزائر وتونس والمغرب), ودول غرب إفريقيا المستعمرات الفرنسية السابقة الذين بدأ توافدهم على فرنسا منذ مطلع القرن العشرين.
والدستور الفرنسي ينص على علمانية الدولة وفصل الدين عن السياسة, وتعمل الحكومة والدولة الفرنسية على تطبيق القيم العلمانية بصرامة, وأقر البرلمان الفرنسي مؤخرا قانونا يحظر الرموز الدينية في المرافق العامة سواء المسيحية أو اليهودية أوالإسلامية, وبموجب القانون تم منع ارتداء الصلبان أوتعليق اللوحات التي تجسد المسيح أو السيدة العذراء, كما تم حظر ارتداء القلنسوة اليهودية, ومنع ارتداء الحجاب الإسلامي في المدارس والجامعات والإدارات الحكومية.
ورغم حرص الفرنسيين على إرساء قيم الحرية والمساواة وعدم التمييز على أساس الدين أو اللون أو العرق إلاّ أن هناك بعض المسلمين يشتكون من وجود تمييز تجاههم ويستشهدون بالحملة العنصرية التي يقودها اليمين الفرنسي المتطرف اعتراضا على التحاق المسلمين بالجيش الفرنسي وتزايدت حدة الحملة عقب اختيار النقيب محمد علي بو حرب وهو فرنسي من أصل تونسي للعمل في وظيفة مرشد ديني للجنود المسلمين بالجيش الفرنسي أسوة بوجود مرشد مسيحي ومرشد يهودي, ووظيفة المرشد الديني هو مساعدة الجنود والضباط المسلمين على أداء شعائرهم الدينية بحرية, ودون خوف, على غرار ما يحدث مع أتباع الديانتين المسيحية, واليهودية, وهو الأمر الذي لم يرق لكثير من الفرنسيين المنتمين لليمين المتطرف, فنشروا المقالات الساخرة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي تتهكم على العرب والمسلمين الذين لم تشفع لهم تضحياتهم للدفاع عن فرنسا منذ التحاقهم بالجيش الفرنسي في أوائل القرن العشرين واشتراكهم في الحربين الأولى والثانية, وسقوط الآلاف منهم من أجل حرية واستقلال فرنسا.
أما في بريطانيا فيتجلى التناقض في سياسة التساهل التي اتبعتها السلطات البريطانية تجاه الجماعات الإسلامية المتشددة خلال العقود الماضية, ومنح الحكومة البريطانية حق اللجوء السياسي لمئات المتطرفين الفارين من يد العدالة في دولهم العربية أو الإسلامية, بدعوى تعرضهم للاستبداد, والديكتاتورية, وانتهاك حقوق الإنسان, حتى أن التنظيم الدولي للإخوان لم يجد مكانا أأمن من لندن لينقل إليه أنشطته عقب سقوط حكم الإخوان في مصر, ورفض كثير من الدول استقبال أعضاء التنظيم الفارين من أحكام قضائية صدرت بحقهم من المحاكم المصرية ـ وعندما تكشف مشاركة مئات البريطانيين في القتال إلى جانب داعش في سوريا والعراق, شعرت بريطانيا بالخطر المترتب على عودة هؤلاء بأفكارهم المتطرفة على المجتمع الإنجليزي, فوجدناها كالعادة أول المشاركين في التحالف الدولي لضرب داعش في سوريا والعراق تحت قيادة أميركا, ووجدناها أكثر الدول الأوروبية تشددا تجاه العائدين, دون أن تسأل نفسها كيف سافر هؤلاء, ومن وراء تجنيدهم, وتمويلهم, وأين كانت أجهزة المخابرات البريطانية والغربية, عندما قطع هؤلاء الشباب آلاف الأميال, وعبروا حدود أكثر من دولة أوروبية وآسيوية حتى وصلوا لمناطق القتال.

إلى الأعلى