الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في ذكرى تأسيس الجبهة الشعبية

في ذكرى تأسيس الجبهة الشعبية

علي بدوان

مرت قبل أيام الذكرى السابعة والأربعين لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة مؤسسها الراحل الدكتور جورج حبش، الذي أعلن عن قيامها في كانون الأول/ديسمبر 1967، لتصبح الفصيل الأساسي الثاني في إطار ساحة العمل الوطني الفلسطيني وفي إطار ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية بعد حركة فتح.
ولدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من رحم (حركة القوميين العرب)، التنظيم الذي تأسس عمليًّا عام 1949، حين أُعلن عن تشكيل (هيئة مقاومة الصلح مع إسرائيل) والتي تم تشكيلها من قبل (الشباب العربي القومي) في بيروت، وكانت هذه الهيئة تقوم بأنشطة عديدة لمناهضة الصلح تمثّلت بالمظاهرات والمنشورات، إلى جانب دورية (الثأر)، ولعب في حينها الشاب الدكتور (جورج نقولا حبش) إلى جانب ثُلةٍ من الشباب القومي العربي دورًا متصاعدًا في هذا المسار، مسار بناء المداميك الأولى في مشوار الحركة القومية العربية، ليصبح بَعدَها أحد أبرز رجالات الثورة الفلسطينية المُعاصرة، وليلعب دورًا رائدًا بعد أن صَنَعَ مكانةً في الكفاح الوطني التحرري للشعب الفلسطيني، وكمفكر قومي امتزجت رؤيته للخصوصية الفلسطينية مع عمقها وبعدها القومي العربي في الصراع مع الغزو الصهيوني.
عاشت الجبهة الشعبية، وما زالت تعيش في مناخات العمل الصعب والدؤوب في الساحة الفلسطينية، بتاريخها الطويل والعريق، وبالتجارب التي عركتها في ميدان العمل السياسي والكفاحي الفلسطيني، حيث الصراع المتواصل مع المشروع الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين، وحيث الصراع مع مشاريع التسوية المطروحة ومنها المشروع الالتفافي الأميركي على مجلس الأمن من أجل إعادة إحياء العملية التفاوضية بين الجانبين الفلسطيني و”الإسرائيلي” والعودة لدوامة الدوران في الحلقة المفرغة في ظل استمرار وتواصل عمليات تهويد الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967.
استطاعت الجبهة الشعبية أن تفرض وجودها في ميدان العمل الفلسطيني داخل فلسطين وفي عموم تجمعات الشعب الفلسطيني في دياسبورا المنافي والشتات، وخاصة في بلدان الطوق (سوريا + لبنان + الأردن) لتصبح قوة فلسطينية رائدة في ميدان العمل الوطني بكافة مناحيه بالرغم من حالة الترهل العام التي أصابت عموم الاتجاه القومي وفصائل اليسار الفلسطيني والعربي خلال العقدين الأخيرين.
وفي العودة للوراء قليلًا، كان مُقدرًا للجبهة الشعبية أن تحظى بحضور قيادي أكبر وأكثر تأثيرًا، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية منذ سنوات تأسيسها الأولى، لكن تطورات الأحداث في حينها، وسطوع نجم حركة فتح، بسياساتها الأكثر مرونة، وبعلاقاتها مع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، جعل منها الطرف الفلسطيني الأساسي الذي أمسك بقرار وقدرات منظمة التحرير الفلسطينية عام 1968 كمكون ائتلافي لتمثيل كل القوى الفلسطينية في تلك المرحلة وصولًا للوقت الراهن.
استطاعت حركة فتح منذ السنوات الأولى لتأسيس الجبهة الشعبية تقديم نفسها، فتسلمت مقاليد القيادة في منظمة التحرير الفلسطينية أوائل العام 1968 بدعمٍ من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حيث كان الرئيس عبدالناصر يُقلّب الرأي فيمن يختار شريكًا فلسطينيًّا في مرحلة ما كان يسمى بــ(إزالة آثار الحرب)، وكان قد وصل إلى القناعة الجازمة بضرورة خروج مؤسس المنظمة أحمد الشقيري من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبار أن معطيات المرحلة قد تغيّرت، وبقيت عند الرئيس جمال عبدالناصر المفاضلة بين جورج حبش وياسر عرفات، فوقف كل من: سامي شرف وفتحي الديب وأمين هويدي من مجلس قيادة الثورة في مصر مع اختيار جورج حبش لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وانحاز محمد حسنين هيكل إلى جانب ياسر عرفات.
وتقول مصادر فلسطينية مختلفة بأن تفضيل الرئيس جمال عبدالناصر لياسر عرفات رغم علاقاته الودودة والطيبة جدًّا مع جورج حبش، ورغم خلفية عرفات الإخوانية، جاء نتيجة مواقف جورج حبش النقدية التي جاهر بها بعد الحرب، وبقناعة أن صديقًا كهذا أخطر من خصم كذاك، علمًا أن الدكتور جورج حبش اندفع في نقده للرئيس جمال عبدالناصر مع تبنِّيه لمبادرة وزير الخارجية الأميركي في حينها وليم روجرز (التي قبل بها الرئيس عبدالناصر تكتيكًا من أجل كسب الوقت لبناء جدار الصواريخ على الضفة الغربي من قناة السويس)، مع حرص الرئيس عبدالناصر على مواصلة الود المتبادل مع الدكتور جورج حبش، وحاول دومًا أن يحافظ على خيط ثخين من التواصل معه.
إن تجربة ومسارات الجبهة الشعبية، صنعت لها حضورًا شعبيًّا كبيرًا في الساحة الفلسطينية، إلا أن قصورات عديدة اعترت مسارها، وشكّلت فجوة بين حضورها وبين تأثيرها في القرار المركزي الفلسطيني. فكثيرًا ما يتساءل الناس عن أسباب هذه الفجوة الواسعة بين حجم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وامتدادها الجماهيري من جهة، وبين حضورها السياسي والثقافي والاجتماعي وتأثيرها المباشر في صياغة وتحديد مسارات العمل السياسي الفلسطيني على مدى ما يقارب الأربعين عامًا الماضية.
ويرجع البعض أسباب الخلل المشار إليه أعلاه إلى أسلوب وطريقة أداء الجبهة، ويرجع تقصيرها في حصد نتائج فعلها على الأرض لعدة أسباب منها: التباينات داخل الموقع القيادي الأول للجبهة الشعبية في العقدين الأخيرين تجاه القضايا المطروحة. والاختلاف في التقدير العام تجاه الموقف المطلوب بعد نشوء السلطة الفلسطينية ووقوع الجهة الشعبية بأزمات مالية ضخمة بعد حصول واقعة تجفيف الموارد لعموم الفصائل مع نهاية حقبة ثمانينيات القرن الماضي. ضعف اليسار عمومًا في منطقتنا والعالم بعد تفكك منظومة الاتحاد السوفييتي السابق. فقدان الجبهة الشعبية للعديد من القيادات ذات الدور التاريخي، خصوصًا مع رحيل الكتور جورج حبش، والشهيد أبو علي مصطفى. وفوق كل ذلك المبالغة في الطهرانية.
وعليه فإن العديد من المراقبين يرى أن الجبهة الشعبية في تجربتها التاريخية في حركة الكفاح التحرري الفلسطيني “كانت تزرع البذار ولا تحصد منها إلا النزر القليل” ويضيف آخرون أن “المسؤولية التاريخية باتت تلح على الجبهة الشعبية الخروج فورًا وبلا تلكؤ إلى حيز الحوار مع الشمس الحارقة”.

إلى الأعلى