الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار غد التوانسة

باختصار غد التوانسة

زهير ماجد

اقفل العام على تونس بخيار ديمقراطي، ربما حتى كتابة هذه السطور يكون المرشح السبسي قد حفر طريقه نحو الرئاسة، لنكون على عودة تقريبية للبورقيبية أو لروح بورقيبة مطعمة بعناصر تجديدية او نيو بورقيبية كما يسمونها. انه طموح شعبي له قابلية الارتواء من منافع القديم الذي قدم لتونس جل ما وصلت إليه على اكثر من صعيد. وعندما وصل به المطاف إلى انه بات ينسى اسمه، أو ينسى من هم حواليه، أو ينسى الوزراء الذين عينهم، جاء القرار بإنهائه كي يرتاح، لكن تونس لم ترتح، حين جنحت نحو زوار الفجر والمخابرات وبقبضة قوية من ابن علي.
ستدخل تونس في التفتيش عن حالها وسط عواصف المنطقة المستمرة وخصوصا على حدودها، حين نعرف ان ليبيا تأكل ذاتها وترتوي بدم ابنائها، وتنهي كل سلطة ودولة ونظام. ليبيا اليوم مكان متفجر مصنوع لتفجير مكان آخر ايضا. ففي بلد تعداده اربعة ملايين نسمة بات عدد السلاح فيه يتجاوز العشرين مليونا، فلماذا كل هذا العدد، لا شك انه لتسخيره في امكنة اخرى، الليبيون ناشطون في سوريا مثلا، وعينهم على مصر وعلى تونس والجزائر، لن يغفو ارهابيوها حتى يتم لهم تصدير الحالة الفلتانة إلى ذلك الآخر الذي بات معروفا تماما.
اهمية السبسي اذن انه سيكون اول رئيس تونسي منتخب شعبيا .. اما حزب النهضة فقد تواضع زعيمه الغنوشي وسجل صمتا، وغدا تأييدا للحالة التونسية الجديدة .. عقلانية الغنوشي ظهرت كما لو انها تواكب ولا تفعل، بانتظار القرار الاخير في اعلان النتيجة، عندها ستبدي تفاعلا .. انها البراجماتية في اعلى درجاتها .. اختلاف جذري بينها وبين “الإخوان المسلمين” الذين ما صدقوا ان امسكوا السلطة والنظام والدولة حتى جن جنون السيطرة على كل مناحي الحياة في مصر، تحولوا إلى سيوف يضربون بكل اتجاه، ووصلت خطابات قادتهم إلى تحدي كل ظاهرة مصرية وعربية، فحمل رئيسهم مرسي على سوريا وتنطح في اسطنبول بادعاءات مذهبية ليست هي من عادات مصر ولا من تاريخها الوطني والقومي.
حملت تونس اذن إلينا شهادة حق سطرها شعب كان اول تفجير نقي في المنطقة، لكنه قبل ان يتوه في حممها المتفجرة، تم ضبط الايقاع السياسي فكانت الانتخابات شفافة، مريحة، عالية المستوى من التنظيم ومن تشكيل ارادة ديمقراطية نزيهة. عالم تونس قدم للمنطقة ما هو الاستقامة في الخيارات الشعبية في لحظة مصير وطني.
ولقد أحسن التونسيون او التوانسة كما يحبون ان ننده عليهم بهذا اليوم الكرنفالي الذي احسنت فيه وقوفها وراء قلم الاقتراع كأنها في رحلة سياحة داخلية.
اما بقية العالم العربي فيكاد يحسد التجربة التونسية وهو يراها بالأمس في حلة التعبير عن شوق لاختيار رئيس للبلاد من صنعها وبأعلى درجات الهدوء والتهدئة. فهل فعلا تكون البورقيبية التي عمرت في تونس ثم تم اخراجها من الباب ان تعود من الباب ذاته، كأنها لم تغادر وكأنما امس البورقيبية سوف يكون غد التوانسة ..

إلى الأعلى