الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تدويل للتنازلات… وتنازلات يؤسس عليها!

تدويل للتنازلات… وتنازلات يؤسس عليها!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

بغض النظر عن المصير الذي ينتظر مشروع القرار العربي المقدم لمجلس الأمن الدولي لتصفية القضية الفلسطينية… أمرر، بعد إجراء المزيد من التعديلات والتبديلات، أو ما دعيت بـ”التليينات”، الهادفة لتفريغه من بعض مضامينه التي تبدت في صيغته الأصلية على بؤسها، وهذا ما جرى وأبدى مقدموه انفتاحهم واستعدادهم للمزيد منه. أم هو لم يحصل على أغلبية التسعة أصوات المطلوبة للتصويت عليه، وهذا هو حاله الآن، وبالتالي سقط على أعتاب المجلس ولم يتجاوزها. أو أنه أُجِّل إلى ما بعد نهاية الانتخابات الصهيونية وفقًا للرغبة الأميركية، ولعل الاستجابة لها هي الأغلب. أو أخيرًا أرداه الفيتو الأميركي المشرَّع سلفًا في انتظاره، لكنما لا يبدو أن أصحابه في حاجة للجوء إليه، إذ من البدء والجهود منصبَّة لإتاحة تفاديهم لذلك… بغض النظر عن مصير هذا القرار، وفي أيٍ واحدة من الحالات التي مر ذكرها، فهو مبدئيًّا، وفي صيغته الأصل، ناهيك عما لحقها فيما بعد من تشذيب وتليين، قد أقدم على خطوات تنازلية أوسلوية جديدة حظيت بغطاء عربي تسووي كالعادة، وتشجيع جهود أوروبية احتيالية متحمِّسة، ورعاية أميركية إيحائية غير مباشرة… خطوات إذ لا يمكن وصفها بغير التنازلية، فإن ما يزيد طينها بلة أنها لسوف تؤسس لأخرى لاحقة، تبدأ من حيث سوف يصعب بعدها على أصحاب خيار المفاوضات الذي ما من خيار لديهم عداه تجاوزها، وتنتهي بما ستتيحه للصهاينة من بناء عليها، أو استدرار للمزيد من تنازلات المتنازلين انطلاقًا منها واستنادًا إليها.
وإجمالًا كل ما يعني أن هكذا مشروع لهكذا قرار، وحتى لو سقط أو أُسقط، فإنه قد بات من الآن مرجعيةً لأية مفاوضات لاحقة متوقعة، لا سيما وأن أصحابه لم يتوجَّهوا أصلًا للأمم المتحدة إلا طلبًا لها وتسهيلًا لعودتهم إليها، أو أملًا في تحسين شروط هذه العودة… ما هي هذه التنازلات؟!
بداية، إنه لمن المتضح والذي لا من لبس فيه أن مشروع القرار المقدم، والذي لا يزال القابل للمزيد من التنقيح والتليين والمساومة، قد شكَّل هبوطًا بيِّنًا في مستوى مطالب مقدميه المعهودة وانحدارًا أكثر في سقفها فاق ما كان عليه سابقًا من انحدار، وصولًا إلى درك ما هو دون ما كانت قد منحتهم إياه ما ظلوا يراهنون عليها ويدعونها بـ”الشرعية الدولية”، في إشارة منهم لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية، مع تحفظاتنا على عوار عدالتها الشائن. كما لا حاجة للقول بأن هاته المطالب كانت دون ما تنص عليه المواثيق والقوانين والأعراف الدولية الضامنة أصلًا لحق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة، ناهيك عن كفلانها المفترض لحق مقاومة المحتل وشرعنتها المفترضة لحق تحرير الشعوب لأرضها المحتلة… أما التنازلات فمن غيض فيضها ما يلي:
تحدث القرار عن تفاوض “يستند” إلى حدود الرابع من يونيو 1967، وليس على أساس خطوطه كما كانوا يرددون سابقًا، وهذا بحد ذاته، إلى جانب كلامه عن تبادل للأراضي، فيه ما قد يفضي، وفي سياق معهود التفاوض بموازينه القائمة وخيمة رعايته إياها، إلى مشاريع ليبرمان الهادفة للتخلص من جزء من فلسطينيي المحتل من فلسطين في العام 1948، وإلى ضم مستعمرات الضفة إلى الكيان الصهيوني. وهو إذ تعرَّض للقدس فقد ذكرها كعاصمة لدولتين مع إغفاله متعمدًا التحديد هنا، أي متخليًا عن ذكر القدس الشرقية عاصمةً للدولة الفلسطينية كما كانت هي العادة سابقًا، بمعنى أن الأوسلويين قد يقبلون الآن بأن يعطيهم الصهاينة بضعة أحياء من أطرافها يريدون التخلص من فلسطينييها، أو من تلك التي تقع في ضواحيها المحاطة بالمستعمرات المشكلة الآن لما باتت تعرف بالقدس الكبرى، ويقولون لهم سموها قدسكم واجعلوها عاصمة لكانتوناتكم! هذا إذا أعطوهم أصلًا شيئًا في معهود مفاوضات لا يريدها الصهاينة إلا من أجل المفاوضات…
…كما يمكننا أن نستطرد فنقول، وإنه لتلقائي ومن تحصيل الحاصل تخليهم في مشروع قرارهم هذا عن حق العودة عندما يقرنونه بالمبادرة العربية وحلها “المتفق عليه”، أي الذي يُشترط قبول الصهاينة المستحيل به. ثم أوليس في نص القرار على وجوب التوقف عن ما دعاه “الخطوات الآحادية” من قبل الطرفين ما سوف يحرم الأوسلويين مما درجوا على المراوحة بين التلويح والتهديد به دون الإقدام عليه، وهو التخلي عن التزاماتهم الأمنية تجاه أمن المحتلين، والانضمام لمحكمة العدل الدولية وسائر المعاهدات الأممية الأخرى؟! وأخيرًا ما الذي يلزم الصهاينة بمثل هكذا قرار حتى لو مُرر فرضًا؟! ثم لماذا لم يجرؤ مقدموه على ذكر الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؟!
لا حاجة للقول، إن هذه التنازلات، قد جرت من وراء ظهر الشعب الفلسطيني، وهي في هذا، كانت تمامًا مثلها مثل كافة ما كانت قد سبقتها من تنازلات توالت في مسلسل مدمر تلاحقت حلقاته أعقب الكارثة الأوسلوية وجرت عقابيله وفقًا لإيقاعاتها، لكنما، وهنا الحق يقال، كانت إرهاصاته قد بدأت مبكرةً فكانت السابقة عليها فالممهدة لها، بل ويمكن القول إنها ترقى إلى البرنامج المرحلي في العام 1974.
والأدهى أن مثل هكذا خطوات تتعلق بمصير شعب ووطن وقضية هي بحجم القضية العربية في فلسطين وسمو عدالتها تنفرد باتخاذ قراراتها مجموعة قابعة تحت احتلال، بل حتى تفرَّد باتخاذها فرد تشتكي مجموعته نفسها بأنه لا يعود إليها… ناهيك عن معتاد الإهمال الكامل لمواقف قوى هذا الشعب وفصائله، المقاومة منها والمعارضة، والتي، من أسف، قد عجزت في أغلبها عن ما هو الأكثر من الإجماع على شجب مثل هذا التفرد ورفضها لما تضمنه مشروع هذا القرار رهن التليين من تنازلات… لكنها تنازلات سوف تظل غير الملزمة لشعب مقاوم مثل الشعب الفلسطيني…

إلى الأعلى