الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تَنَوُّعنا ليس عَيْبًا نخفيه ولا عِبْئًا نتخلَّص منه!

تَنَوُّعنا ليس عَيْبًا نخفيه ولا عِبْئًا نتخلَّص منه!

جواد البشيتي

إنَّ مِنْ نِعَم “الجغرافيا التاريخية” علينا أنَّ مَنْطِقَتنا (أو عالَمَنا العربي) كانت للحضارات والأديان السماوية الثلاثة مَهْدًا، وأنَّ تفاعلها مع الأقربين والأبعدين من البشر، في التجارة والثقافة والحروب والغزوات، قد أَكْسَبَها، على مَرِّ القرون والأجيال، تَنَوُّعًا عِرْقِيًّا وقوميًّا ودينيًّا وطائفيًّا ومذهبيًّا وثقافيًّا وحضاريًّا قَلَّ مثيله؛ وهذا التَّنَوُّع لَوَّن تاريخها وأنماط عَيْشِها بألوانه التي تشبه ألوان قَوْس قُزَح، حتى صَحَّ أنْ نقول إنَّ ما كُنَّا عليه، وما نحن عليه الآن، من تعدُّدية هو ثَرْوَة نُحْسَد، أو نُغْبَط، عليها؛ فَعَلَيْنا أنْ نُحافِظ عليها، ونُحْسِن استثمارها، وندرأ عنها كل المفاسِد والمخاطِر، لِتَظلَّ لنا الخَيْر العميم، وفي هذا الزَّمن على وجه الخصوص؛ فإنَّ كثيرًا من الجهد يُبْذَل لجَعْلِها الشَّر المستطير.
نِسْبَةً إلى “أكثريتنا العرقية والقومية” لدينا كثيرٌ من “الأقليات العرقية والقومية”؛ ونِسْبَةً إلى “أكثريتنا الدينية الإسلامية” لدينا كثيرٌ من “الأقليات الدينية”؛ ونِسْبَةً إلى “أكثريتنا الطائفية السنية” لدينا كثيرٌ من “الأقليات الطائفية والمذهبية”.
وفي هذا الواقع من التَّنَوُّع والتعدُّدية، حَريٌّ بنا أنْ نَفْهَم ونتمثَّل على خير وجه معاني الآية الكريمة “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”؛ فإنَّها لَنِعْمَةٌ أنْ نكون مختلفين؛ وإنَّه لواجِب علينا أنْ نتعارَف، فَيَعْرف بعضنا بعضًا في موضوعية، ويَعْتَرِف، مِنْ ثمَّ، بعضنا ببعض؛ فنحن جميعًا، َأكثرية كُنَّا أم أقلية، لنا الحق نفسه، الحق في “الوجود الحُرِّ الآمِن والمُعْتَرف به”، نتساوى جميعًا في الحقوق جميعًا، وفي الواجبات جميعًا، لا فَرْق بين مواطِن ومواطِن إلاَّ في “تقوى الدستور”، الذي توافقنا عليه، وارتضيناه، أساسًا لعيشنا المُشْتَرَك، في وطن واحد هو وطننا جميعًا، وفي دولة واحدة هي مِنَّا ولنا جميعًا؛ وإنَّ التَّحدِّي الحضاري والديمقراطي الأوَّل لنا هو أنْ نَدَع “الآخر” يُعَرِّفنا بنفسه، ويُعَرِّفنا (في الوقت نفسه) بأنفسنا؛ ففي “التعصُّب”، وبه، يرتفع (حتمًا) منسوب الوحشية في علاقتنا بـ”الآخر”؛ فـ”الآخر” لا يَظْهَر في مرآة المتعصِّب إلاَّ على هيئة شيطان رجيم، أو على هيئة عدوٍّ مبين، نَسْتَحِلُّ، بفضل “ثقافة التعصُّب” الكريهة البغيضة حتى قتله، ونخترع لتمجيد قتله ما تطمئنُّ له نفوسنا من أخلاق وعقائد.
لـ”تعارفوا” لا لـ”تَعاركوا (وتَذابحوا)” هو الغاية التي مِنْ أجلها جُعِلْنا شعوبًا وقبائل (أعراق وقوميات وأديان وطوائف ومذاهب..).
إنَّ “الآخر” في “الوطن (المُشْتَرَك بينكَ وبينه)” له ما لكَ من “حقوق”، وعليه ما عليكَ من “واجبات”؛ فهو ليس لـ”الإلغاء (والإعدام، والقتل، والذَّبْح)”، ولا لـ”الاضطهاد (والإذلال، والعَزْل، والتهميش)”؛ فنحن لن نصبح أبناءً للقرن الحادي والعشرين (بكل ما يعنيه حضاريًّا وسياسيًّا وثقافيًّا..) إلاَّ إذا اسْتَجَبْنا، وعَرَفْنا كيف نستجيب، لتَحدِّيه لنا أنْ نتعلَّم العيش المشترَك مع “الآخر”، وأنْ نَجْعَل وجوده نعمةً لنا، لا نقمةً علينا؛ فالتَّعدُّدية في مجتمعاتنا العربية ليست عَيْبًا ينبغي لنا إخفاؤه، ولا عِبْئًا ينبغي لنا التَّخَلُّص منه.
“الإكراه (والقهر والإرغام)” بوسائله وأساليبه المختلفة لا يؤسِّس إلاَّ لـ”مجتمع الكراهية”؛ فالكلُّ يتبادَل الكراهية مع الكُلِّ؛ وهذا مجتمع زائفٌ، مغشوشٌ، في وحدته، وتَضامِّه، وتَراصِّه، لا يعيش إلاَّ في الحرب الأهلية، وبها، أكانت مستترة أم ظاهرة.
“التعدُّدية”، والتي تتأكَّد فيها، وبها، صلابة ومتانة وحيوية العيش المشترَك، هي، في حدِّ ذاتها “حضارة”، ومقياس جيِّد وصالح نقيس به درجة تَحضُّر المجتمع وارتقاءه؛ فإنَّ أحدًا من العقلاء المتحضِّرين لا يُجادِل في “حضارة التعدُّدية”؛ لأنْ ليس من مجتمع متحضِّر، وفي القرن الحادي والعشرين على وجه الخصوص، إلاَّ ويسعى دائمًا في حماية أكثر لحقوق الأقليات من أبنائه، وفي توطيد أُسُس العيش المشترَك بين مُكوِّناته العرقية والقومية والدينية والطائفية جميعًا، وفي صَهْر ودَمْج مكوِّناته تلك.
“التعدُّدية”، والتي قد تكون على شكل “أكثرية وأقليات”، تَتَحَدَّانا حضاريًّا؛ وعلينا أنْ نستجيب، وأنْ نعرف كيف نستجيب، لهذا التَّحدي، مُتَّخِذين من تَنَوُّعنا رافعةً حضارية؛ وهي، في الوقت نفسه، تَتَحَدَّانا ديمقراطيًّا؛ وعلينا أنْ نستجيب، وأنْ نعرف كيف نستجيب، لهذا التَّحَدِّي، مُتَّخِذين من تَنَوُّعنا رافعة ديمقراطية، تَوَصُّلًا إلى جَعْل “دولة المواطَنَة”، أو “الدولة المدنية”، حقيقة واقعة راسخة تنبض بالحياة.
في الغرب، تعيش الآن أقليات عربية وإسلامية؛ ولو سَاَلْتَ كل عربي أو مسلم يعيش هناك عن مَطْلَبِه، وعَمَّا يريد، لأجابكَ على البديهة قائلًا إنَّه يَطْلُب، ويريد، مزيدًا من الحقوق، ومن احترام الحقوق، الخاصة بـ”الأقلية”؛ وإنَّه لَمَن الفساد الحقوقي بمكان أنْ نَسْتَكْثِر على الأقليات المختلفة في عالَمنا العربي أنْ تَطْلُب وتريد الشيء نفسه؛ فَلْنُحِبُّ لهم ما نُحِبُّ لأنفسنا!

إلى الأعلى