الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما هذه العجمة؟

ما هذه العجمة؟

أ.د. محمد الدعمي

” .. إذا كانت اللغة هوية الأمة وعمودها الفقري الذي يمسك بقامة العرب الناطقين بها من المحيط إلى الخليج، فإن ملاحظة مجمع القاهرة المهمة للتردي المرافق لاستخدام العامية والدارجة لم يكن مألوفا من ذي قبل، الأمر الذي يعزز رأيي بأن وسائل التواصل الاجتماعي والاتصال الجماهيري قبعت وراء سرعة التدهور السريع وقوة عصفه،”
ــــــــــــــــــ

إذا كانت مقالة “هل تواجه ثقافتنا خطراً وجودياً” (الوطن، ص الرأي، 16 ديسمبر 2014) ألقت الضوء على المخاطر التي تحيق باللغة العربية وبمستقبلها، فإنها قد استبقت الزوبعة التي أطلقت قبل بضعة أيام لمناسبة “اليوم العالمي للغة العربية” في التنويه إلى مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإتصال الجماهيري، خاصة عندما تستمرئ الأخيرة توظيف “العاميات” و”الدارجات” من أجل تحقيق أهداف انتهازية واضحة المعالم على سبيل زيادة الانتشار والتقرب غير المسؤول من الجمهور المستهلك للمادة الإعلامية.
والحق، فقد أحسن “مجمع اللغة العربية” في القاهرة فعلاً عندما وظف لفظ “الاستهتار بالفصحى” في سياق تنبيه وسائل الإعلام الأكثر شيوعا بين قطاعات واسعة من جمهورنا العربي وشبيبتنا للإلتزام بالفصحى وإحترام لغة الأمة، هويةً، وليس إعلاماً مبتذلاً لا يتورع عن توظيف حتى البذيء من اللفاظ، للأسف. وحسن فعل المجمع أعلاه حين حذر باللجوء إلى القضاء لإدانة ومعاقبة المخالفين و”المستهترين” بأقوى أعمدة هوية العرب، أي لغتهم الجميلة.
هذا تهديد لم يسبق أن ظهر وطفى عبر وسائل الإعلام من ذي قبل، ومرده شعور المتخصصين بالدفاع عن العربية في قلعتهم بالقاهرة بأنه قد طفح الكيل، درجة الإساءة إلى الفصحى، بل وحتى الإساءة إلى من يستعملها من المربين والكتاب والخطباء المتوازنين الذين يحترمون أنفسهم من خلال إحترامهم اللغة العربية.
وللمرء أن يغتنم هذه الفرصة لتقديم الشكر والشعور بالعرفان لهذا المجمع القاهري العتيد بسبب توظيفه هذه “اللغة العدائية” الجديدة في خطاب ينطوي على حرص واضح المعالم لمنع تدهور الفصحى نحو مهالك العامية، أو تضعضعها الى مستوى الدارجة التي لا يفهمها ابن مسقط كما يفهمها ابن البصرة إذا ما استعملها أحدهما.
وإذا كانت اللغة هوية الأمة وعمودها الفقري الذي يمسك بقامة العرب الناطقين بها من المحيط إلى الخليج، فإن ملاحظة مجمع القاهرة المهمة للتردي المرافق لاستخدام العامية والدارجة لم يكن مألوفاً من ذي قبل، الأمر الذي يعزز رأيي بأن وسائل التواصل الاجتماعي والاتصال الجماهيري قبعت وراء سرعة التدهور السريع وقوة عصفه، بدليل توهم أدعياء الشعر والقص والأدب، وهم كثر للغاية بين طبقات مجتمعاتنا في العالم العربي اليوم، بأن “لكن” تكتب “لاكن” و”ليس” تكتب “ليسه” حتى تراهم لا يميزون بين “تلك” و”تينك” رغم تقديم أسماءهم بصيغة “الشاعر فلان الفلاني، القاص الفلاني، فلان”! ما هذه العجمة!
وللمرء أن يزيد في تعابير الإمتنان ورسائل العرفان للمجمع القاهري أعلاه، لإلتفاتته الشجاعة باتهام أصحاب “الكاريزمات” من المسؤولين الحكوميين أو الفنانين المشهورين باشاعة الدارج و”الشارعي” من التعبير واللفظ، في الإعلام بدلاً عن المقهى، للأسف. هذه شجاعة حقة، في عصر راح المرء يتباهى فيه بارسال أولاده وبناته الذين كانوا ضحية المربيات الهنديات والماليزيات للدراسة في مدارس أجنبية، تعزيزا للعجمة وتسويقا للخطأ التربوي المعيب: فبماذا أفتخر إن كانت ابنتي لاتحسن لفظاً عربياً واحداً ولا تحسن تكوين جملة عربية صحيحة؟ إنها حال خطيرة بحق.
وقد عانينا نحن، في العراق من مآسي هذه الظاهرة بعد عام 2003، إذ إندفع صيادو أموال النفط والمكافآت والكنوز ممن درسوا في مدارس أجنبية خارج العراق وحملوا الجنسيات الأجنبية إلى بغداد لتقاسم الكعكة: فظهروا على شاشات التلفاز فكانوا مدعاة للتندر والسخرية، بكل معنى الكلمة: مسقط رأسه في لندن ويريد أن يتكلم ببلاغة “الإمام علي بن ابي طالب” كرم الله وجهه، وفصاحة “قس بن ساعدة” رحمه الله.

إلى الأعلى