السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. ظاهرة أطفال المخدرات.. هل وراءهم بعد سياسي؟

العين الثالثة .. ظاهرة أطفال المخدرات.. هل وراءهم بعد سياسي؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

لا تزال انكشافات وزارة الصحة تزلزل وعينا، وتهز مضاجعنا، ولا يمكن قبول مرورها بصمت، فلو فعلنا ذلك، سيكون موقفنا كموقف النعامة الشهير، ولن نكون، ولا يجب أن نكون، فذلك لن يستقيم شرعا ولا وطنيا، إذن، ماذا فعل كل واحد منا منذ أن كشفت وزارة الصحة مشكورة مؤخرا عن وجود (اربعة) الاف مدمن على المخدرات في بلادنا في مستويات سنية أغلبيتهم أطفال والآخرين شباب؟ والتساؤل موجه للفرد والجماعة، وهذه الأخيرة سواء كانت كيانات معنوية كوزارات التربية والتعليم ومؤسسات التعليم العالي والأوقاف والشئون الدينية والاندية والمجالس البلدية ومجلس عمان والقطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني ..أو كيانات طبيعية كالأفراد مثل النخب، لم نلمس منهم سوى السلبية المتميزة بالصمت كالعادة، وكأن القضية لا تهمهم من قريب أو من بعيد، أو أنها قضية تسقط عن الكل إذا قام بها البعض.
تلكم احصائية رسمية وليست فعلية، بمعنى أنها لا تعكس لنا الوضع الحقيقي للمخدرات، فهناك مرضى يراجعون عيادات القطاع الخاص أو يسافرون للعلاج في الخارج .. أو لا يتم تسجيلهم .. واللافت هنا، العامل السني، فهذا في حد ذاته قضية مزلزلة للوعي، وتطرح مجموعة تساؤلات كبيرة وكثيرة، لعل ابرزها، تلك التي تتساءل عن حصرية المخدرات في هذا السن المبكر جدا؟ وكيف تمكن المجرمون من اختراق منظومات اسرية وتربوية وتعليمية ووصول إلى هذه الشريحة السنية البريئة؟ فهذه المرحلة السنية هي مرحلة الفطرة التي يجب أن يتم تشكيلها وفق اسس وقيم لكي يبنى عليها المراحل اللاحقة، فاختراق المخدرات اطفالنا، هي عملية تدمير جيلنا منذ مرحلة التأسيس، فكيف يقبل العقل بسهولة نبأ تعاطي اطفال في سن الابتدائية والاعدادية المخدرات؟ كيف وقعوا وكان يجب أن لا يقعوا أبدا لأنهم الشريحة السنية التي يفترض أنها محصنة بأسر حاضنة ومتحابة وبإدارات تعليمية وتربوية واعية وبقوانين منظمة ورادعة ؟ وسقوط السن المبكر في ذلك الطريق المظلم، يعني أن هناك خللا بنيويا كبيرا وخطيرا في عدة منظومات من بينها الأسرة والمدرسة ، وهذا الخلل هو الذي يدفع بالطفل أو من يدخل في سن الشباب مباشرة إلى تعاطي المخدرات، فقبل ست سنوات كانت هناك احصائية تكشف عن نسبة (37،7%) من المدمنين هم في مستوى التعليم الابتدائي، والبقية متوزعة على طلاب الاعدادية والثانوية، والآن، تأتي انكشافات وزارة الصحة لتدعم نفس المسار الاستهدافي لفئة الاطفال على وجه الخصوص، أليست هذه جريمة كبرى، اطفال يتعاطون المخدرات وبتلك النسبة المئوية الكبيرة، يا للهول، كيف تصمد كيانات من هذا الزلزال حتى الآن؟ إذن، المرحلتان الابتدائية والاعدادية تشكلان الفارق المذهل في انتشار المخدرات في بلادنا، فهل هذه النتيجة ستعني شيئا للفاعلين بما فيهم المربون والتربويون خاصة وللمؤسسات عامة والاعلامية والتربوية خاصة منها؟ كما أن نسبة (53،5%) من المدمنين هم من فئة غير العاملين، تفتح لنا علاقة قضية الباحثين عن عمل بالمخدرات، علما بأن قضية الباحثين عن عمل هي قضية تراكمية ناتجة عن اقصاء اغلبية مخرجات التعليم العام (الثانوية العامة سابقا) عن حقها في التعليم الجامعي مع ما ترتب على ذلك الاقصاء التراكمي من ترسيخ فقدان الأمل في التعليم واليأس في الحصول على فرصة عمل قبل عام 2011، فهل هذه الرؤية سوف تقودنا إلى فهم الخلفيات ولو كانت جزئية ؟ ولو نظرنا الى البيئات الحاضنة للأطفال خصوصا ، فسوف نجد كلها بيئات تدفع بهم الى أسوا المستنقعات، بما فيها أكبرها مستنقع المخدرات، فبيئة البيت لم تعد جاذبة لأبنائها بل طاردة، بحيث نجد اطفالا من كثرتهم نظن أن كل الاطفال، يسهرون في الشوارع والمقاهي حتى الصبح، وقد جاءت محافظة ظفار في المرتبة الاولى للأطفال الذين يسهرون ليلا، فكيف لا نريدهم يسقطون في المخدرات ؟ وكيف لا نريدهم يخفقون في دراساتهم ؟ وكيف لا نتوقع بروز ظاهرة التسريب من المدارس؟ وكيف .. ؟ وكيف ..؟ ايها الاب انت المسئول هنا ؟ فهل نحملك جريمة ابنك ؟ فهناك الالاف من اولياء الأمور لا يعرفون عن اطفالهم متى دخلوا منازلهم ومتى عادوا اليها ؟ ولا مع من يصادقون، الله يكون في عون اطفالنا وشبابنا ، وهنا نجدهم كما يقول شاعرنا ،، رموه في اليم، فقالوا له أوعى أن تبتل بالماء ،، كما أن بيئة المدرسة قد اصبحت بدورها شبيهة بدور المنزل، ومن ثم لم تعد قادرة على ترويض جماح الاطفال، لفلتانه اصلا من البيت مع غياب القدوات التربوية والاطر التعليمية، فهناك مدرسون يدخنون السيجارة في المدارس امام الطلبة، فكيف لا نتوقع انتشار ظاهرة التدخين بين الطلبة خاصة وأن البيئة الاسرية والمجتمعية مشجعة لهذه الظاهرة، مقاهي الشيشة ومحالات بيع السيجار مثلا، كيف نترك جيل من الاطفال والشباب يتجهون إلى حتفهم ؟ تساؤل لا يخلو من مسحة تشاؤم نطرحه لدق ناقوس الخطر على الجيل كله إذا ما نظرنا لقضية المخدرات من أوسع أبوابها خاصة من باب تزايد اعداد المتعاطين من تلك الفئات السنية، وهو تساؤل نطرحه كذلك لوجود هاجس مقلق ومرتفع بوجود دافعية خارجية لفساد اطفالنا وشبابنا ضمن اجندة اقليمية بعيدة المدى، لأن صراع العقل الجدلي قد أصبح يسلم بحتمية الاستهداف لغايات غير تجارية وإنما لما هو أكبر واعظم، نقول عنه حتى الآن بأنه هاجس ، وبذلك الحجم ، ليس لأطفالنا وشبابنا فقط بل للمحيط الجغرافي الذي تعيش فيه بلادنا، فهل نستنفر كل مؤسساتنا المختلفة لإعلان التعبئة التوعوية المستمرة والمتواصلة في المدارس في المساجد والاندية ؟ هل سوف نقدم على تشديد وتغليظ العقوبات والكشف عنها؟ هل ستستيقظ وسائل اعلامنا من نومها، وتتفاعل مع قضايا مجتمعاتها الاساسية ؟ دورها الان أكبر، فكيف لو علمنا بوجود خطر لا يقل شأنا عن الخطر الحالي، وهو ما يسمى بالمخدرات الرقمية أو الالكترونية، وهي تصنع في شكل أقراص إلكترونية تحتوي على موسيقى تم برمجتها في شكل موجات صوتية سمعية، تحدث لدى المستمع إليها أثرا يشبه الأثر الذي تحدثه المخدرات في العقل البشري، وقد تجاوزت هذه المخدرات الإلكترونية مكان مولدها في الولايات المتحدة الأميركية لتنتشر عبر الإنترنت إلى مناطق كثيرة من عالمنا في الشرق والغرب، ويقبل عليها الكثير من الشباب، حتى إن الدول بدأت تستشعر خطرها بعد فترة من التجاهل وتقليل الشأن، فهل تستعد بلادنا لهذا الخطر العابر للحدود أم تكون كغيرها التي تجاهلتها وقللت من شأنها حتى ابتليت؟ القضية كبيرة لا تقبل الصمت، ولا سلبية الاداء، ولا بد من عمل الكل، وتكامله، فهل ستقوم كل جهة بدورها ؟ ندعو إلى تشكيل لجنة من كل المؤسسات لرسم خطة وطنية عاجل للتوعية وتحديث القوانين وأنشاء مؤسسات لمعالجة المدمنين بدلا من ارسالهم للخارج للعلاج والتأهيل ، خاصة بعد فشل تجربتنا المحلية في العلاج (….) .

إلى الأعلى