الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / يداك أوكتا وفوك نفخ

يداك أوكتا وفوك نفخ

علي عقلة عرسان

” لسنا بحاجة بعد هذه البيانات العملية الميدانية المستمرة منذ أربع سنوات إلا قليلا.. لسنا بحاجة إلى قاضٍ فهيم عليم خبير حكيم، لكي يعلن عن الأمّ الحقيقية للضحية سوريا من بين ” الأمهات الحنونات؟!”.. فالفعل يدل على الفاعل ويعلن عنه قولاً وعملاً، ويشير إلى الهدف والوسيلة، ويكشف كل ما يتصل بأسباب الفعلـالجريمة ودوافعه وأهدافه ونتائجه.”
ـــــــــــــــــــ

من تراه يتذكر تلك الحكاية الصينية التي اتخذ منها برتولت بريخت موضوعاً لمسرحيته ” دائرة الطباشير القوقازية”؟! إن موضوعها موجود في حكايات الكثير من الشعوب ومنها شعبنا العربي .. فالتواصل لم يكن منعدماً بين شعوب العالم القديم إنما كان بطيئاً، وطريق الحرير بفرعيه البري والبحري، لم يكن يحمل إلى الشعوب التي يمر ببلدانها من الصين إلى أوروبا عبر آسيا كلها.. لم يكن يحمل المادي فقط من منتوجات الشعوب ومنسوجاتها وعلى رأسها الحرير، بل كان من بين ما ينقله المعرفة والعادات والأخبار والأدب والحكايات.
تتلخص تلك الحكاية الصينية المنشأ في أن امرأتين تخاصمتا في بنوَّة طفل، كل منهما ادعت أنه ابنها الذي ولدته، ووصلتا في خصومتهما إلى القاضي الذي عجب من هكذا خصومة.. وهناك بين يديه قدمت كل واحدة منهما دفاعها المستميت وهي تمسك بيد الطفل وتشده إليها مؤكدة أنه ابنها بالولادة وليس بالتبني ذارفة الدموع لتعبر عن صدقها وتعزز حججها. ومن المنطقي والطبيعي أن يكون الطفل مولوداً من امرأة واحدة وليس من اثنتين.. لكن كيف السبيل إلى حكم دقيق عادل في مثل هذه القضية المعقدة، مع غياب الشهود والأدلة، سوى الادعاء العريض المعزز بالبكاء لكل من المرأتين.؟!
خطَّ القاضي الصيني الحصيف دائرةً واسعة على الأرض وأوقف الطفل في مركزها، وطلب من كل من المرأتين ” الأمين؟!” أن تمسك بإحدى يدي الطفل وتشده إليها، ومن تخرجه من الدائرة باتجاهها يكون ولدها. وقفت المرأتان حيث أمرهما القاضي وأخذتا تشدان الطفل باتجاهين متعاكسين وهو يصرخ من الألم والخوف.. لحظات قليلة جداً وتوقفت إحداهما عن شد الطفل باتجاهها وأخذت تنظر إليه والدمع ينهمل من عينيها، وتركت المرأة الأخرى تستأثر بالطفل الذي أخرجته من الدائرة واستمرت في شده إليها بكل قوة دون التفات إلى صراخه.. أوقفهما القاضي عند هذا الحد وقرر أن الطفل لأمه التي رحمته وأشفقت عليه وخافت من أن تشلَع إبطه إن هي شدته إليها أكثر فتركته للأخرى حتى لا تؤذيه أكثر مما أوذي.. فالأم لا يمكن أن تضع ابنها في مثل هذه الحالة المفضية إلى ما هو أبعد من الألم والرعب، فكيف بها وهي تعرِّض حياته للخطر، وكيف لا تضحي بحياتها إن هي اضطرت إلى التضحية بها من أجل ابنها؟!.. وهكذا ميز القاضي الحصيف الحكيم بين الادعاء الزائف الزاعق بعنف والحقيقة الناصعة بعفويتها وصدقها، فنصر الحق وأقام العدل.
سُقْتُ ملخص هذه الحكاية التي استمع بعضنا إليها مشافهة أو قرأها، وأنا منهم.. وهي متناقَلَة في أدب الشعوب كما أسلفت، سُقْت ملخّصها مدخلاً لمقاربة الوضع ـ المسألةـ المأساة.. في سوريا الوطن والبيت والقلب والذكريات والتاريخ والحضارة.. سوريا التي تقف منذ أربع سنوات تقريباً في مكان طفل الحكاية، بينما “أمهاتها؟!” يشددنها من أطرافها، ووراء كل واحدة منهنّ فريق وربما أكثر ينصرها ويشجعها ويشد معها.. وهي “الطفل الضحية” والفجيعة والموت والمأساة وأكثر من ذلك بكثير.. وكل من يدعي بنوّتها والحرص عليها والإخلاص لها والتضحية في سبيلها .. إنما يفتك بها ويعمل على تملّكها بادعاء البنوة العريض .. من دون أن تأخذه شفقة عليها أو رأفة بها.. حتى تشلَّعت أطرافها ودَمِيَ جسدها وغابت عن الوعي وهي تصرخ وتستغيث وتسترحم، من دون أن تتوقف أيٌ من “الأمهات الحنونات” اللائي يدّعينها لأنفسهن ابنة أو ولداً عن التنكيل بها والتناحر على جثتها، والإعلان بالصوت والصورة عن التمسك بما تبقى من جسدها الذي يشددنه إليهن حتى بجنازير الدبابات، إمعاناً في ادعاء امتلاكه “بحنو” قل نظيره في باب الإهلاك؟!، وهن يتلذذن بنصر قريب على حساب تألمه وتمزّقه وتشوهه، مأخوذات بعنف ادعاء كل منهن بأنها الأَولى بالأمومة، والأصدق في التعبير عنها، والأحق بامتلاك ما تبقى من اللحم والدم والعظم والاسم الذي للحبيبة سوريا.؟!
لسنا بحاجة بعد هذه البيانات العملية الميدانية المستمرة منذ أربع سنوات إلا قليلا.. لسنا بحاجة إلى قاضٍ فهيم عليم خبير حكيم، لكي يعلن عن الأمّ الحقيقية للضحية سوريا من بين ” الأمهات الحنونات؟!”.. فالفعل يدل على الفاعل ويعلن عنه قولاً وعملاً، ويشير إلى الهدف والوسيلة، ويكشف كل ما يتصل بأسباب الفعل ـ الجريمة ودوافعه وأهدافه ونتائجه. فلو كانت لسوريا ” أم حقيقية جديرة بهذا الاسم” من بين كل تلك الأمهات اللائي يفتتنها لما ترددت لحظة واحدة في إنقاذها مهما كانت التضحيات التي تقدَّمها في سبيل ذلك، ولما استمرت ” أمٌ ” في التهام ما تبقى من حياة ولدهاـسوريا وحطامه، ولا في القضاء على وجوده لتستحوذ عليه..
وبصرف النظر عن المآل وعن كل ما يمكن أن يُقال في باب الاجتهاد لتسويغ الفعلـالقتل، ورد الفعلـالقتل أيضاً.. وترصيعهما بالشرعية والمسؤولية، وبالشجاعة والشهامة والكرامة والشهادة و.. إلخ، فإنهما يبقيان “الفعل ورد الفعل” مما لم يُنقِذ ولا يمكن أن يُنقِذ.. ففعل ورد فعل من هذا النوع وبهذه الوسائل والدوافع “المذهبية والعرقية والطائفية الفتنوية التعصبية والأنانية الجنونية المتورمة، وبهذه الروح التجارية السياسية الاستحواذية الطغيانية لا يعبر عن أية مشاعر إنسانية فضلاً عن قيم أخلاقية ووطنية.. لأنهما فعلان داميان مُدميان قتالان مدمران.. ولن تتغير طبيعتهما أو تتخفى مهما تلفَّعا بالمُحسِّنات وترصّعا بالذرائع وتلمَّعا بالشعارات والحَسَنات.. وسيبقيان خبط عشواء في عتمة بيداء، ودخولاً في طريق لاحبٍ مسدود، وتوغلاً في ظلمات ظلم وجهل يفضي إلى أنفاق مظلمة لا بصيص لنور في نهايتها، وإلى مجاهل بعد مجاهل لا تُعرَف حتى نهاية لها.. وتبقى طرقها تلك طرُق موت ملغَّمة بالمهالك، أو طرُق تهلكة ملغَّمة بالموت.. لأن مسالك الظلم والقهر والقمع والبتر وسفك الدماء ورفض العقل وتغييب الضمير.. ظُّلامٌ يعززه ظُلّام، مهما كثر الكلام المثير المدبر والمغير عنها وفيها مدحاً وقدحاً. ولقد ظُلم في سوريا سوريون كثُر، وظلَم سوريون قلّة بلدهم وشعبهم، وشاع الظلم ونشَر ظلاماً كثيفاً حجب الرؤية وغيب العقل وشتت الرؤى، رؤى الأبصار والبصائر، حتى تداخلت الأمور وأشكلت الحلول وانطلقت من مكامنها الأفاعي وعم الفجور واستحكم الديجور.. وأصبحنا وقد أُخِذ الصالح بجريرة الطالح، وتضافر على الوطن والشعب والحرية والعدل العدوان والتآمر الخارجيان والبغي والطغيان الداخليان وصار كل فرد منا في داخله وفي بيته وفي الوسط الاجتماعي الذي كان له وكان فيه مسرحاً للنقائض.. لقد ظلمنا أنفسنا نحن السوريين على أحسن التقدير وأخف والتعبير، وصرنا ضحايا وجلادين .. ضحايا بالملايين وجلادين باسم الملايين.. وأبدعنا في ادعاء الإخلاص وتغاضينا عن التلاص والتلطي في زوايا طرق البغي والغي مشهرينها طرق خلاص .. حتى أتينا على المخلَّص والمخلِّص؟!
فيا أبناء بلدي العزيز الحبيب، مهد الحضارات الأولى وبيت العيش المشترك والتعايش الجميل .. لقد فقدنا أو دمرنا أو شوهنا من كنوزنا الحضارية العريقة ما يحصى بـ 290 موقعاً، وسوريا كما يعرف العارفون ويقول مؤرخون وآثاريون “هي متحف في الهواء الطلق”!!، ودمرنا مدناً وبلدات وقرى وأفظع ما لحقه التدمير علاقات اجتماعية وبنى نفسية وآمالاً وطموحات مشروعة.. لقد جعلنا الوطن قوة نابذة لأبنائه، وحولناه بنظر أجيال صاعدة من أجيالنا بلقعاً لا يُداس وجثة بلا أنفاس وبيت ياس يضاف إلى ما في النفوس من ياس.. تشرد الشعب وعانى الأمرين، وأصبح عدد الشهداء والمعوقين والجرحى والأيتام والإرامل والنساء الفاقدات الأمل بزواج وبيت وأطفال بمئات الآلاف.. وآصبح سوريون أعداء لسوريين، وأقفرت المغاني الجميلة واكفهرت الوجوه النضرة إزاء الوجوه النضرة، وامتلأت قلوب بأحقاد… فماذا تريدون أكثر من ذلك لكي تفيقوا من خُمار العار، وتتفقوا على حماية ما بقي من أنفسكم ومن شعب ووطن هو بقية من دمار.؟! لقد ظلمتم آنفسكمـ أنفسنا، وشعبكمـ شعبنا، وبلدكمـبلدنا.. ووصلتم به وبنا إلى حد المآسي وكوارث الزلالزل وحرائق النار.. إلى التشرد واستجلاب المهانة والذل والعار.. وما زال كلٌ يسوق ويزوق.. وكل تسويق أو تسويغ أو تزويق لتحميل للمسؤولية عن ذلك كله لأي طرف منكم دون طرف، أو لكل الأطراف فيكم بنسب يقدرها التاريخ.. أو تحميله لمن هو عدو لنا وأجنبي عنا وطامع يعبث بنا.. كل ذلك لن يعفينا أفراداً وجماعات من دفع الثمن الباهظ، والعيش في التخلف القتال لسنوات، ومن تحمل المسؤولية بأنواعها وأحجامها تجاه شعب حي أوصلناه إلى اليأس وشفا الموت وبلد يحيي حولناه إلى مَوات.. ولم تكن لدى المسؤلين المدعين القدرة والناذرين أنفسهم للخلاص، لم يكن لديهم ما يمنع من تحول الأوضاع من محنٍ إلى محن.. فلم يكن لديهم لا الرؤى ولا السبل ولا الوسائل ولا القدرة ولا الحكمة التي تلجم فتنة، وتكف محنة، وتستنقذ شعباً ووطناً من الهلاك أو تبقيهما حيين إلى حين ينفع فيه علاج الداء.. نعم لقد كان هذا هو الهدف المعلن الذي ادعاه ورفعه كل من حمل راية وحشد تحتها الخلق، فتاجر أو ناحر أو فاخر بهم وبقي الوطن خارج الرهان الذي من أجله قمتم وقلتم وتناديتم وتسلّحتم واستنفرتم واستعديتم وقاتلتم وقَتَلتم وقُتِلتم.. إلخ؟! آه يا أبناء بلديـبلدكم، لقد ضلَلْتم وضلَّلتم وأوغلتم في التيه وسلكتم دروباً لا خير فيها ولا في سالكيها ولا تفضي إلى أمن وسلام ووئام وتحقيق الحق وإقامة صروح الدولة على عدل واتفاق ووفاق، واتبعتم كثيرين ممن هم تاريخياً بين ضائع ومضيِّع، ضال ومضلل، عميل وأجير، كثير الادعاء والرغاء، أو ببغاء، عليل النفس والعقل والفكر والرأي.. ومن ليس في تاريخه، طال ذلك التاريخ أم قصُر، بناء أو المحافظة على بناء، ولا في ما خبره الناس فيه واحتبروه به رجاء أو قدرة على فتح باب أمل ورجاء.. إذ هو الزعيق والنقيق والنعيق والرغاء والادعاء الملغم بأنواع الفساد والإفساد والطغيان والبغي والبغاء.. وما زال ذلك شأن البعض منكم وفيكم، حتى بعد أن اشتوت منا الجلود ونضجت الأكباد بسبب ما ألحق ذلك النفر بنا وبسوانا من العباد ما لا يوصف من معاناة وشرور.. ومن عجب أنه ما زال هناك اليوم من يدعوكمـيدعونا.. إلى آن تعلنوا أنكم تختارون الإرهاب وسيلة وطريقاً لتخيفوا أكثر وتقتلوا أكثر وتقنعوا أكثر وتصلوا إلى الهدف المنشود.: “الحسم والنصر، الحق والعدل، الحرية والكرامة، الحكم والسيادة والقيادة، وامتلاك البلد ووالد وما ولد.. إلخ بالسرعة القصوى، وتجبروا “الطرف الآخر.. ولا أدري من هو الطرف الأول ومن هو الطرف الآخر”.. تجبروه على الاستسلام والإقبال بالإرهاب على سلام ما بعده سلام..؟! فيا عجبي والرأي الضحل يروّج له بعد كل هذه الجهل والقتل والمَحْل، كما لو كان هو الأصل والفصل.؟!
ومن باب طلب المعرفة أسأل: ستقتلون من يا ترى ولحساب من، وماذا يفعل من يواجهكم بالقتل ولحساب من؟! وكل ما في أرض سورية الضحية يشير إلى أنه لم يبق لا حساب ولا من..؟! ولمن تراكم توجهون إرهابكم الذي تُدعون إليه بأصوات البوم، ومن سيرعب ويقتل.. ومن تُراه يميت ويرهِب ويرعِب آيضاً ذلك الذي سوف تستهدفونه بالإرهاب وسيلة لغاية، فيرد على إرهابكم بإرهاب ذي وسيلة وغاية؟! أليس من ذلك وأولئك هوـهم من تبقى منكم ومنهم، أي من السوريين البررة بـ” أمهم”، وما تبقى من البلد الذي تتقاتلون فيه وعليه.؟!
عجيب أمر من يحكي ومن يَسمع،
ومن يُفتي ولا ينفع،
ومن يقضي ولا يخشع،
ومن يأكل “خلق الله” أحياء وأمواتاً ولا يشبع،
ومن يمشي ولا يَقْشع،
ومن يقتل أطفالاً ولا يَهلَع،
ومن يفتك بالمأسور والمسجون والمخطوف كي نركع،
ومن يدفع جمع الناس للنيران رفضاً منه أن يركع..
فيقتلهم ولا يخسر أو يركع..
ويبقى ذائعاً في الناس ” شَفَّاعاً”، ولا يشفع.؟!
عجيب أمر نادينا وداعينا وعادينا..
عجيب كل ما فينا.. وما يُحكى وما نسمع.”.
أيها السوري العزيز أينما كنت، وأياً كان الأمر والآمر والمتآمر، وأياً كانت الدوافع والأسباب والأهداف والنتائج فـ.. “يداك أوكتا وفوك نفخ.”، ولم يبق في الوطن الحبيب حطب كثير للحربـالجنون، فهل إلى وعي مسؤول يوقف الفتنة والموت والدمار من سبيل.. ” أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور” الحج (46)

إلى الأعلى