السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / النشاط المصرفي ورياضة جر الحبل!

النشاط المصرفي ورياضة جر الحبل!

عادل سعد

تتصدر تحذيرات دولية للمصارف من الوقوع مجددًا في خانة التعثر إذا لم تحزم حالها من خلال ضمان غطاء نقدي متيسر من رؤوس الأموال التي لا بد أن تقود حتما إلى تلبية القروض والنشاطات المصرفية الأخرى, بما يعني اعتماد موازنة لا تخل بالسيولة النقدية المطلوبة وليس فقط بالأصول, وكذلك ممارسة الإقراض الذي من شأنه أن يديم الصلة اليومية بينها وبين المتعاملين معها على أساس هامش من المخاطرة المقبولة التي يمكن تعويضها, وليس المخاطرة المفتوحة اعتمادًا على تكهنات قد لا تأتي متطابقة مع أهداف ترتبط بتحقيق فوائد معقولة.
الملاحظ من سياق تلك التحذيرات أنها تزامنت بشكل لافت مع مطلع العام الجديد وصدرت من دوائر استشارية معنية بدراسة تأثيرات الواقع المالي العالمي, وإذا كان من المناسب أن نقول إن أية أزمة مالية على الصعيدين الإقليمي، أو الدولي لا يمكن أن تكون خالية من رذاذ عدوى التعثر, فإن من المناسب أيضا أن تعيد العديد من البنوك قراءتها لما يترتب عليها من إجراءات لحماية حركتها من الوقوع تحت طائلة إغراء الأرباح الكبيرة والسريعة ضمن مناخ المنافسة في السوق المالية, ويحضرنا هنا أن نشير إلى ما قاله آدم بوزن رئيس معهد بيتر سون للاقتصاد الدولي في واشنطن الذي شبه ما جرى من كوارث إفلاس وتعويم عدد من البنوك الكبيرة خلال السنتين الأخيرتين, أنها كانت بمثابة رياضة جر الحبل.
إن هذه التحذيرات هي في حقيقتها تمثل توظيفا للمثل القائل (من حذرك كمن أنذرك) وهكذا يصح المنطق الإداري والاقتصادي أن نشير إلى أن طموح المغامرة لم يعد مقبولًا في واقع اقتصادي عالمي يشغله التذبذب والشحة والخصومات.
إن الضرورة الاستثمارية تتطلب التدرج والمزيد من العقلانية والتحسب لمخاطر كثيرة أصبحت متلازمة مع احتمال اشتدادها, ولعل النصيحة التي قدمها جاك لو وزير الخزانة الأميركية للأوروبيين في هذا الشأن ما يشير إلى ذلك، وكأن لسان حاله يقول (اسألوا مجربًا ولا تسألوا حكيمًا) في طرق على الجدار المالي الألماني بعد أن تهاوت بنوك في الولايات المتحدة الأميركية على الرغم أنها كانت إلى حد قريب توصف بالقلاع المالية.
إن السؤال الذي يستحق الإجابة هنا, هل نحن معنيون عربيًّا باعتماد سياسات مصرفية تتلمس طريقها ضمن مناخ التحذير من المغامرات المفتوحة والتمسك بالسياسات المصرفية التي تصب لصالح النشاط المالي الاستثماري المضمون, أي الذي يمتلك أقداما راسخة للتحرك, لا شك في ذلك, وعليه أن المصارف التي تمتلك (شهادات حسن سلوك) لا بد أن تكون ضمن آليات تأخذ بنظر الاعتبار الحرص على التزام توجهات من هذا النوع, وتأمين المصداقية على الودائع؛ لأن كسب ثقة المودعين تمثل مفتاح الثقة العامة لأي بنك من البنوك وكذلك تقنين الالتزامات, لا بمعنى تخفيضها, وإنما بمعنى مبدأ حسن التدبير الإداري الذي يمثل واحدًا من أهم مصادر قوة الائتمان.
إن هناك ضوابط أخرى لحماية البنوك, وأنا هنا أشير إلى البنوك الحكومية وبنوك القطاع الخاص أن تكون الشفافية وعاء لكل العمليات المصرفية، وقد تبين فعلا من الوقائع أن لجوء بعض الناس إلى تجميد مدخراتهم المالية في بيوتهم يعود في أحد أسبابه الرئيسة إلى فقدان الثقة بالمصارف، وهكذا تكون هناك كتلة مالية قد (تعطلت) نتيجة ذلك.
لقد تبين من قراءة الواقع المصرفي في العراق أنه بحاجة إلى منهج عمل يأخذ بالاعتبار جانبًا من التحذيرات المشار إليها وإن لم تكن الوقائع متشابهة، الأمر الذي جعل محافظ البنك المركزي العراقي يلوح بسحب رخص العمل من خمسة مصارف أهلية على الأقل لمخاوف من وقوعها تحت طائلة التعثر, وربما ينسحب الحال على مصارف في بلدان عربية أخرى.

إلى الأعلى