الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / في ذكرى رحيله .. جبرا إبراهيم جبرا شاعرًا

في ذكرى رحيله .. جبرا إبراهيم جبرا شاعرًا

في 12 ديسمبر سنة 1994 رحل عنا شاعر وروائي ومترجم فلسطيني مميز وبارز، وهو جبرا ابراهيم جبرا . عن عمر يناهز 74 عاما. هو مؤلف ورسام، وناقد تشكيلي، فلسطيني ، ولد في بيت لحم في عهد الانتداب البريطاني، استقر في العراق بعد حرب 1948 .انتج نحو 70 من الروايات والكتب المؤلفة والمترجمه المادية، وقد ترجم عمله إلى أكثر من اثنتي عشرة لغة. وكلمة جبرا آرامية الاصل تعني القوة والشدة. وبهذه المناسبة يقدم الشاعر الاستاذ الدكتور فاروق ابراهيم مواسي. دراسة بعنوان :جبرا ابراهيم جبرا شاعرا.
لا أعمد هنا إلى التفصيل، فهذا يضطرني إلى الوقوف على كل (ثيمة) شعرية وردت في شعر جبرا، بل من الأمانة أن أتقصى مقالاته النقدية وآراءه في الشعر، فلعل في شعره خاصة ما يساير نقده، أو لعل ما يقوله نقدًا لا يطبق نظمًا. تعرفنا على جبرا شاعرًا أولا بالإنجليزية، ويبدو أن دراسته في أوكسفورد مادة الأدب الإنجليزي تركت ظلالها عليه ، فها هو يكتب قصائد متفرقة بين سنتي 1942-1949، وقد جمعها له في مجموعة الناقد محمد عصفور، وجعل لها اسمًا هو (Fluctuations)، ولعل هذا العنوان هو للشاعر أو منه – كما يذهب د.عبد الواحد لؤلؤة في كتابه “منازل القمر”، حيث يتناول لؤلؤة شعر جبرا بالإنجليزية، فيذهب إلى أنه رومانسي الطابع، وخاصة في وقفته أمام البحر، أو في حديثه عن الموت، وهو يراه ضرورة لانبعاث الحياة في جمالها وطهرها… إنه الموت المصاحب للحزن. ويتركز لؤلؤة على تأثير الشعر الإنجليزي على شاعرنا مضمونًا، ثم شكلا ، حيث كانت قصيدة النثر أو على الأصح الشعر الحر –بالمعنى الأدق – ميدانًا يخوضه جبرا ويجلّي فيه، وعنوان مجموعته (Fluctuations) يعني التموجات/ التقلبات/ التردد، ويبرره لؤلؤة ، فيعطي نموذجًا من شعره المترجم للعربية ليدل على معنى هذا التقلب:

من موضع لموضع ومن أرض لأرض
من أمل إلى أمل نكدح في طريق لا ينتهي
والطموحات المستكينة تعترض
كالمحيطات المتداخلة تدعو لكي تدمّر
….
إذًا فشاعرنا منذ الأربعينيات نظم الشعر الحر- وبالمعنى الشائع اليوم “قصيدة النثر”- نظمه في اللغة الإنجليزية وفي مربى الرومانسية.
فلما عاد إلى العراق أصدر ديوانه الأول بالعربية- وهو “تموز في المدينة” (سنة 1959)، يومها علق شوقي “أبي” شقرا على هذه المجموعة:
“أسلوب جديد من الشعر يطل للمرة الأولى على الأدب العربي. إنه عنوان مرحلة جديدة يتخطى فيها الشعر العربي القيود التقليدية في المحتوى “. فجبرا كان ينشر في مجلة “شعر”، وهو من هذه الكوكبة الرائدة التي قدمت بعدًا جديدًا ونكهة جديدة في الشعر العربي الحديث، في هذه المجموعة يقدم جبرا نغمة مغايرة لما ألفناه من موسيقى تقليدية، إنه يقول عن أشعاره: “بعضها موزون وبعضها غير موزون”، وهو كما يرى- يموسق الفكرة أو الصورة، ويرفض أي لحن- بعبارة أخرى أيّ بحر- رتيب، ويذهب إلى أن موسيقى شعره يعرفها من يعرف الموسيقى الأوركستراليّة، فقد سئم اللغة الشعرية التقليدية (poetic diction) .
ثم كان كتابه الثاني، “المدار المغلق” وقد طبع سنة 1964 (ومن العجيب أن المؤسسة العربية للدراسات والنشر طبعته سنة 1981 وأشارت إلى أن هذه هي الطبعة الأولى). أما “لوعة الشمس”- الديوان الثالث، فقد صدر أواخر سنة 1979، ثم صدر الكتاب في طبعته الجديدة مصحوبًا برسوم الفنان راكان دبدوب (علمًا بأن جبرا نفسه رسام لامع وفنان تشكيلي متميّز). وهذه المجموعة – كما يذكر جبرا في صفحتها الأخيرة- هي قصائد ومقاطع كتبها في الخمسينيات والستينيات، وأضاف إليها ما كتبه حتى عام 1974، ويبرّر ذلك بقوله: “ليس الزمن فيها خطًا تاريخيًا مستقيمًا، بل هو دوائر متداخلة، وإذا اتحدت هذه الدوائر في المركز فإن ذلك بعضٌ من مناخ المجموعة– كما أنه بعضٌ من تبريرها النفسي.
… يستطيع القارئ أن يتلمس عنصرين بارزين في المبنى الشعري عامة، حيث نجد ما يثير “الدهشة”، وخاصة في سبك العبارات غير المألوفة على الأذن، ولم تعتدها جارية مع بعضها البعض، وفي شعره كذلك دفع نحو محاولة الفهم، حيث يسوق لنا إشارات ثقافية ومراجع وتصاديًا هنا وهناك، وسأعود إلى بيان هذه الناحية في توضيح مميزات شعره.
مميزات شعر جبرا:
أول ما يلفت النظر في شعر جبرا أنه وهو يكتب قصيدة النثر يتناول هموم القضية الفلسطينية ومعاناتها. وعهدنا بمدرسة مجلة شعر عامة، أنها تقدم الصور والإيحاءات، وتناقش الحداثة والأسطورة والرمز وترفض إدخال المذهب السياسي بصورة مباشرة ، فجبرا يكتب عن قبية (تموز ص55)، ودير ياسين (خرزة البئر، تموز ص59) وفي بوادي النفي (عن اللاجئين، ن.م ،ص 61 ) وكذلك ما نجده في لوعة الشمس ص9) وغيرها، وقد افتتح مجموعته “لوعة الشمس” بهذا الشجن العارم :
زماننا والمدينة:
**
جيل المأساة نحن ، وعن وعي نقبلها:
جيل عاصرت أرضه كلّ دورات الزمن
فوعى العصور كلها ،
عرف الزمان مضاعَفًا
ضاربًا عمقًا وعلوًا ،
عاشه عاشقًا متمردا
ويعيشه كل يوم صارخًا متحديا .
………..
ولكن لن نعيش إلا زمانها (1)
زمان مدينة الطور والزيتون
مدينة المعراج والجلجلة:
هي وحدها في الأرض لنا أرض
وهي وحدها في السماء لنا سماء .
…..
واقرأ قصيدته “ألعينيك أغني” (تموز ص9)، لتجد هذا التلاحم مع وطنه، وينهي ذلك بقوله:
أجل، لعينيك يا وجه بلادي
لعينيك أبكي وأغني
….
وفي قصيدته ” في أرضي التي اقتطعتها ” – ( تموز ص11 ) نجده يحافظ برموش عينيه على هذه الأرض التي عانى حتى خلصها من الشر ، وهو سيواصل مقاومته بإصرار :
غير أني بيدي ، بذراعي
أصد زواحف الجدب حولي ،
أقي القلب في الإنسان من الضياع .
….
و قصيدة ” لوعة الشمس – مملكة الحب ” –( لوعة ص 29) يبدو لنا و كأنها موجهة للقدس ، وذلك إذ يقول :
هناك أراهم على الأرصفة الحجر
يتناقشون يتصايحون ،
تحت أقواس البيوت القديمة ،
بين باعة الخضار والجلود ،
……….
من صبح لصبح ، حبيبتي
تقطر الساعات أصواتًا
سوداء كلها ،
والشمس تأتي بظلمة ،
مالحة ، جارحة .

• ويستخدم الشاعر- كما قلنا- هذه الإشارات والرموز والأساطير وهذا التصادي المكثف، وذلك غالب في قصائده عامة، فالعنوان “تموز في المدينة” (2) مثلا- فيه إشارة إلى تموز وعشتار- والخصب، وقصيدة “لعنة بروميثيوس” (المدار المغلق، ص63)، حاشدة بهذه الإشارات، وكذلك “ياقوت وحجر” (تموز، ص33)، فلنقرأ مثلا من قصيدة “خرزة البئر” (تموز، ص59):
احترق القمح واندلعت
قراب الزيت على بديد الحجارة
وعليها صلب عيسى من جديد
خرزة البئر لنا جلجلة ثانية
ومن ثغرها الخصيب ستنطلق
الحمم السوداء لاهبة لاظية
بلحم الصبايا والحبالى
لتبيد
زارعي الموت
مطعمي العقبان في أرضنا
وعندها من فيضها القدسي الخصيب
ستحيي ستحيي
كل قرانا من جديد
فخرزة البئر وعيسى والجلجلة نماذج من هذه الإشارات التي تصل الماضي الحاضر، فتتواشج الصورة وتتركب من أبعاد عميقة تكتسب الأسطورية.
* وفي شعره الاسترسال الحكائي، فهو روائي معروف، لذا لا عجب إذا لاحظنا النص الشعري السردي، وهذه ظاهرة متواترة في دواوينه الثلاثة الأولى، وسأختار عرضًا، وليكن من قصيدته “في يومي ذاك الأخضر” (تموز، ص65):
في يومي ذاك الأخضر
إذ كنت كالعود الطري
أخضر يومي وليلي
بين فروع التينة
أكل التين الندي
مع رفقتي الحفاة
( أقدامنا صخر مرمي)
وأبو خليل يصيح
راكضًا في قمبازه
في إثرنا
وسوطه في يده
“والله لاذبحكم
أكلتم التوت والتين….”
وفي شعره جرأة على البوح الجنسي، ففي ديوانه الأخير، يقدم متوالية حب، وتقع في اثنتين وعشرين قصيدة، وسأقرأ لكم بعضها من القصيدة التاسعة (ص83):
أتريد أن تقبلني؟
وتهدر الأنغام في رأسي.
وهل فقط أقبلك؟
أريد احتواءك كما
تحتوي الزوابع الأمواج الهائجة –
• ومقابل هذا التجلي الشعري في التجلي الجنسي، فثمة غموض وشفافية في كثير من عباراته، وأذكر أن من أول ما طالعته في الشعر الحديث على هذا النهج المتحرر قول جبرا:
لا أذكر إلا المبهمات
طيَّ نازعٍ يتحفّز
فالوضوح للمنطق الزائل مع اللحظة الزائلة
وتبقى المبهمات شواردَ تتردد
كألحانٍ نصفِ هناك مع شوق كالظمأ
في أيام الشمس المشرقة
( لوعة، ص66)
وتبقى هذه المداخلة بحاجة الى توسيع فيما ذكرت من نقاط لتبين وجهًا شعريًا بارزًا في مسيرة الشعر العربي الحديث عامة، والشعر الفلسطيني خاصة ، وحبذا الوقوف – لمن يبغي الاستقصاء – على قصيدتين لجبرا وجههما لتوفيق صايغ ( 3 ) ، حتى نستطيع التعرف إلى هذه العلاقة الشعرية شكلا ومضمونًا بينهما . كما أن هناك مسائل أخرى بحاجة إلى التوسع، كقول جبرا عن شعره هو ” إنه بعيد عن استعمال النعوت والمصادر….” (تموز، ص6)، وهذه مسألة فيها نظر… ثم إن رواياته ضمت بعض قصائده التي لم ترد في دواوينه الثلاثة. وهذه المقطوعات بحاجة إلى إطلالة أو إلمامة ( 6 ). ومهما يكن فإننا أمام شاعر شاعر سكب ذوب مشاعره مسترسلة فرمز، وحكى، وروى عن معاناته فلسطينيًا، وعن فكره مفكرًا، فراوح بين الغموض والتجلي وانطلق في إبداعه في صور متباينة وفي ألوان أدبية يطوف بها في آفاق الحداثة .

-1 نلاحظ هنا أن الشاعر يعني بها مدينة القدس .
-2 مصطلح ” الشعراء التموزيون ” ابتكره جبرا وأطلقه على الشعراء الخمسة : أدونيس ويوسف الخال وبدر السياب وخليل حاوي وجبرا نفسه ( انظر مجلة شعر العدد 20 – خريف 1961 ، مقالة جبرا ) ، ويبدو لنا تأثير الفكر المسيحي ومدى تواصله مع فكرة البعث في الأسطورة ) تموز وعشتار ( .
3 – ورد على لسان توفيق الصائغ أنه أجاب سائلاً سأله عن الكتاب الذي يمكن أن يصحبه لو قدر له أن يعيش في جزيرة منعزلة فقال : تموز في المدينة .

أ. د . فاروق إبراهيم مواسي
شاعر فلسطيني ، استاذ في أكاديمية القاسمي ـ باقة الغربية

إلى الأعلى